في جزيرة العرب صحاري شاسعة.. تتحول في لواهب الصيف إلى قطعة من جهنم.. وإلى رمال تتلظى من الحرارة.. وتبدأ كثبان الرمال بها تفوح من شدة الحرارة التي تذيب الحديد.. صيف لاهب حار، وكثبان وراءه كثبان.. وبيد دونها بيد.. سراب وراءه سراب.. حتى الزواحف تبحث عن ملاذ.. في جحورها.. لتظهر خلال الليل في نسمات الصحراء.. في درجة حرارة تصل إلى حوالي 60م خلال فترة الظهيرة.. والغريب في الأمر أن من تاهوا في الصحاري خلال الصيف هم من داخل مناطق عامرة «مثل ما حدث لشابين من صعافيق بالقصيم» التي تقع بين عنيزة والمذنب «وبين عنيزة والمذنب 40 كم فقط» مما يدل على أن شدة حرارة الصيف لا يمكن احتمالها ولو لعدة كيلو مترات في الصحراء اللاهبة.. حتى البدوي في صحرائه.. لا يمكن أن يتحمل ذلك مع أن لديه قدرة على التحمل بسبب تكيفه مع ظروف شدة الحرارة.. ولكنه يعرف كيف يتقي حر الصيف اللاهب بتوفير الملابس الواقية والمياه الكافية وبيت «الشعر» الواقي من أشعة الشمس.. إن قصص التيه في الصحراء أكثر من أن تحصى.. حتى أن بعض المناطق عرفت بأنها مقبرة للمغامرين.. ولكنني هنا أسوق بعض الرؤى والمقترحات حول هذا الموضوع.
- في بعض المناطق توجد طرق صحراوية «تغري» بالمغامرة فيها مع أنها خطرة جداً، ولكنَّ هناك عذراً للمغامرين بها إذا كانت مختصرة جداً بحيث تسقط عن المسافر مئات الكيلو مترات التي تحتاج إلى يوم أو أكثر من السفر من خلال طريق مسفلت.. ومن ثم عبور «وصلة» قصيرة مليئة بمخاط «التغريز» أو العطل في صحراء لاهية - وهناك مثال واحد وهو «وصلة قبة - سامودة» وهي وصلة لا تتجاوز 50 كم ولكنها رمال سانية جارية عرفت بأنها مقبرة للمغامرين المسافرين من شمال شرق القصيم إلى حفر الباطن أو شمال شرق المملكة.. مثل هذه الوصلات القصيرة.. آمل وأرجو أن تجد الاهتمام من لدن معالي وزير المواصلات الدكتور ناصر السلوم بسفلتتها أو وضع برنامج لسفلتتها، سداً لدابر المغامرة بها، فهي مغرية فعلاً بالمخاطرة والمغامرة.. ولا شك ان المغامرين مهملون ولا تتحمل وزارة المواصلات مسؤولية مغامرتهم أو هلاكهم.. ولكن اذا لم تحرص وزارة المواصلات على تفادي مزيد من الضحايا والمغامرات غير المحسوبة فمن سيتفادى ذلك! ان معالي وزير المواصلات الدكتور ناصر السلوم وبتوجيهات من قيادتنا الرشيدة عرف بحرصه على سلامة المسافرين وقائياً.. وأعتقد أن الاهتمام بهذه الوصلات هو من باب «الوقاية من قبل العلاج» ومن باب العطف على أبناء الوطن الذين يذهبون كل صيف جراء مغامرات غير محسوبة.. ولو كانوا يعلمون نتيجة مغامراتهم لما أقدموا عليها.
- اذا لم تكن سفلتة هذه الوصلات ممكناً فلا أقل من ردمها عن طريق فرق الصيانة الذاتية التابعة لوزارة المواصلات.. خصوصاً الوصلات التي اشتهرت بحوادث الهلاك فيها فان ردمها لن يكلف الوزارة شيئاً يذكر وسيكون له نتائج باهرة في الوقاية من هذه الحوادث المأساوية.
- وضع لوحات ارشادية في الصحاري أوالطرق الصحراوية ذات الرمال المتحركة أو التي يسهل تغريز السيارات بها «عذرق» تدل على خطورتها وان يقوم بوضعها كل من الدفاع المدني ووزارة المواصلات.. تماماً مثل ما يتم وضعه في مناطق السباحة الخطرة في البحار.. حيث يغرق الانسان من البحر.. فان السيارة تغرق في الصحراء.. بوضع لوحات حمراء تحذر من عبور هذه الصحاري الخطرة.. ولوحات ارشادية تبين مخاطر هذا العبور..
