كان حديثهم يدور حول قضية الزواج، كعادتهم فهم لا يجلسون مجلساً إلا ويتناولون هذه القضية، فالتكاليف باهظة، والشروط معجزة، وكثر العزاب من الشباب، وامتلأت البيوت من العوانس. وهم من المساهمين في إيجاد مثل هذه المشكلة، كلامهم كلام الأدلاء وهم في الحقيقة قطاع طرق، فمنهم من اشترط مهراً لابنته لم يشترطه غيره، ومنهم من أبى إلا أن يكون زواج ابنته في القصر الفلاني، المشهور، الذي يتسابق المراؤون في حجزه، ويحرص مرضى حب الثناء، على أن تكون زواجاتهم فيه، فلما طلبوا منه أن يكون الزواج في استراحة، قال متعجباً: أنا ابنتي تتزوج في استراحة! بل من بينهم من ذبح في زواج ابنته عشرين خروفاً ونحر جملين، وقدم أكثر من ثمانين صحناً وليمة للزواج، ووالله إن من بينهم من دفع مبلغاً خيالياً أجرة «للطقاقات» يعمل به نفسه شهراً كاملاً.
إذاً هم يتحدثون للتسلية، وللقضاء على الوقت، وواقعهم كواقع الذين ذكر الله بأنهم يقولون مالا يفعلون:{يّا أّيٍَهّا الذٌينّ آمّنٍوا لٌمّ تّقٍولٍونّ مّا لا تّفًعّلٍونّ، كّبٍرّ مّقًتْا عٌندّ اللّهٌ أّن تّقٍولٍوا مّا لا تّفًعّلٍونّ} .
فالقضية لا تحتاج لمزيد كلام، إنما هي بحاجة لفعل رجال، فقد أشبعت القضية كلاماً، وألف الناس ذلك، إلى درجة أنه صار الكلام عنها لا يؤثر بهم، ولا يحرك فيهم ساكناً، فشبعنا كلاماً ونريد فعلاً.
إن القضية تحتاج لرجال يسبق فعلهم قولهم، ويكونون قدوات خير لغيرهم، فيسنون في الإسلام سننا حسنة يكون لهم أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، يلتمسون رضا الله ولا تأخذهم في الله لومة لائم، يكون مرجعهم في كل أمورهم لا سيما في أمر الزواج كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الذي لا يضل من مسك بهما أبداً، لا يبالون بما سيقوله الناس، ولا يعتبرونه عندما يكون مخالفاً لما يحبه الله، ومنافياً لما حث عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ينظرون لبعض العادات الجاهلية، والنعرات القبلية، إنما يبادرون في تزويج من يرضون دينه وأمانته حتى ولو كان من كان، لأنهم إن لم يفعلوا ذلك، كانت الفتنة والفساد الكبير، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
إن القضية تحتاج لرجال، بمعنى هذه الكلمة، يقومون بواجبهم، ويعرفون حقهم، ولا يتنازلون عما جعل الله لهم من القوامة: {پرٌَجّالٍ قّوَّامٍونّ عّلّى پنٌَسّاءٌ} فيكونون حرباً على الشكليات الخاطئة، والمظاهر الزائفة.
إن القضية تحتاج لرجال، عندما يأتيهم الخاطب، مرضي الدين والخلق والأمانة، يقبلونه بعد موافقة صاحبة الشأن، فلا ينظرون لمرتبته، ولا لراتبه، ولا لشهادته، ولا لأرصدته، ولا لقبيلته، ولا لونه، ولا لزوجته، بل ولا لزوجاته، لأن هذه أمور لم يشترطها الدين في الزواج، إنما قال: إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه.
* حائل ص ب 3998 |