* القاهرة مكتب الجزيرة علي البلهاسي - طارق محيي:
الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.. حكمة قديمة نتداولها في أوقات العمل خوفاً من تسرب الوقت بلا طائل ولا فائدة غير أن هذه الحكمة تنطبق أيضاً على أوقات الإجازات فإن لم يتم استثمارها جيداً انقلبت هذه الفترة ضدنا، وفترة الإجازة كما يراها الخبراء من أهم الفترات التي يمر بها الإنسان في حياته.. فكيف تقضي إجازة سعيدة وممتعة.
من هنا التقت «الجزيرة» بخبراء وأساتذة التربية وعلم النفس والاجتماع لتعطي قراءها الطريقة المثلى لقضاء وقت إجازة سعيدة وممتعة كما يراها أولئك الخبراء والمختصون:
بداية أكد الدكتور أحمد شوقي العقباوي استاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر أن الإجازة الصيفية ضرورة لراحة النفس والتخلص من الاضطرابات الوجدانية التي تصيب الفرد مع بداية فصل الصيف الذي يشهد ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة يصيب الكثير ببعض هذه الاضطرابات و لعل أهمها القلق والتوتر وشد الأعصاب، ولذلك فالحصول على قسط من الراحة في هذه الفترة من الصيف مهم جداً.
وأضاف قائلاً إن المجتمع البشري منذ تم تنظيمه مبكراً خصص فيه وقت للعمل ووقت آخر للفراغ والراحة، وتم اتفاق البشر جميعاً على أن تكون هناك إجازة من العمل كل فترة فهناك الإجازة الأسبوعية وإجازة الأعياد والمناسبات وإجازات خاصة يحصل عليها الأفراد، و لكن انشغال الأسر بأبنائها طوال فترة العام الدراسي جعل فكرة الإجازة مرتبطة أساساً بالإجازة الصيفية من المدارس للطلاب وهي الفرصة التي تستغلها الأسرة لقضاء إجازة جماعية في المصايف أو في الحدائق والمنتزهات أو غير ذلك.
وأكد الدكتور العقباوي أن الإجازة جزء من السلوك الإنساني وهناك عوامل تتحكم فيها لعل أهمها العوامل الاقتصادية والعوامل المناخية ولذلك فهي تأخذ أشكالاً مختلفة وكل منا يقضيها بالطريقة التي تتناسب مع ظروفه المادية، وقد اختلفت الصورة الآن عن الماضي، ففي الماضي كانت الأسرة تقضي الإجازة كاملة شهراً أو شهرين في أماكن مختلفة أما الآن فهي لا تتعدى أسبوعا أو أسبوعين نظراً لارتفاع تكلفتها المادية وضغوط الحياة والعمل على أرباب الأسر.
وأكد الدكتور العقباوي أن الإجازة ملكية خاصة وليس لها روشتة معينة لكيفية قضائها بأفضل طريقة، فأفضل طريقة لذلك هو أن يقضيها الفرد بحرية وبالطريقة التي تريحه هو شخصياً لأنها فرصة لتغيير نمط الحياة والاسترخاء وهدوء الأعصاب والاستمتاع بكل شيء وهذا كله ضرورة لاستعادة النشاط وبداية عام جديد من العمل، وأضاف أن الإجازة في بلادنا العربية لها معنى آخر وذلك بسبب عدم استغراقنا في العمل طوال العام فلدينا وقت فراغ كبير طوال العام ووقتا مهدرا وضائعا بلا فائدة ولذلك فنحن لا نشعر بمتعة الإجازة وهناك قاعدة تقول إن من لا يعمل جيداً وباستغراق طوال العام لا يستطيع الاستمتاع بالإجازة.
وأوضح الدكتور العقباوي أن اتجاه بعض الأسر إلى مواصلة الدراسة مع أبنائهم خلال الإجازة الصيفية هو موضوع يحتاج إلى توازن في التطبيق، وقال إنه لا مانع تحت ضغوط الثانوية العامة أن تخصص الأسرة لأبنائها وقتاً في الصيف للتحصيل الدراسي ولكن يجب ألا يأتي هذا على حساب راحتهم ومتعتهم بالإجازة ولكن يخصص الوقت الأكبر للفسح والترويح ولا مانع من أسبوع أو أسبوعين في أحد المصايف.
راحة الطلاب
ويقول الدكتور جمال الدين إبراهيم المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة الزقازيق إن أفضل الطرق للاستمتاع بالإجازة هي أن يقوم الشخص بعمل أي شيء حرم منه أثناء العام الدراسي، والجيل الحالي أكثر حظاً من الأجيال السابقة في توافر الوسائل التي تحقق له الاستفادة والاستمتاع بالإجازة مثل المراكز الثقافية المتعددة والمكتبات والنوادي الرياضية و نوادي الكمبيوتر والإنترنت، كما أن المدارس في الصيف تفتح أبوابها للطلاب ليمارسوا فيها جميع الأنشطة التي يحبونها تحت إشراف متخصصين، وكل هذه الوسائل تتيح للطالب فرصا متعددة للاستمتاع بإجازته.
وقال بالإضافة إلى الأنشطة السابقة لابد أن يخصص الطلاب لأنفسهم وقتاً للراحة و الاسترخاء ولا شك أن الفسح والمصايف هامة جداً لتجديد النشاط ولكن ليست الإجازة كلها محصورة في الفسح والمصايف، فالإجازة فرصة للطالب لينمي نفسه بعيداً عن التوتر و القلق أثناء العام الدراسي، فيستطيع أن ينمي عقله ويوسع مداركه بالقراءة والاطلاع و التعامل مع منجزات العصر كالكمبيوتر والإنترنت وينمي جسمه بممارسة الرياضة ويجدد نشاطه بالفسح والرحلات والمصايف والراحة والاسترخاء والأصدقاء وزيارة الأقارب، و من المهم جداً أن يخصص لكل جانب من هذه الجوانب وقتاً حتى يستطيع الاستفادة من الإجازة بأكبر قدر ممكن.
وأشار استاذ المناهج وطرق التدريس إلى خطأ شائع تقع فيه أسر كثيرة قائلاً إن بعض الأسر تستغل الإجازة لكي تبدأ العام الدراسي مبكراً قبل بدايته الفعلية فتحفز أبناءها على مواصلة المذاكرة والاستعداد للعام الدراسي المقبل بمجرد انتهاء العام الماضي ظناً منهم أن هذا يضمن لهم التفوق والتميز وهذا خطأ شديد ويؤدي إلى حدوث أضرار بالأسرة والأبناء والطلاب، فهو يمثل عبئاً كبيراً على الأسرة بالنسبة لتواصل الدروس الخصوصية طوال العام وهي عملية مرهقة مادياً للأسرة كما أن القلق والتوتر على الأبناء يتواصل طوال العام. وبالنسبة للأبناء الطلاب فبداية العام الدراسي مبكراً تصيبهم بقدر كبير من القلق والملل والتوتر، و النتيجة أن الطالب يصاب بالتعب والإرهاق لأنه لم يأخذ الوقت الكافي من الراحة ليجدد نشاطه ويسترد قواه وهذا يكون له مردود عكسي على مستواه الدراسي الذي ما أن يصل لمستوى عال حتى يبدأ في الهبوط وهذا ما يحدث وتشكو معظم الأسر من أن أبناءها متميزون في الدراسة ويصابون وقت الامتحان بحالة من عدم التركيز وهذا بسبب التعب والإرهاق وعدم الراحة فالعام الدراسي 8 شهور كاملة ولا يحتمل إضافة وقت آخر إليه.
وانتقد الدكتور جمال بعض السلبيات في ممارسات الطلاب أثناء الإجازة كازدحام المقاهي بهم لساعات متأخرة من الليل والتسكع على نواصي الشوارع ومضايقة المارة ومعاكسة الفتيات وكذلك الاستماع إلى الكاسيت أو التلفزيون بصوت عال وإقلاق الجيران وممارسة الرياضة في الشوارع وقال إن هذه التصرفات شاذة وتحتاج إلى تعديل حتى يستطيع الجميع الاستمتاع بإجازتهم.
ضغوط الحياة
ويرى د. محمد صلاح استاذ علم الاجتماع جامعة القاهرة أنه مع ضغوط الحياة الكثيرة ومع السرعة الرهيبة في العالم من حولنا أصبحت الإجازة فترة قصيرة جداً يكون فيها الإنسان مشغولا، ولديه التزامات تجاه اسرته وعمله إذن مسألة الإجازة في ظل هذه الضغوط الحياتية مشكوك فيها، ويرجع ذلك لأسباب عديدة.. بالنسبة للطالب فإنه يظل طوال العام الدراسي الذي يستمر أكثر من ثمانية أشهر يحصل فيها دروسه وحتى بعد الامتحانات يظل جو التوتر يسيطر على الأسرة حتى معرفة النتيجة النهائية، وبعدها تكون فترة الإجازة قصيرة جداً و مرتبطة بإجازات الأب والأم وطبيعة عملهما، وهو ما يعطي انطباعا لدى الأولاد بقصر الإجازة.
وأضاف د. صلاح أنه بالنسبة للأسرة ففي ظل الحياة السريعة والمطالب الكثيرة أصبح التقارب الأسري بين أفراد الأسرة الواحدة أو بين الأسرة والعائلة ضعيفا جداً أو يكاد يكون معدوما إلا في المناسبات، وأكد أن التفكك والتباعد بين أفراد الأسرة الواحدة وبين أفراد العائلات أصبح علامة من علامات عصر السرعة والتكنولوجيا والسعي وراء المادة. كما أن فترة الإجازة أصبحت تشكل عبئاً على الأسرة من الناحية المادية والناحية التربوية، فأصبحت الإجازة دعوة للبذخ والإسراف وكثرة المطالب التي تثقل كاهل الأسرة، وبالنسبة للجانب التربوي فالأسرة في فترة الإجازة غير قادرة على توجيه سلوك الأبناء الذين يعتبرون الإجازة دعوة للخروج والانطلاق والتحرر من القيود وهو ما يؤثر على الانضباط داخل الأسرة.
وأكد د. صلاح على ضرورة الإجازة وأهميتها حتى لو كانت فترة قصيرة فهي فترة للاستجمام والراحة وكسر الملل اليومي ومن ثم العودة للعمل بعدها بروح جديدة ونشاط كبير وجدية كاملة، وطالب بوضع جدول زمني حتى يستطيع الإنسان الاستمتاع بكل لحظة في الإجازة بحيث يكون قادراً على الاستمتاع بالخروج والمصايف والمتاحف والترويح والرياضة وأيضاً الثقافة بوضع مواعيد للقراءة والاطلاع فالإجازة كما هي للترويج فلابد أن يكون فيها أيضاً جزء للروح والعقل، وتعويد الأبناء على الاطلاع الدائم والقراءة لأنها غذاء العقول. كما يخصص وقت للزيارات العائلية وتبادل الزيارات حتى تقوى الروابط الأسرية و نزيل ما يكتنفها من قصور في فترات العمل الدائمة. كما دعا د. صلاح وزارات التعليم بوضع نظام أفضل للدراسة ومحاولة التخفيف عن أبنائنا في مناهج التعليم أسوة بمناهج التعليم في الدول المتقدمة، وحتى يستطيعوا الاستمتاع بفترة إجازاتهم.
محطة هامة
ومن جانبه يرى د. سعيد المصري استاذ علم الاجتماع جامعة القاهرة أن الإجازة تأتي كمحطة هامة ورئيسية للراحة بعد موسم كامل من التعب والعناء مؤكداً على أهمية الإجازة اجتماعياً ونفسياً وهو ما يعود على المجتمع حيث يكون هناك ميل كبير للعلاقات الاجتماعية والإسرية والتي تكون بطبيعة الحال مفتوحة في فترة الصيف رغبة في قضاء وقت الفراغ المتسع مع أفراد الأسرة أو العائلة وهو ما يعمل على تقوية الروابط الأسرية والعائلية، وعن داخل الأسرة الواحدة فإن العلاقات الإسرية تتوقف على دور الأسرة وعددها فبعض الأسر تمثل الإجازة بالنسبة لهم ضغوطا وتوترا مستمرا حيث إنها لا تستطيع أن تمارس أدوارها في الرقابة الاجتماعية والاطمئنان على سلامة كل أفرادها، ففي فترة الإجازات يكون الأبناء دائمي الخروج مع الأصدقاء ومن هنا تكثر الشللية وأصدقاء السوء، مما يسبب قلقا دائما للأسرة، مطالباً الأسر بمقاومة ذلك ورفضها هذه النوعية من السلوك وتوعية الأبناء بخطورة أصدقاء السوء وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة.
وأضاف د. المصري أنه في فترة الإجازات الصيفية يتعين على المؤسسات الثقافية والرياضية والترويجية أن تستقطب الطلاب في برامجها الترفيهية والثقافية حتى تستطيع تنمية مهاراتهم الذهنية والبدنية وتوسيع مداركهم واستغلال قدراتهم في أشياء مفيدة لهم ولمجتمعهم، ودعا إلى محاولة خلق الألفة بين الأبناء وبين الأشياء والعادات الحميدة كالاطلاع على الكتب والثقافة العامة ومعرفة التكنولوجيا الحديثة، وممارسة الرياضة المفيدة وغرس الأخلاق القويمة في نفوس الأبناء، وإعطائهم انطباعا عاما بأن الإجازة ليست فقط وقت فراغ مهملاً يقضى في اللعب والخروج والفسح ولكن يجب الاستفادة منها بقدر الإمكان بجوار الاستمتاع بكل ما هو جميل فيها، مؤكداً على أهمية الدور الذي تقوم به المؤسسات الاجتماعية والثقافية والأندية الرياضية في الإجازة الصيفية وهو دور مكمل لدور الأسرة في بناء إنسان صالح للمجتمع و الناس.
|