* القاهرة مكتب الجزيرة شريف صالح:
الدكتورة عواطف عبدالرحمن أستاذة وخبيرة إعلامية مرموقة نشرت أكثر من عشرين كتابا عن قضايا الإعلام العربي منها «مصر وفلسطين» «الصحافة الصهيونية» «التبعية الإعلامية» «الإعلام العربي وقضايا العولمة» وأخيرا صدر لها «المسكوت عنه في قرية جنوبية: قرية الزرابي» فالمؤلفة حملت حقيبتها وخبرتها وعلمها وذهبت إلى أعماق الجنوب، وتحديداً إلى قرية نائية في صعيد مصر تسمى «الزرابي» تتبع مركز أبو تيج محافظة أسيوط.
تستهل دراستها بأن ابنة عمتها الفلاحة كانت تتابع أخبار الرئيس الفرنسي ميتران، من الراديو المعلق في آذان البقرة وهي تقوم بحلبها، وتحكي عن امرأة فقيرة أخرجت من سيالتها البالية صرة قديمة صغيرة وفتحتها كي تعطي للمؤلفة 6 ورقات قديمة، فئة عشر قروش، وطلبت من المؤلفة أن تقبلها مشاركة في شراء هدية للكاتب الذي رفع رأس مصر واسمه «نديب» وتقصد الكاتب الكبير نجيب محفوظ عندما حصل على نوبل في الآداب.
يقع الكتاب في 152 صفحة ويشمل أربعة فصول بالإضافة إلى الخاتمة والملاحق، وتحرص الباحثة خلال صفحات الكتاب على تقديم صورة متكاملة للقرية قديماً وحديثاً، فتعود إلى التاريخ في الفصل الأول بحثاً عن أصل القرية وفصلها.. فالغالب أنها تأسست على يد القبائل العربية التي أتت إلى الصعيد وعملت بالزراعة وعرفت الاستقرار، فبعض أفراد قبيلة حمير هبطوا جنوب أبو تيج في منطقة يكثر بها النخيل وأسموها «النخيلة» وأوفدت هذه القبائل عدداً من أبنائها لحماية أراضيها من النهب والسطو في الجانب الغربي من هؤلاء يحيى وغانم ابنا محمد مطاوع ومن نسل الاثنين تكاثرت العائلات وتقاسمت الثروة والمناصب والمساكن. وتعد قبيلة هوارة أشهر القبائل العربية في الصعيد ولها فروع مهمة في قرية الزرابي مثل بيت كيلاني وبيت محروس.
ومثل سائر قرى الصعيد تتسم الزرابي بصفات وعادات معروفة منها الكرم والجود والشجاعة والإقدام والزواج من داخل العائلة الواحدة، وعادة الثأر التي عرفتها القرية لأول مرة نتيجة التنافس الانتخابي بين أنصار سعد زغلول وأنصار عدلي يكن.
في الفصل الثاني تظهر الزرابي المعاصرة، حيث أنشئت أول مدرسة للتعليم النظامي عام 1905 وبدأت الأسر تهتم بتعليم بناتها منذ عام 1930م.. وتستشهد الباحثة في هذا الفصل بعدد من الجداول الحكومية والإحصاءات والبيانات المتعلقة بالنواحي الاقتصادية والاجتماعية، فتبعاً لإحصاء عام 1997م يبلغ تعداد السكان 14523 نسمة على مساحة حوالي 3761 فدانا ويعمل أغلب سكانها في الزراعة.. كما تسهم المرأة في العمل الزراعي بنسبة 25% خاصة في أعمال التسميد والتخزين والتسويق، وأحيانا الحرث والري وتسوية الأرض، وهناك 12% من نساء القرية يقمن برعاية وإعالة أسرهن نظراً لهجرة الرجل إلى المدينة أو سفره إلى الخليج، وبالمناسبة فإن المملكة على رأس قائمة الدول التي يسافر إليها أبناء الزرابي.. والمؤسف في مسألة عمل المرأة بالزراعة أنه بدون أجر ولا يتم إحصاؤه وبالتالي لا يدخل في حساب الناتج القومي. وتبلغ نسبة النساء اللاتي لهن مصدر دخل حوالي 20% ويعملن بالخياطة «6 ،5%» والحكومة «5 ،4%» بالإضافة إلى العمل الزراعي وتربية الطيور والماشية.
في الفصل الثالث ومن خلال فريق البحث المعاون تقدم د. عواطف عبدالرحمن دراسة ميدانية عن المرأة وعلاقتها بوسائل الإعلام المختلفة. كشفت الدراسة عن صعوبة إجراء أي بحث اجتماعي يقوم به باحثون غرباء عن أهل القرية، وأيضا وجود أزمة ثقة في وسائل الإعلام والبحث العلمي الاجتماعي، كما أن المرأة الصعيدية تخشى أن تتحدث في الأمور الأسرية باعتبارها أسرار البيت.. وبوجه عام هناك استقرار في علاقات الزواج حيث لا تزيد نسبة تعدد الزوجات عن 13% ونسبة الطلاق عن 4%، ويلاحظ وجود تفاهم بين الزوجين وأخذ بمشورة المرأة في إدارة شؤون الأسرة التي يتراوح عددها ما بين 5 إلى 8 أفراد في حوالي 42% من الأسر.
والمرأة تبدأ يومها مبكراً منذ الخامسة صباحاً وينتهي عملها المنزلي عصراً أو بعد المغرب، وفي العادة خروجها محدد للغاية وقاصر على أداء الواجب الاجتماعي كزيارة الأهل أو المشاركة في واجبات العزاء أو قضاء المستلزمات الشخصية.. وما زالت ظاهرة الزواج المبكر قائمة حيث يتراوح سن المتزوجات ما بين 13 إلى 25 سنة عند عقد القران، ويلاحظ أن الفارق في السن بين الزوجين يصل إلى عشر سنوات أحياناً.
بالنسبة لعلاقة نساء الزرابي بالاعلام والسياسة، يلاحظ بداية - أن نسبة قراءة الصحف متدنية للغاية 37 ،2% من الرجال و 17 ،2% من النساء، والغالبية تفضل قراءة جريدة الأخبار تليها الأهرام.. كما أن الغالبية تفضل النشرة الإخبارية في التلفزيون على نشرة الراديو «65%» وفترة الفرجة الأساسية من السابعة حتى العاشرة مساء، وهناك تفضيل للبرامج الدينية مثل حديث الشيخ الشعراوي على البرامج الترفيهية، وأشهر الأسماء الإعلامية المعروفة في القرية: عادل إمام وأحمد بدير وإسماعيل ياسين وأحمد سمير وسهير شلبي وفريدة الزمر وحلمي البلك. بالمقابل فإن اهتمام الصحف والمجلات بالمرأة الريفية عامة لا يزيد عن 3 ،2% وفي الإعلام المرئي لا تزيد النسبة عن «5 ،4%» خلال عقدي الثمانينات والتسعينات وغالباً ما تعالج قضايا المرأة بصورة بعيدة عن الواقع.. والخلاصة أن هناك عدم اهتمام متبادل بين المرأة الريفية والإعلام!! نفس الأمر ينطبق على السياسة حيث لا يوجد للأحزاب مقار في القرية و90% من النساء لا يشاركن في الانتخابات.
هذا مجمل ما تقوله تلك الدراسة الميدانية المتميزة، والتميز لا ينفي أن تكون هناك ملاحظات، ففي الفصل التاريخي «التمهيدي» معلومات عن اقليم أسيوط موجزة للغاية وأخرى عن قرية الزرابي وأهم عائلاتها لكنها لا تكفي للإلمام بخصوصية القرية تاريخياً وجغرافياً واجتماعياً فتاريخ القرية ليس مجرد سرد لمجموعة العائلات بها ! وفي الفصل الثاني عن الزرابي القرية المعاصرة هناك مجموعة من البيانات الصماء والجداول المأخوذة من مصادرها الحكومية دون تحليل حقيقي لها، فهل يعني وجود أربع محولات كهربية بالقرية أنها تعيش في إنارة كاملة طيلة أربع وعشرين ساعة، وأنه لا يوجد بيوت بدون إنارة؟ المعلومات كلها جامدة ومأخذوة باستسهال ولا تكشف عما يعيشه أهل القرية في واقعهم اليومي.. وبالنسبة لفصل الدراسة الميدانية المعنون ب«دراسة ميدانية عن المرأة والإعلام في قرية الزرابي» يلاحظ أن الدراسة قدمت إحصاءات تخص المرأة والرجل وليس المرأة فقط وتغطي جوانب متعددة كالتعليم والحياة الاجتماعية وليس وسائل الإعلام وعلاقتها بالمرأة فحسب فما الداعي لتضييق العنوان إذن؟!..
واللافت للنظر طالما تكلمنا عن العنونة أن الكتاب نفسه قدم تحت عنوان مثير «المسكوت عنه» ولكن من يطالعه يكتشف أن معظم البيانات حكومية ومعلنة في وضح النهار، وكذا لا تقدم الدراسة الميدانية سوى مجموعة من الأرقام والإحصاءات التي تتشابه مع قرى مصرية كثيرة، فلا البيانات الحكومية ولا الدراسات الميدانية يشفعان لاتخاذ هذا العنوان المثير الذي أصبح نغمة سائدة في وسائل الإعلام المختلفة.
|