Friday 16th August,200210914العددالجمعة 7 ,جمادى الثانية 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

نقاط فوق الحروف نقاط فوق الحروف
إحياء وظيفة الحسبة (2-15)
مرزوق العشير

ويتضح من ذلك كله ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المبادئ الشرعية ذات الأثر الاجتماعي والخلقي المهم في حياة الأمة فهو - كما يقول ابن باز رحمه الله -: «من أهم الواجبات الإسلامية التي يترتب عليها صلاح المجتمع وسلامته ونجاته في الدنيا والآخرة».
فبالإضافة إلى كونه وسيلة لحماية العقيدة وحفظ الدين وإقامة شعائره فإنه كذلك وسيلة لحماية المجتمع المسلم وإصلاح أفراده ومؤسساته، به ينتشر الخير ويعلو الحق وتعم الفضائل، وبدونه أو بالتقصير في تطبيقه تشيع الفاحشة وتنتشر الرذيلة ويظهر الفساد في الأرض وتزداد معدلات الجريمة وبالأخص في المجال الأخلاقي.
إنه مبدأ قرآني أكدته السنة النبوية وأجمع عليه علماء الأمة وفقهاؤها من السلف والخلف قال النووي -رحمه الله-: «وقد تطابقت على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنّة والإجماع وهو أيضاً من النصيحة التي هي من الدين» (صحيح مسلم بشرح النووي 2/22). وقال ابن حزم - رحمه الله-: «اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منها» (الفصل في الملل والأهواء والنحل5/19).
ومن أنفس ما قيل في بيان أهمية هذا المبدأ العظيم وبيان مكانته في الإسلام قول الغزالي -رحمه الله-: «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمّت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد» (إحياء علوم الدين 2/443).
ولتطبيق هذا المبدأ وتحقيقه على أرض الواقع تبنته الدولة الإسلامية بشكل رسمي واعتبرته أحد وظائفها الأساسية، فأقامت ولاية الحسبة باعتبارها جهازاً مستقلاً وآلية رسمية لإقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكانت هذه الولاية منبثقة عن ولي الأمر في الدولة المسلمة ومرتبطة به مباشرة لأنه ما نُصب إلا للقيام بهذه المهمة الجليلة. قال ابن تيمية -رحمه الله- : «وولي الأمر إنما نُصب ليأمر بالمعروف وينهي عن المنكر وهذا هو مقصود الولاية» (السياسة الشرعية ص72).
إن الحسبة نظام إسلامي أصل ابتكره المسلمون مع بواكير إنشاء دولتهم فكان بمثابة التطبيق العملي لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولذلك فإن خير وسيلة تستعين بها الدولة الإسلامية المعاصرة على تحقيق هذه الفريضة هي تكوين جهاز إداري يرعى تنفيذها ويضع خططها ويعمل على تطوير طرق التطبيق وأساليب الممارسة وفق سياسة شرعية تعمل على جلب المصالح وزيادتها ودرء المفاسد والشرور وتقليلها.
وإذا كان إنشاء هذا الجهاز (جهاز الحسبة) مطلباً إدارياً يفرضه الواقع في هذا العصر الذي تمايزت فيه الأعمال والتخصصات وتوزعت المهام والمسؤوليات على أجهزة إدارية متخصصة، فإنه كذلك مطلب شرعي؛ بحكم انه الوسيلة القادرة في هذا العصر على تطبيق واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن الوسيلة إلى الواجب واجبة شرعاً؛ وهو كذلك ضرورة اجتماعية؛ نظراً لدوره العظيم في حفظ المجتمع المسلم وحمايته من الانحرافات العقدية والأمراض الاجتماعية والمفاسد الأخلاقية؛ لاسيما وأننا نعيش في عصر تزايدت فيه هذه الانحرافات والأمراض والمفاسد، وتعددت وسائلها وأساليب ترويجها على مستوى العالم كله، ولم يعد من وسيلة لتجنب آثارها الخطيرة سوى تحصين المجتمع المسلم من الداخل وحمايته من كل أسباب التفكك وعوامل الانحلال ومنع كل ظاهرة اجتماعية أو سلوك فردي أو تصرف مؤسسي يخالف شريعة الإسلام في أي مجال من مجالات الحياة.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved