على ضفة وادي السرحان
إن طريقنا اليوم يمتد على طول حافة الوادي نعبر احياناً رؤوسا صخرية من السهل الأعلى وأحيانا اخواراً من الوادي وكانت ارتفاعاتها دائماً نوعا ما واحدة «2250» قدما علواً و «1850» انخفاضاً وهكذا يمكن أن تؤخذ هذه على انها الارتفاعات المقابلة ل«الحماد» ووادي السرحان وبالإضافة إلى ذلك يوجد هنا وهناك تلال منعزلة بارتفاع يزيد بما يتراوح بين ثلاثمائة واربعمائة قدم عن أي منهما أرض صخرية صعبة متكسرة طول اليوم مكونة بصفة اساسية من رمال مع حصي ملحية منثورة عليها والنبات شحيح على الأرض المرتفعة ولكنه أوفر في التجويفات وفي وهدة متعرجة تقود إلى الوادي وجدنا شجرات الغضا وغير ذلك لا شيء أكثر من اعشاب وهناك اخبرنا عواد أنه نهب منذ سنتين وجرد بغزو من حوران وفقد جماله وكل ما يملك وكان عدد الحورانيين ثمانية وجماعته ستة وسألته:
كيف حدث أن قطاع الطرق ظفروا به؟ قال: إنه كان من الله ويبدو أن وادي السرحان هو المكان المفضل لقطاع الطرق وعواد يعتبر الحادثة أمراً عادياً. وسألته: لماذا ترك قبيلته شمر وجاء ليعيش بعيداً في الشمال في صلخد؟ قال: إنه نصيب وشيء مقدر. أن زوجته من صلخد وكانت لن تترك قومها. وسألته: كيف يكسب معيشته؟ فضحك وقال: املك نصف مهر وذلولا وأقوم بالغزو ويوجد تسعة منا من شمر في حوران ونحن نخرج معاً نحو الزرقا أو إلى اللجاة الغربية ونأخذ المواشي ليلاً وأرانا بعض ندوب مفزعة لجروح أصيب بها في هذه المناسبات وجعل «ولفرد» «زوج الكاتبه» يتحسس رصاصة لا تزال مستقرة في جنبه وهو مخلوق محب للأستطلاع ولكننا نحبه وسواء كان قاطع طريق أم لم يكن فإن فيه روح الرجل الماجد «الجنتلمان» وفوق ذلك فهو صاحب ملائم ويحسن الغناء ويروي الأقاصيص الشعرية وهو محبوب في كل مكان ففي «كاف» و «أثري» استقبله الرجال شيباً وشبانا بالعناق والقبل ورحبت به النساء في كل بيت.
آبار قراقر
كادت اجسادنا تتجمد طول الصباح فقد كانت الريح تنفذ من خلال جببنا المصنوعة من الفراء. وفي الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً بعد أربع ساعات من السير أتينا إلى بعض آبار تسمى «قراقر» ست منها في تجويف عار وحولها آثار جمال تؤدي من جميع نقط الدائرة نحوها ومن الواضح أن الوادي يسكن في بعض أوقات السنة ويقول عواد: أن الرولة تسكنه في الشتاء غير أنه لا يوجد احد هذه السنة. والماء شأنه شأن ماء «كاف» و«أثري» ضارب إلى الملوحة بعض الشيء.
وبالقرب من قراقر رأينا بعض الغزلان وطاردناها دون جدوى. وأنه لأمر مكدر لأني نسيت أن أحضر لحماً ومالم نستطع أن نقبض أو نرمي شيئاً ما فلن يكون لدينا شيء حتى نصل إلى الجوف.
طول الصباح سرنا على مستوى عالٍ فوق أرض مثل الحرة ذات صخور بركانية ريح جنوبية شرقية هوجاء في وجوهنا فلم نستطع الكلام ولم نكد نستطيع التفكير طريقنا يمتد نحو سلسلة من التلال تسمى المسمة لعلها المرتفعة.
وعندما وصلنا هذه اتجهت طريقنا إلى يمينها لأننا نسير في غير طريق رأينا رجلاً من الجراد الأحمر يطير حول المكان عندما أدفأت الشمس الأرض وطاردها الرجال وصادوا بعصيهم منها ما يكفي لصنع طبق العشاء وأتينا إلى آبار أخرى «المويهة» ومعظمها تخنقها الرمال غير ان واحدة منها تحتوي على كميات كافية من المياه الضاربة إلي الملوحة وتقع هذه الآبار وسط أدغال من الأثل من حيث أفزعنا عدداً من الأرانب البرية التي لم تستطع كلابنا السلوقية أن تقبض عليها لأنها كانت دائماً تتملص جافلة لتختفي وانتظرنا «ولفرد» وانا لهذا القنص غير المثمر الذي كان عشاؤناً يعتمد عليه ولم ننضم إلى بقية الجماعة مسافة أكثر من ميل وقبل أن نلحق بهم صادفنا «حنا» يجلس على هدومه «لحاف وعباءة» وابراهيم يقف بجانبه وكلاهما يصيح: واه واه واه ولم نستطع أن ندرك ما حدث كما لم نقدر أن نحصل أية معلومات منهما سوى انهما سيبقيان حيث كانا. هذان الرجلان من أهل المدينة يجلسان على فراشهما وحيدين في وادي السرحان كانا يشكلان مشهداً للعبث بشكل لم نتمالك في تلك اللحظة من التغلب على الضحك إلا أن المسألة لم تكن مسألة ضحك وكان من المستحيل بالطبع أن نتركهما هناك فأصررنا أن نحصل على ايضاح فقد كان هناك خصام بين «حنا» و «عبدالله» لأن الاخير ساق ذلول «حنا» بسرعة مع الجمال الأخرى ورفض ان يتركها تنيخ ثم تنهض من جديد وكان عواد وعبدالله في عجلة جديدة ليبعدا عن «المويهة» قدر الإمكان لأن حمدان الشراري يقول انها بقعة خطرة ولكن حين كان غاضباً وفي غضبه رمى عباءته وقفز عليها وسحب فراشه على أثره وجلس على الأرض وهناك تركه الاخرون معولاً هائجاً وعلى هذه الحالة وجدناه واقترح ان يترك هو وابراهيم هناك ليأكلهما الضبع الذي قد شاهدنا آثار أقدامه وعلى أي فإبراهيم الذي بقي معه فقط لمصاحبته كان مستعداً تماماً لمواصلة السير وعند رؤية ذلك لم يتوان «حنا» عن النهوض وتبعناً تاركاً أخاه يحمل عنه فراشه ولم يكن من الصالح ان نستفسر عمن كان المخطئ ومن المصيب وأوقفنا الجمال وأعدنا الذلول ملحين على حنا أن يركب وهو ما فعله بعد مقاومة وانتهت الحادثة وكلف محمد بمهمة الإصرار على السلم مع العرب ونظن أننا حملنا حنا على الاقتناع بان لا يحمل ضغينة.
انه من المستحيل على الاطلاق على أي واحد ان يعود الآن بدون ان يفقد حياته واني لواثقة انهم سيكونون جميعاً معقولين انه من غير المقبول ان نفكر ان خلافاً حدث بين جماعتنا الصغيرة وهي على حالتها هذه منفصلة عن بقية العالم الآن. نحن الآن مخيمون في وادٍ جانبي حيث كلأ الجمال طيب. رأينا المكان من مسافة كبيرة لأننا الآن اصبحنا ماهرين في امكان تخمين البقاع فحين ترى أرضاً صخرية في خطوط يمكنك أن تتأكد من وجود كلأ.
لم نر مؤخراً أية أمارة للعمران في البلاد منذ أن تركنا «أثري» ولا آثار خف جمل ولا قدم انسان.
|