Monday 22nd July,200210889العددالأثنين 12 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

ابن غنَّام مؤرخاً لنجد في عهد الدولة السعودية الأولى (2) ابن غنَّام مؤرخاً لنجد في عهد الدولة السعودية الأولى (2)
عبدالله الصالح العثيمين

اشتملت الحلقة الأولى على إشارات إلى مكانة نجد ومسيرتها التارخية قبل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب التي حدثت في القرن الثاني عشر الهجري، كما اشتملت على إشارات الى بعض المحاولات التي قام بها عدد من اهل نجد للكتابة عن بعض الحوادث، أو تقييد تواريخ حدوثها؛ سواء قبل قيام تلك الدعوة أو بعده. وابتداء من هذه الحلقة سيكون الحديث عن ابن غنَّام وتاريخه.
ولد حسين بن أبي بكر بن غنَّام المنتمي الى قبيلة تميم في بلدة المبرز بمنطقة الأحساء، التي كانت مركزا من مراكز العلم في الجزيرة العربية. وموئلا لعلماء يتبعون مذاهب اسلامية مختلفة؛ مما هيّأ فيها مناخا جيدا لتلاقح الافكار، وقد برز منه أسرته، التي كانت على الأرجح مالكية المذهب، عدد من العلماء. ونشأ الفتى في ذلك المناخ العلمي، الذي واكب إمكاناته الذاتية، فأصبح عالم شريعة، وأستاذ لغة، وناظم شعر. ولعل خير شاهد على مستواه الشعري تلك القصيدة التي مدح بها الشيخ عبدالله بن أحمد آل عبدالقادر، والتي أستهلها مثل عادة كثير من شعراء عصره بنسيب ورد فيه:


هل الفجر إلا ما بدا من جبينها
أو الورد إلا ما جلاه احمرارها
أو الليل إلا من مُعسعس شعرِها
أو الخمر إلا ظِلْها لا عُقارها
أو السهم إلا ما تريش جفونها
أو البيض إلا لحظها لا غِرارها
مهاة تريك الشمس طلعةُ وجهها
إذا أسفرت يجل الظلام نهارها

وقصيدته التي هنأ بها الكريم أحمد بن رزق على زواجه عام 1189هـ. وقد استهلّها بقوله:


أدر كؤوساً من سلاف المدام
ولا تكدّرها بفرط الملام
فقد أتى القصد وحق المنى
والدهر قد زان وحان المرام
والوقت صافٍ والصبا برده
ضافٍ وقد عاج وماج الغرام
وطابت النفس ورقّ الهوى
وقرّ بالعين لذيذ المنام

كانت تلك مؤهلات الشيخ حسين بن غنَّام في مطلع القرن الثالث عشر الهجري. وكانت الدولة السعودية الأولى حينذاك قد أكملت توحيد منطقة نجد، وبدأت محاولاتها لانتزاع منطقة الأحساء من قادة بني خالد الذين سبق أن ناصبوها العداء، وقاموا بغزوات متعددة ضدها. وكان نجاحها قد جعل من قاعدتها، الدرعية، محطّ أنظار طلاب العلم في المنطقة؛ وبخاصة ان الشيخ محمد بن عبدالوهاب كان ما يزال على قيد الحياة، وأن أعداداً ممن تخرجوا على يديه وفي طليعتهم أبناؤه قد أصبح لهم تلاميذُ كثيرون. ومع أن الكتابات التي دونها الشيخ وتلاميذه توضح انهم كانوا على مستوى جيد بمعرفة قواعد اللغة العربية فإن التزّود من هذه القواعد كان أمرا مطلوباً. ولذلك لم يكن غريبا أن يدعى ان غنَّام إلى الدرعية ليقيم فيها، وينتفع الطلاب بما لديه من معرفة لغوية. ولم يكن غريبا، أيضاً أن يكون ذلك اللغوي ممن تطلّعوا إلى العمل في الدرعية بعد أن احتلّت ما حتلّت من مكانة رفيعة وشهدت ما شهدت من تطور كبير؛ وبخاصة أن كتاباته في غير مجال التاريخ؛ مثل «العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين»، توضح أنه مقتنع بالطرح الذي طرحه الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأنصاره. ولقد بقي ابن غنَّام في العاصمة السعودية، الدرعية، حتى وفاته سنة 1225ه/1810م. على أنه ليس من المؤكد متى قدم إليها؛ أكان ذلك في أثناء حياة الشيخ محمد، المتوفي سنة 1206ه، أم بعد أن دخلت منطقة الاحساء تحت الحكم السعودي عام 1208ه؟ فالقرائن التي توحي بأن قدومه كان في أثناء حياة الشيخ تكاد تتساوى، من حيث القوة، مع القرائن التي توحي بأن ذلك القدوم كان بعد وفاته.
لقد أشار ابن غنَّام في مقدمة تاريخه إلى أنه أراد أن يكتب عن الغزوات التي قام بها أنصار دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب. ومع أنه استصعب ذلك؛ وبخاصة أنه كان مغترباً عن وطنه (كما قال) إلا أن داعي النفس لذلك كان كثيراً (وصحتها كثيراً)، والإمام أيَّده الله تعالى يعزم عليَّ في ذلك ويشير، فشرع في كتابته. وعبارة «أيده الله تعالى» تقال، عادة، دعاء للحاكم السياسي. وقد عاصر ابن غنَّام في الدرعية حاكمين من آل سعود هما: عبدالعزيز بن محمد وسعود بن عبدالعزيز. على أنه تناول تاريخ مؤسس الدولة السعودية الأولي محمد بن سعود، والموجود من تاريخه لم يصل إلى حكم سعود بن عبدالعزيز.
والمتأمل في تاريخ ابن غنَّام يجد أنه كان إذا تحدَّث عن محمد بن سعود، المتوفى سنة 179هـ، سماه الأمير؛ وذلك من بداية حديثه عنه سنة 1157هـ إلى سنة 1178هـ، غير انه ورد في قصيدة له عن فشل حملة زعيم بني خالد، عريعر ابن دجين، في السنة الأخيرة قوله:


بحكم إمام المسلمين وعدله
تحاط نواحيها ويحمي عرينها

وهذه هي الإشارة الوحيدة إلى محمد بن سعود بأنه إمام المسلمين. أما حديث ابن غنَّام عن عبدالعزيز بن محمد فمختلف، كان يسميه في أغلب الأحيان عبدالعزيز فقط بدون لقب، لكنه في حالات قليلة ذكر ما يثير سؤالاً حول اللقب الذي أراده له. فعند ذكره لوفاة محمد بن سعود، سنة 1179ه، قال (ج2، ص74): «وفيها بايع عبدالعزيز أهل الإسلام، وأعطوه على الإمامة عقد الأحكام». وفي كلامه عن حوادث سنة 1190ه قال (ج2، ص 95): لما غدر زيد بن زامل، أمير الدلم، بالعهد، «وبلغ ذلك على الجزم واليقين، عبدالعزيز إمام المسلمين»، أمر بغزوه، وفي كلامه عن الحوادث التي جرت في جنوبي نجد، سنة 1202ه، قال( ج2، ص 133): «ثم بعد ذلك بأيام، قدموا على عبدالعزيز الإمام، فأكرمهم.. غاية الإكرام»، لكنه قال (ج2، ص 137): في سنة 1202ه؛ أي في السنة السابقة نفسها، «أمر الشيخ محمد بن عبدالوهاب المسلمين أن يبايعوا سعوداً على الإمارة بعد أبيه». وفي كلامه عن أحداث عام 1205ه قال (ج2، 148): «وفي أثناء تلك الليالي والأيام، أمر عبدالعزيز الإمام، أهل الإيمان والإسلام. «وفي كلامه عن أحداث سنة 1210ه قال (ج2، ص 174): «وفيها؛ وبرّاك (بن عبدالمحسن) وأهل الحسا من تحت إمام المسلمين، لمعت للفتنة بوارق. ثم قال (ج 2، ص 193): «فلما تحقق عبدالعزيز الإمام، عن ثويني بصحيح الكلام..» ثم قال (ج2،ص 197): إن برّاك (بن عبدالمحسن) «قد أرسل إلى عبدالعزيز الإمام، حدود مسيره الى الشمال تلك الأيام. «وقال (ج2،ص 200): فلما عرف إمام أهل الإيمان، ما قصده ذلك الإنسان. «لكنه مع كل ذلك قال عنه فيما بعد (ج 2، ص 246): «ولما أتى الخبر عبدالعزيز» دون وصف أو لقب. ويتضح مما سبق أن بين تسمية ابن غنَّام عبدالعزيز بن محمد بالإمام، أحياناً وبين السجع، الذي كان المؤلف مغرماً به، صلة وأي صلة. وهكذا يتضح أن ابن غنَّام لم يتخذ موقفاً معيناً من تسمية عبدالعزيز.
ولقد ذكر ابن غنَّام في مقدمة تاريخه أنه سمَّاه «روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام». ولم يتحدّث فيه عن حال أحد سوى الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الذي فصل الكلام عن حياته تفصيلاً جيداً. ومعنى ذلك ان المقصود بكلمة «الإمام» الشيخ، هنا، محمد نفسه. ومع أنه كان إذا تحدث عنه وصفه بالشيخ، في أغلب الأحيان، فإنه وصفه في مقدمة كتابه بقوله (ص 3) إمام الموحدين، كما وصفه فيها بقوله (ص 29) فانتظم في سلك الإمام (يعني الشيخ) رجال، ووصفه عند حديثه عن لجوء سعدون بن عريعر إلى الدرعية سنة 1200هـ (ج 2، ص 125) بالإمام، وعندما رثاه سنة 1206هـ، قال عنه (ج2، ص 155):
إمام أصيب الناس طراً بفقده
وطاف بهم خطب من البين موجع
وقد يسأل سائل عن الهدف من الاستطراد في هذه المسألة. والجواب هو انه إذا ترجَّح أن ابن غنَّام كان يقصد بالإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب عندما قال في مقدمته: «والإمام يعزم عليّ» فإن ذلك يعني أنه قدم إلى الدرعية قبل وفاة الشيخ وقبل أن تدخل منطقة الأحساء تحت الحكم السعودي. أما إذا ترجَّح أنه كان يقصد بالإمام الحاكم السعودي وعبارة «أيده الله تعالى» ترجح ذلك فإن ذلك لا يدل على قدومه الى الدرعية والشيخ محمد ما زال على قيد الحياة.
على أنه ورد في أحد المصادر المخطوطة ان الشيخ عبدالله الكردي أرسل من البحرين، سنة 1209ه، أبياتا إلى ابن غنَّام، الذي كان حينذاك قد أتى إلى الزيارة، فأجابه بقصيدة ضمنها مدحا للكريم أحمد بن رزق، كما مدح هذه الكريم بقصيدة أخرى في السنة نفسها. وكونه في الزيارة تلك السنة؛ مادحا لذلك الرجل الكريم، قد يرجح أنه لم ينتقل بعدُ إلى الدرعية. ذلك ان ذهابه من هذه المدينة بما لقيادتها حينذاك من ثقل سياسي الى الزيارة ليمدح رجلاً من غير أفراد تلك القيادة زمر مرجوح. على ان المصادر تذكر انه كان من بين الذين درسوا عليه قواعد اللغة العربية في الدرعية الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، الذي لازم الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ورأس وفدا من العلماء إلى مكة، سنة 1211ه، لمناظرة علمائها، ثم أصبح رئيسا لقضاة مكة من سنة 1221ه إلى وفاته سنة 1225ه، فرئاسته لوفد من العلماء، سنة 1211ه، يرجح أن دراسته القواعد على ابن غنَّام كانت قبل ذلك ربما بسنوات عدّة.
وسواء كان قدوم ابن غنَّام الى الدرعية قبل وفاة الشيخ محمد بن عبدالوهاب أو بعد وفاته فإنه أصبح أستاذاً لعدد ممن أصبحوا بين علمائها البارزين.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved