يبدو أنَّ إحساس الإنسان بالمصائب، والمُفجعات، والمؤلمات تبلَّد... تماماً كما يتبلَّد الجلد في جسده بعد لسع النار...، ألا يتذكر الإنسان الآية الكريمة التي تشير إلى هذه الحقيقة، حيث يبدل الله تعالى جلود أهل النار كلَّما نضجت؟... أليس في هذا التَّبديل ما يؤكد وقوع الجلد تحت تأثير النَّار حتى يصل إلى درجة فقد الإحساس؟ وماهو التَّبلُّد غير فقد الإحساس...
وليتأكد أولئك الواقعون تحت درجة من الحساسية ممَّن يرفضون أن يكونوا قد بلغوا في واقعهم من معطيات واقعهم درجة تبلُّد الإحساس أن عليهم أنْ يضعوا مؤشر التلفاز على آخر حدث مأساوي في العالم، ويقيسوا من ثمَّ درجة ألمهم وانفعالهم بما كانت عليه الدرجة ذاتها قبل أن يستفحل الشّر في الأرض، وتنتشر جريمة الإنسان في الإنسان وتصل حدّ اللاَّمعقول، بحيث إنْ مرَّ يوم دون مصائب، أو نكبات، أو فجائع فهو يوم استثنائي...، إنّهم بالتأكيد سوف يحركون المؤشر في منتهى الهدوء كي يشاهدوا آخر مباراة لكرة القدم أو السلة، أو فيلماً يعيد لهم ذكريات الستينات ونجوم «الشبابيك» السينمائية، أو يتوقفوا فجأة أمام دعاية ملفتة، أو مشوِّقة، أو مُعلِّمة لدرس جديد من دروس العصر الحديث... بطلها الإنسان صانع الرِّفاء، بمثل ما هو صانع الفناء!!...
ولا أدلَّ على تبلُّد الإحساس عند الإنسان إلاَّ تلك اللَّوحة «لطوابير» المسافرين أمام «كاونترات» صالات الشراء للتذاكر، أو «استلام بطاقات صعود الطائرة» أو تحويل العملة الوطنية إلى عملات بلدان وجهة السفر!!
كما لا أدلَّ على تبلُّد الإحساس من تلك التُّخمة التي يصاب بها كلُّ العائدين في الأوقات المختلفة من مطاعم الوجبات ذات المسميات العديدة باسم كافة مدن العالم وعواصمها، ومقاهٍ الشايُ أصبح فيها في عداد «المشروب الساخن التقليدي» الذي لا يطلبه إلا «عجائز» البيوت، ونزل مكانته «الكابتشينو» و«مِلْكْ تشك»، و«القهوة التركية» أو «تركش كوفي»... وقِطع الكعك بأسمائها الغربية والأمريكية... ولم يعد أحد عنده حسٌّ ليقاطع كلَّ ذلك إلاَّ بعض كبار السّن الذين لم يجدوا، ولا يجدون ما يشغلهم سوى الوقوف عند كلّ زاوية شراء يحدث أن يمروا بها لتُبَحَّ أصواتُهم وهي هزيلة بحكم السن واليأس وهم يقولون: «قاطعوا»... فالمسلم يُقتَل والناس لاتزال تضحك، وتسافر...، وتشاهد... وترتدي المزخرف... وتغتسل بالشامبو المعطر بزهور لم تعرف أنوف العرب رائحتها قبل أن تعتاد على طوابير السفر، وشدِّ أحزمة البناطيل حول الخصور!...
و... هل أنت ذو إحساس؟
أم أنَّك من الذين قد تبلدت مشاعرهم...
و... لا يزال بأيديهم أجهزة الريموت!!، وأكواب الكاباتشينو، وقطع الكعك؟...
عذراً...
قس درجة تبلُّدك...عفواً:احساسك..
كي تجيب.
|