- وضع لوحات ارشادية تدل على المناطق القريبة من هذه المواقع المشهورة بالهلاك فيها مثل صحراء صعاقيق - الدهناء - الحوميات - نفود قبة .. تدل على القرى والمناطق في هذه المسارات.. أو آبار المياه والمزارع.. لكي يسهل الوصول إليها.. حيث إن أكثر من تتعطل سيارته أو «تغرز» في الرمال يصاب بحالة ارتباك.. فيهيم على وجهه عشرات الكيلو مترات.. لا يدري أين يتجه ولا يعرف أين يقع بئر للماء أو مزرعة أو قرية صغيرة.. فوضع هذه اللوحات حتى ولو كانت صغيرة الحجم على مسافات متقاربة تكون ذات أثر كبير - بإذن الله - في دلالة من يتيه عن الطريق الصحيح الذي يمكن أن يسلكه.
- القيام بحملة توعية مكثفة عبر أجهزة الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة لبيان مخاطر المغامرة في هذه الصحاري.. وأعتقد أن نشر اخبار مثل هذه الحوادث وتكثيف ذلك هو أكبر توعية وكذلك نشر مقابلات مع من تاهوا في الصحاري.. ونجوا بإذن الله لبيان ما حدث لهم ومخاطر مغامراتهم.. وكذلك التحذير من هذه المغامرات بتحديد هذه المواقع وتصويرها في وسائل الاعلام المختلفة ونشر آراء المختصين من أطباء وغيرهم لمخاطر العبور في الصحاري المهلكة عطشاً في حر الصيف اللاهب.
- ضرورة أن يحمل من يريد عبور الصحراء كميات كبيرة من المياه حتى ولو اعتقد أنه سيجد ماء في طريقه، فإن ذلك من باب الاحتياط، وقد قالت العرب قديماً وهم من جرب أهوال الصحراء وعركتهم صحراء الجزيرة صبغاً قالوا: «ان ترد الماء بماء أكيس».. ان تصل إلى منطقة يوجد فيها ماء وأنت حامل للماء معك فان هذا دليل رجاحة عقلك وفطنتك.. ولكن التهاون في حمل الماء والاعتماد على السيارات ذات الدفع الرباعي «الجيب» هو ما يورد المغامرين الى الهلاك، فاعتقادهم ان «الجيب» لا يمكن أن يغوص في الرمال وأنه سفينة الصحراء هو اعتقاد خاطئ تماماً «فالجيب» مثل غيره من السيارات يغوص في الرمال ولا يستطيع ان يتحرك ولن يفيد الدفع الرباعي شيئاً إلا دعاء الله بالنجاة من الهلاك اذا وقع الفاس في الرأس.
- أخذ الاحتياطات اللازمة مثل «ماتور هواء للسيارات - بنزين - عفريتة - ومفتاح عجل» وكذلك الكفر الاحتياطي والسير.. وغير ذلك مما لا يتوافر الا في المدينة.
- يقول المجربون ان أفضل تصرف لمن تعطلت سيارته أو غطست في الرمال هو ألا يغادرها.. فان العثور على السيارة أسهل كثيراً من العثور على شخص في بحر من الرمال المتحركة، واذا كان الشخص يريد عبور الصحراء فلابد من أن يبلغ عن وجهته للعثور عليه في حال تأخره وسرعة الابلاغ عنه.
- أرى أن يقوم الدفاع المدني بدورية يومية بالطائرة العمودية في المناطق الصحراوية المشهورة بالمغامرة بها لملاحظة أي سيارة متعطلة، وبالتالي انقاذ صاحبها بهذه الخدمة الرائدة.
- إن لأجهزة الاتصالات الحديثة أثراً بالغاً في ارشاد التائهين وانقاذهم مثل «الجوال» ولكن المشكلة في عدم وجود شبكة له الا على الطرق المسفلتة ولهذا فان أجهزة «النداء الآلي» أو الكنود «آيكوم» ذات أثر كبير بعد الله في انقاذ العديد ممن أشرفوا على الهلاك.
م. عبد العزيز بن محمد السحيباني/ البدائع |