Friday 16th August,200210914العددالجمعة 7 ,جمادى الثانية 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

رياض الفكر رياض الفكر
الرجل الكبير!!
سلمان بن محمد العُمري

تعتبر مراحل حياة الانسان مراحل حتمية وضعها الخالق - عز وجل - لتسير الحياة الى غايتها التي ارادها الله سبحانه لها، فالطفل يصير شاباً والشاب يقوى عوده ويصبح رجلاً، والرجل يتجه نحو الكهولة، والكهل ينحدر نحو شيخوخته، يقول تعالى:{اللّهٍ الذٌي خّلّقّكٍم مٌَن ضّعًفُ ثٍمَّ جّعّلّ مٌنً بّعًدٌ ضّعًفُ قٍوَّةْ ثٍمَّ جّعّلّ مٌنً بّعًدٌ قٍوَّةُ ضّعًفْا وّشّيًبّةْ يّخًلٍقٍ مّا يّشّاءٍ وّهٍوّ پًعّلٌيمٍ القّدٌيرٍ } .
والله تعالى جعل الاب والام يرعيان اطفالهما بفطرتهما، والاطفال يحبون ذويهم، ويكبر الاطفال، ويأخذون دور الابوة والامومة، ويصبح آباؤهم وامهاتهم جدوداً للاولاد الجدد، وهكذا.
ان الكبير تصبح له - بمرور الايام - متطلبات خاصة به وجديدة على الاسرة، ورعاية الآباء والامهات هي من الاساسيات في ديننا الاسلامي الحنيف، وقد شدد عليها الشرع كثيراً، بحيث كان جزاء من يهمل بحق امه او ابيه جزاءً رادعاً وشديداً يوم الحساب، فعقوق الوالدين - والعياذ بالله - من الامور الشنيعة المحرمة، لا يجوز التهاون بها، وكما يقال كما تدين تدان، فالعاق لابد ان يجد عقوقاً من ابنائه واحفاده يوم يحتاجهم.
ان المسن له متطلبات خاصة لتقدم عمره، فهو بحاجة للرعاية كالطفل الصغير، وهو بحاجة لمن يساعده في تسيير امور حياته اليومية، وبحاجة لمن يعينه في مرضه وسقمه، فأمراض الشيخوخة حقيقة واقعة، بالاضافة الى حالات من الاعاقة والعجز لا تخفى على ذي بصيرة.
كما ان تفكيرهم ربما يتأثر بعامل تقدم العمر، وهذه سنة الله في الحياة، وكل هذه امور طبيعية علينا تقبلها برحابة صدر، كيف لا وهو الاب الذي رعانا والام التي رضعنا حليبها، هم الذين سهروا ليالي من اجلنا، هم الذين اوصانا بهم الله تعالى:{وّقّضّى" رّبٍَكّ أّلاَّ تّعًبٍدٍوا إلاَّ إيَّاهٍ وّبٌالًوّالٌدّيًنٌ إحًسّانْا..}.
قد يبدو كلاماً غريباً عن مجتمعنا، فما اتحدث عنه بديهيات مسلم بها، ولا مجال للتهاون فيها، ولكنني اذكر ما اذكر لان هذا المجتمع ورغم نقائه وصفائه ومحافظته على كل خلق نبيل، الا انه توجد فيه حالات صارت تشكل ظاهرة، الا وهي ظاهرة اهمال المسنين. فظروف الحياة وتطورات الحضارة والمباهاة بكل حسن، وضعف الوازع الديني، وذهاب صفات النبل والمرؤة والوفاء عن كثير من الناس، وغير ذلك من الامور الخادعة جعلت البعض يخجلون من ذويهم ويتبرمون من خدمتهم، ولا يريدون ان يروا في منزلهم شخصاً يظنون انه عالة عليهم، وعبئاً عليهم، وهم لا يعلمون ان البركة في الكبير، وبيت لا كبير فيه، بيت فيه ثلمة، بدون رجل مسن او امرأة مسنة نرعاهم ونحيطهم بحبنا واحترامنا هذا البيت ناقص. ان الثواب بهذا العمل، الذي يتوافق مع الفطرة تماماً. وبعد كل هذا نجد البعض - هداهم الله - يتثاقلون اي عبء يفرضه وجود ذويهم بينهم، واحياناً تجعل الزوجة زوجها يكره ذويه ويخجل منهم، واحياناً العكس يقوم الزوج بهذا الدور غير المقبول.
ثم ان كل واحد من الابوين باب من ابواب الجنة وقد شنع النبي صلى الله عليه وسلم على من لم يهتم بأمرهما ويعاملهما بما يدخله الجنة «رغم انف من ادرك ابويه احدهما او كليهما فلم يدخلاه الجنة».
اما الام، ففضلها كبير، يقول تعالى:{..حّمّلّتًهٍ أٍمٍَهٍ وّهًنْا عّلّى" وّهًنُ ..} ، ويقول - صلى الله عليه وسلم - عندما سئل عن من احق الناس بحسن الصحبة قال:« امك، قال ثم من قال امك، قال ثم من قال امك قال ثم من قال ابوك».
الله اكبر.. من الذي بعد كل هذا ينكر فضل امه وابيه ويلقي بهما في زوايا نائية من البيت او خارج البيت، كيف يلقى ربه بعد فعلته هذه؟، ان عقوق الوالدين من الكبائر التي كلنا يعلم نتائجها الوخيمة.
واعود لنقطة اردت التوضيح بشأنها، الا وهي قضية دور الرعاية الاجتماعية، فهذه الدور ضرورة اجتماعية. فقد يوجد مسن لا يجد من يرعاه، وقد يوجد معاق كبير العمر لا يعرف أين يتجه، فتكون له هذه حلاً مباركاً - باذن الله - . ولها دور آخر، الا وهو الترفيه والرعاية والتثقيف والتمريض، لهؤلاء المسنين حتى لو كانوا يتلقون كل رعاية في بيوتهم، فما اجمل ان نذهب بهؤلاء المسنين لحضور منشط معين او لتقديم خدمة صحية او فكرية معينة في اماكن مخصصة لذلك، او حتى يذهبون للقيام برياضات معينة. ولكن في الحقيقة صارت هذه الدور ذات طبيعة اخرى، فبدل ان نجعلها تأخذ هذا المنحى، صار بعضنا يعتبرها حلاً نهائياً ودائماً للمسنين، بحيث يرمى المسن فيها، ولا احد بعد ذلك يسأل عنه! فهو السجين دون ذنب، وهو الاسير دون مبرر، وهو الذي يعامل بهذا الاهمال من قبل ذويه دون جرم ارتكبه. البعض اكثر من ذلك يترك ذويه في المستشفى ولا يسأل عنهم أأحياء ام اموات، ولا حول ولا قوة الا بالله.
لقد ذكر مسؤولو دور الرعاية الاجتماعية مراراً وتكراراً قصصاً يندى لها الجبين يقوم بها البعض بحق آبائهم وامهاتهم الذين طالما سهروا على راحتهم وتعبوا في تربيتهم وتمريضهم. أليس هذا منتهى العقوق! البعض يطالب بمعاقبة الجاحدين لآبائهم على فعالهم الدنيئة، وان يتم تعريفهم بالدور الحقيقي لامثال هذه الدور، وفي نفس الوقت هناك كرة اخرى في ملعب تلك الدور للابلاغ عن مثل هذه الحالات، وكذلك لا تنسى واجباتها بتطوير نفسها وتقديم اقصى ما يمكن من خدمات، وتنبيه موظفيها لتقديم اقصى درجات الرعاية لهؤلاء وتثقيفهم، بل وعمل برامج ودورات تدريبية مستمرة، وغرس روح الرحمة والانسانية وابتغاء الاجر فيهم.
والكرة الاخرى نضعها في ملعب كل الجهات الرسمية والاهلية ذات العلاقة وحتى الافراد كي يقدموا الدعم كل الدعم المادي والمعنوي وبعطاء كريم وسخاء كبير لان هؤلاء المسنين هم جزء اساسي من هذا المجتمع، وسيزداد عددهم بحكم ظروف المعيشة الممتازة التي نعيشها، والتي ادت لزيادة معدل الاعمار وكثرة كبار السن في مجتمعنا، وان نسينا فلا ننسى ان كلاً منا لو امد الله في عمره فسيصير مثل هولاء شيخاً كبيراً يحتاج لمن يرعاه ويحميه ويداويه، فبروا آباءكم تبركم ابناؤكم وكما تدين تدان.
القضية الاساسية يمكن ان تحل جذرياً لو التزم كل واحد منا بما يريده من الله سبحانه، فالشرع الحنيف قد اوضح ذلك، وديننا الحنيف السمح فيه كل الحل لهذه القضية وغيرها، وليس علينا ان نبحث عن حلول لها في صحائف ثقافات اخرى، ان لدينا الحل، وما علينا الا التطبيق، وفي هذا كل السعادة وسعادة خدمة امك وابيك وجدك وجدتك لا تفوقها سعادة، واحمد الله انهم معك وانك معهم، والله نسأل حسن الخاتمة.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved