Sunday 18th August,200210916العددالأحد 9 ,جمادى الثانية 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

السعوديون.. و«فلسطِين»..؟! السعوديون.. و«فلسطِين»..؟!
حمّاد بن حامد السالمي

.. تتسم العلاقة بين الدول العربية قاطبة؛ وبين القضية الفلسطينية الأم؛ بكثير من الحماس والإخلاص؛ وبقدر كبير من الإيمان بعدالتها؛ والشعور بالمسؤولية نحوها. ولكن كل هذه المعاني الإيمانية الجهادية؛ والصور العروبية الوطنية؛ والمشاعر الأخوية الإنسانية؛ التي «قد» تتلاقى عندها شعوب العرب وحكوماتهم؛ كلها.. كلها.. لم تمنع وجود الكثير من صور التخوين والتشكيك؛ واستغلال «بعض» العرب؛ لمواقف شتى مختلفة؛ تكتنف هذه القضية؛ من نوع تلك الشعارات الصاخبة؛ والمزايدات المرحلية الرخيصة؛ يأتي ذلك على حساب القضية المحورية؛ حتى من قبل أبناء فلسطين أنفسهم.
.. هكذا كانت وما زالت تبدو الصورة، منذ وعد «بلفور» المشؤوم عام «1917م»؛ وحتى يوم الناس هذا.
.. لقد عصفت بالأمة العربية عبر عقود القرن الماضي كله؛ حوادث وكوارث غاية في الإيلام؛ ثورات تأكل ثورات؛ وشعارات تطيح بشعارات؛ والمحور الرئيس بين هذا وذاك؛ «فلسطين» السليبة، وقضيتها العجيبة، حين دأب «بعض» العرب؛ على اتخاذها شماعة تحت الطلب؛ يعلق عليها آماله تارة؛ وآلامه تارة؛ ويصنف أصدقاءه وأعداءه على نبضها. تبعاً لأهوائه وأغراضه.
.. لم تكن حظوظ المملكة العربية السعودية «حكومة وشعباً»؛ منذ ظهورها وحتى اليوم؛ في هذا الخضم المائج الهائج؛ عادلة؛ أو موازية على أقل تقدير؛ لعطائها السخي؛ ومواقفها المجردة من كل غرض؛ فالسعودية.. تكاد تكون البلد العربي الوحيد؛ الذي لم يسخر القضية الفلسطينية؛ لتنصيب حكومة بديلة مثلاً؛ أو.. لتلقي معونات ومساعدات من أمريكا؛ أو بريطانيا؛ أو فرنسا، وهي الدولة العربية الوحيدة؛ التي لم تكن بحاجة ذات يوم؛ لتقول لشعبها؛ بأن الحكومة السابقة كانت عميلة وخائنة؛ وأن حكومتها الجديدة الثائرة؛ سوف تكون نزيهة عفيفة؛ فتقف في وجه «الإمبريالية والصهيونية؛ وكافة القوى الاستعمارية»؛ من أجل تحرير فلسطين؛ واستعادة الكرامة العربية؛ التي فرط فيها الحكام العملاء..! هذه كانت لغة الدبابة والبندقية؛ والبلاغ رقم واحد، والمملكة لم تعرف هذه «الرطانة» السحرية في تاريخها، لأنها منذ ظهورها دولة موحدة؛ وهي مع فلسطين وأهلها، تعيش في لب القضية، بوضوح وشفافية، وبمواقف عربية أصيلة ثابتة.
أما التبريرات والشعارات والمزايدات؛ فهي صنعة تتقنها الحكومات «التعبوية»، التي تأتي فجأة؛ ثم تختفي فجأة..! لأنها نتاج ثورات يأكل بعضها بعضاً، والبقاء لله وحده.
.. ومع أن هذه البلاد؛ كانت في كل أوقاتها؛ في موقف العطاء النظيف المشرف؛ إلا أنها كانت وما زالت؛ عرضة لأطياف «عربية» متعددة؛ من تلك الغامزة اللامزة الهامزة؛ تأتي من أرباب التخوين والتشكيك؛ ومن ممتهني الابتزاز بالشعارات والمزايدات؛ وخاصة من أولئك الذين عاشوا على الأرض السعودية ذات يوم، وخرجوا منها أغنياء أثرياء، مرفوعي الرؤوس. ولولا نكران الجميل؛ وجحود المعروف؛ لظلت رؤوسهم مرفوعة حتى مماتهم.
.. قد يعيب بعضهم على هذه البلاد؛ أنها تعمل في صمت؛ وأنها تزهد في الكلام عن نفسها؛ بل وتبالغ في هذا الزهد مع الحاجة إلى عكسه، وأن الطبقة المثقفة في المملكة؛ تقصر كثيرا في جانب التدوين والتأليف؛ وإعمال الفكر في إعلام الأجيال الحالية والقادمة؛ بحقائق تاريخية مهمة عن بلدها؛ وعن أدوارها السياسية والتاريخية والعسكرية والإنسانية؛ حيال قضية فلسطين على وجه خاص. وأحسب أنه من الواجب اليوم؛ على كل الجامعات؛ وعلى المراكز البحثية والعلمية والثقافية؛ وحتى على الباحثين من الأفراد؛ تقصي هذه الجوانب التي تخص علاقة المملكة بفلسطين وقضيتها، منذ ولادة المملكة حتى اليوم، وتوفير المزيد من المصادر والمراجع العلمية الصحيحة الصادقة، ليكون الجيل القادم وحتى الحاضر على علم بما جرى ويجري، وحتى نرد بعلم وقوة وثقة؛ على النابحين والمبتزين؛ الذين لا هم لهم إلا قلب الحقائق، وتزييف الوقائع؛ ورمي السعوديين بما ينقصهم؛ ويقلل من قدرهم.
.. لقد كان للمملكة العربية السعودية؛ مشاركة عسكرية لافتة في حرب فلسطين عام «48 ـ 1949م»، وأعترف بصدق وأمانة؛ أني حتى تاريخ اليوم؛ لم أطلع على مصدر توثيقي مهم؛ أعرف من خلاله حيثيات إرسال القوة السعودية إلى أرض فلسطين، أو عددها، ومنجزها الحربي، ورأي قيادتها هناك؛ وما الذي وقع بين العرب والصهاينة على الجبهة، وحقيقة المواقف العربية الأخرى من هذه الحرب، وخاصة؛ «مصر والأردن والعراق وسوريا».. إلى غير ذلك من تفاصيل في غاية الأهمية.
.. اليوم فقط.. أستطيع القول؛ بأن كتاب «الجيش السعودي في حرب فلسطين 1948م»؛ الذي قدمه للمكتبة العربية مؤخراً؛ الباحث الإعلامي المعروف؛ الأستاذ محمد بن ناصر الياسر الأسمري؛ هو النموذج البحثي الجاد، الذي يحتاجه السعوديون اليوم، لمعرفة الدور الحقيقي لبلادهم في هذه القضية؛ التي كثر حولها اللغط من المنتفعين والمرتزقة، أولئك الذين يجدون في «بعض» الدول الخليجية الصغيرة، مواطن ضعف، أو منابر قذف..! يعتلونها متبخترين متبجحين؛ متحاملين على أكبر دولة خليجية، يهاجمونها فقط للابتزاز، ومحاولة النيل منها؛ بأساليب أقل ما يقال عنها؛ أنها قذرة.
.. في هذا الكتاب الجديد؛ طرح موثق؛ وشهادات من مصادر كانت في قلب المعركة، وفي مراكز اتخاذ القرار، وفيه بدون أدنى شك؛ رد صريح وواضح؛ على الملبسين والمدلسين، الذين اعتادوا تضليل الأمة العربية، بأقاويل باطلة؛ وادعاءات زائفة، وسعوا وما زالوا في سعيهم جادين؛ لتهميش الدور القيادي المستحق، الذي تضطلع به السعودية منذ العام «1929م»؛ وحتى اليوم.
.. إن الكلام على أول حرب عسكرية يخوضها العرب مع الصهاينة؛ والدور الدبلوماسي والعسكري للسعودية فيها؛ يحتاج إلى مقالات ومقالات، ولكن كتاب الأستاذ الأسمري؛ يقدم لنا شهادات مهمة من ميدان المعركة؛ التي خاضتها المملكة مع أشقائها بجيش نظامي من عدة آلاف، شكل ربع الجيش المصري على الجبهة، إلى جانب المتطوعين الذين ذهبوا إلى فلسطين مشياً على الأقدام؛ أو على ظهور ركائبهم، وكونوا مع مجاهدين عرب آخرين هناك؛ «فوج اليرموك»، فكانوا الأكثر عدداً فيه. وكان الملك عبدالعزيز رحمه الله؛ قد سمى جيشه النظامي في هذه الحرب: «جيش إنقاذ فلسطين».
.. إن هذه المواجهة مع المحتلين؛ التي خسرها العرب لأسباب معروفة؛ لم تلق منهم بعد الهزيمة؛ ما تستحق من دراسة وتقييم وتقويم؛ ولو تم ذلك في حينه؛ لما حلت بالأمة؛ تلك الهزائم والنكسات التي تلتها. ففي مذكرات قائد القوات السعودية في تلك الحرب؛ المرحوم اللواء «سعيد الكردي»؛ ما يؤكد وجود مؤامرة بين بريطانيا من جهة؛ وبين مصر والأردن والعراق، من جهة أخرى، وأن الجيوش العربية الأخرى التي دخلت الحرب؛ مثل الجيش السعودي؛ والجيش السوداني على سبيل المثال؛ وقعت ضحية لهذا التآمر؛ الذي قلب موازين الحرب لصالح جيش المحتلين.
.. جاء في الكتاب «ص134» ما نصه على لسان الكردي: «إن حرب فلسطين؛ كانت مؤامرة؛ حبكتها بريطانيا مع الملك عبدالله والملك فاروق؛ هدفها الاستيلاء على الأرض التي خصصها مشروع التقسيم للعرب..» وفي «ص140» ما نصه أيضاً: «صحيح أني كنت أعلم أن حرب فلسطين مؤامرة مدبرة، وكبار المصريين كانوا يقولون إنها تهويش، على حد قولهم..».
.. إن أسباب هزيمة العرب في حرب «48 ـ 1949م»، يمكن أن تجمل في التالي؛ وفقاً لمعطيات الطرح في هذا الكتاب المهم:
1- تخوف الزعامات العربية بعضها من بعض؛ وفقدان عامل الثقة فيما بينها.
2- الضعف الفكري والاقتصادي والسياسي والعسكري.
3- الفرقة والشتات؛ بين عرب مستقلين؛ وآخرين تحت الاستعمار آنذاك.
4- الدعم الغربي للصهاينة، بقيادة بريطانيا ثم أمريكا فيما بعد.
5- التآمر على القضية نفسها، من عرب يظهرون ولاءهم للعروبة؛ ويضمرونه لبريطانيا وأمريكا والغرب عموماً.
.. ويعرض الكتاب إلى جانب مذكرات قائد الجيش السعودي؛ وشهادات الضباط السعوديين؛ وروايات بعض المجاهدين في هذه الحرب؛ حقائق مهمة؛ عن الدور النظيف لهذه البلاد في هذه القضية؛ حيث «يدعي كل عربي اليوم؛ وصلا بها؛ وهي لا تقر لهم بهذا»..!
فهناك وثيقة بختم «الشريف الحاج أمين الحسيني»؛ بتاريخ الثامن من كانون الثاني 1929م، وهو رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في القدس؛ تشير إلى تبرع مالي داعم من الحكومة السعودية لأهل فلسطين، وفي عام 1947م؛ رصدت الجامعة العربية «مليون جنيه مصري»؛ لتدريب «شباب العرب» على القتال، وتحملت المملكة ما نسبته «20%» من هذا المبلغ.
.. لقد اتخذ الدعم السعودي لهذه القضية الجوهرية عبر أكثر من سبعة عقود؛ عدة محاور فاعلة ومهمة، منها الدبلوماسي الهادئ المتعقل؛ ومنها المالي السخي؛ والعسكري الفعلي؛ والإنساني الصادق. ويورد صاحب هذا الكتاب الجديد في طرحه؛ جملة وثائق دالة على دعم الحكومة السعودية وشعبها لفلسطين وأهلها؛ وذلك قبل ربع قرن من قيام الحرب النظامية في «1948».. ثم يقول في ذلك:
«... وهذا في فقه التاريخ؛ نقطة مهمة، حيث لم يمض على توحيد المملكة في كيان سياسي سوى زمن يسير، ولم تكن مؤسسات الدولة؛ ومنها الجيش النظامي قد تكاملت». ثم نجده يختم تقديمه لكتابه هذا بقوله: «لعلي بهذا الكتاب؛ أسهم في تنوير الأجيال في الوطن العربي؛ وبلدي السعودية، قبلة الإسلام ومهد أرومة العروبة على وجه الخصوص، عما صنعه الأجداد والآباء، من بذل بالدم والأرواح، وليس كما يصورنا الإعلام الغائب المغيب للحقائق؛ بأننا خزانة نقود فقط».
.. بعد قراءتي لهذا الكتاب الوثيقة حقيقة؛ حمدت للمؤلف هذا العمل الرائد الذي اضطلع به؛ والجهد الكبير الذي بذله في جمع الوثائق، وتحليل المعلومات؛ وسماع الشهادات؛ من عاصمة عربية إلى أخرى، وأعتقد أن ما طرحه من رؤى تاريخية وسياسية؛ في الفصول التي سبقت المذكرات والشهادات للمحاربين السعوديين «القدامى»؛ هو من الأهمية بمكان، كما أن طروحات المرحوم اللواء «سعيد الكردي»؛ قائد الجيش السعودي في هذه المواجهة؛ تحمل الكثير من الدروس الصادقة، والعبر النافعة.
وهي جديرة بأن تكون في مقدمة ما يعطى من دروس سياسية أو عسكرية؛ لجيوش العرب اليوم؛ هذا.. إذا أرادت هذه الجيوش؛ أن تخوض حرباً تحريرية «حقيقية»؛ ضد المحتلين؛ وليس عراكاً من قناة فضائية؛ أبطاله بسحنات عربية؛ وجنسياتهم بريطانية أو أمريكية.

فاكس:7361552/02

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved