يوثق فيلم «دار الحرب: انتفاضة سجن مزار الشريف» الذي بثته ال سي. ان.ان في 3 أغسطس، الأحداث التي شهدها سجن قلعة جانجي بشمال أفغانستان في شهر نوفمبر الماضي، ورصدت فقرات -جرى بثها- من البرنامج الوثائقي الذي صورته فرق ألمانية وأمريكية وغيرها، ولم يشاهد الامريكيون معظم أجزائه، تسلسل الأحداث التي قد تكون أودت بحياة 400 أسير من الطالبان حسب تقرير المصورين.
يوفر ربط المشاهد الوثائقية مع بعضها البعض اتهاماً ضد الحكومة الأمريكية بارتكاب جرائم حرب في خرق صريح لمعاهدات جنيف والقانون الدولي ويؤكد فيلم ال سي.ان.ان الوثائقي بوضوح أن ما حدث في مزار الشريف العام الماضي لا يمكن وصفه بغير مجزرة قادتها ونسقت لها القوات الأمريكية.
وتظهر بعض أشد المشاهد إيلاماً قرب نهاية البرنامج في الليلة الأخيرة من حصار السجن مع عمليات القصف الجوي للقلعة من قبل الطائرات الأمريكية.. في تلك الليلة ألقت الطائرات الحربية قنابل زنة 2000 رطل على مجمع مباني السجن.وكانت مدافع المروحيات من طراز «ايه. سي-130» تقوم بإطلاق ما يصل إلى 1800 طلقة في الدقيقة في الوقت الذي أصدرت فيه القوات الأمريكية الأوامر للدبابات بالتقدم وسجل اليوم التالي كما وصف شهود عيان ونقلته آلات التصوير مشهداً لمجزرة مروعة حيث تناثرت الجثث والأشلاء الآدمية في كل مكان.
وتؤكد الأحداث التي قادت لهذا الهجوم النهائي حسب ما صوره «دار الحرب» أن هذه المجزرة ليست بأي حال رد فعل دفاعي من قوات الولايات المتحدة والتحالف الشمالي وأن القوات الخاصة وعملاء وكالة الاستخبارات المركزية (سي. آى.ايه) في موقع الحدث قاموا بالتحريض عليها وإدارتها بترخيص من أعلى المستويات في إدارة بوش والجيش الأمريكي.
صفعة للأمريكيين
وُتظهر مشاهد عند بداية البرنامج القائد العسكري الأزبكي الجنرال رشيد دوستم وقواته خلال مفاوضات استسلام قوات الطالبان للتحالف الشمالي قرب مزار وللغرابة كان برفقته بعض عملاء وكالة الاستخبارات المركزية وهم يرتدون نظارات شمسية ووشاحات. يقول معلق البرنامج إنه في حين أشار دوستم إلى أن الأفغان الذين يتم أسرهم سوف يسمح لهم بالذهاب إلى بيوتهم بمجرد استسلامهم وان الطالبان الأجانب سيجري تسليمهم للأمم المتحدة اعتبرت هذه الفكرة بمثابة صفعة في وجه الأمريكيين. وتتضمن مشاركة عملاء وكالة الاستخبارات العسكرية في مفاوضات الاستسلام الإفادة بأنهم حاضرون في الموقع للتحقق من أن توجيه الصفعة لن يتحقق خلال اسبوع الحصار لقندوز الذي سبق انتفاضة مزار الشريف. وكرر وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد في عدة بيانات -جرى توثيقها بشكل جيد- الدعوة لقتل أو اعتقال كل الطالبان الأجانب الذين يجري أسرهم وفي انتهاك صريح لمعاهدات جنيف -التي تنص على منع التمييز على أساس العرق أو الجنسية أو المعتقد- وجرى نقل جميع الطالبان الأجانب إلى سجن قلعة جانجي.
وتتمثل المشاهد الأكثر إثارة للاتهام في تلك التي تكشف عن معاملة السجناء بعد نقلهم إلى القلعة. ويظهر البرنامج السجناء وقد أخرجوا إلى فناء السجن في مجموعات وأياديهم مقيدة وراء ظهورهم حيث يجري التحقيق معهم بواسطة عميل وكالة الاستخبارات الأمريكية جوني مايكل وعميل آخر أشير إليه باسم «ديف».ويقول المعلق إن العملاء الأمريكيين يحاولون معرفة «قادة» الإرهابيين من بين السجناء.
أغراض معلوماتية
وتبين المشاهد رجلي وكالة الاستخبارات الأمريكية وهما يتبختران وسط السجناء ويصيحان بصوت عال في وجوههم: «أنت ارهابي» و«أنت جئت لأفغانستان لقتل الناس، لا؟» وجد السجناء -الذين حملوا عند استسلامهم على الاعتقاد بأنه سيسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم- أنفسهم في مواجهة اثنين من الأمريكيين المتنمرين ولأسباب مشروعة خافوا على حياتهم ويعلق روبرت بيلتون الذي يعمل مستقلا مع ال سي.ان. ان.. بالقول بدأ يستقر في وجدان هؤلاء السجناء أن لا أمل في خروجهم من هذا المكان وأن الأمريكيين يرغبون في استغلالهم لأغراض معلوماتية.
ويؤكد اليكس بيري من مجلة تايم هذه النقطة فيقول: لقد وقعت تهديدات على الطالبان ومن المقبول جدا أنها تسببت في إطلاق شرارة الثورة حين تقول للناس إنهم سيموتون جميعاً ويتبع ذلك حديثهم مع وكالة الاستخبارات المركزية فإن ذلك يقوِّض ما قال به دوستم من ضمانات بالسلامة وخلافها.انجلى الموقف بسرعة.. يقول المعلق إن الثورة في الطريق وإن سجناء الطالبان قاموا بالاستيلاء على مستودع السلاح الرئيسي في المنشأة ويصور فريق أخبار ألماني ديف وهو يجري من فناء السجن ببندقيته الكلاشينكوف ومسدسه إلى منطقة أخرى من القلعة ويقول الفريق إن السجناء تغلبوا على «اسبان» الذي يعتقد أنه قد قتل. ويقول «ديف» إنه قتل أربعة سجناء رمياً بالرصاص. وإنه يعتقد أن «اسبان» قتل بدوره اثنين منهم وفي اضطراب واضح يحاول بعصبية تثبيت مسدسه في حزامه عقب ذلك يقوم باستخدام الهاتف النقال الخاص بالفريق الألماني والذي يعمل عبر الأقمار الصناعية للاتصال بالسفارة الأمريكية في طشقند، أوزبكستان طالباً دعماً جوياً.
تمهيد المسرح للمجزرة
يقول الصحفي الألماني أرمين ستوث (تلفزيون.ايه.آر.دي.) إن «ديف» هو المسؤول عن هذا الموقع وهو يوجه لهم الحديث قائلاً: حان الوقت للذهاب. يشق «ديف» وفريق التصوير وقوات التحالف الشمالي طريقهم إلى خارج القلعة تحت رصاص الطالبان ويجدون سيارة في انتظارهم يقول المعلق إن تعزيزات أمريكية ومن التحالف وبعض القوات الخاصة قد أخذت في الوصول إلى الموقع وجرى تمهيد المسرح لمجزرة بشعة في القلعة وأسراها تمتد ليومين أو أكثر يلوح بين الحاضرين قوات كوماندوز خاصة تابعة لسلاح الطيران البريطاني وقوات من فرقة المشاة العاشرة الأمريكية وتبدأ الغارات الجوية.
تصيب إحدى القذائف الأولى موقعا خاطئا متسببة في مقتل ستة أفغان وجرح خمسة أمريكيين ولا يبدو على الأمريكيين اهتمام كبير بالقصف الذي استهدف حلفاءهم ويبدو بعض الصحفيين الموجودين منفعلين بعرض القوة العسكرية.
ويعلق المصور دامين ديغولدر على انفجار قذيفة بالقول إنه انفجار جميل ... أخاذ للغاية وفي تعليق لاحق يقول إن الصحفيين قد جاؤوا بحثا عن المغامرة -بحثا عن قصة. يا لها من عاصفة قصة جد عاصفة.
وترغب القوات الخاصة أن يقدم لها الصحفيون معروفا ويسأل واحد منهم نحن نقوم بالكثير من الأعمال الفريدة ولا نجد الفرصة لمشاهدتها - هل يمكننا الحصول على نسخة من شريط الفيديو؟ مع ذلك يحذرهم أحد أفراد القوات الخاصة بالقول مهما كان ما تقومون به لا تتواجدوا داخل القلعة هذا المساء مشيرا إلى ما جرى التخطيط له من حملة أرض محروقة.
مشاهد شنيعة
بينما يقوم فريق التصوير الألماني بمرافقة عدد من أفراد القوات الخاصة الذين يشرفون على توجيه العمليات يأمر جندي أمريكي الفريق بإيقاف آلات تصويره ويقول سوف أرميكم بالرصاص يا ...... مفصحا عن استيائه من تصوير العمليات يجيب عليه أحد الصحفيين بالقول: أنت لست في امريكا إنك ضيف مثلنا تماما في النهاية يتم السماح لهم بمواصلة التصوير والمشاهد التي قاموا بتصويرها شنيعة ومُدينة على حد سواء.
يصف أحد الصحفيين أعمال قوات التحالف الشمالي العاملة بوضوح وفق تعليمات الأمريكيين بكونها عمليات تنظيف ما تبقى يتجه بعض هذه القوات نحو قمة جدار القلعة ثم يبدؤون في إطلاق النار داخل السجن لقتل من بقي حياً من سجناء الطالبان بعد الضربات الجوية يطلقون النار من خلال النوافذ يصبون أوعية ضخمة من الغازات داخل المبنى ويتبعون ذلك بإلقاء قنابل يدوية وفي النهاية يتم إحضار دبابة إلى داخل السجن لتطلق بضع قذائف أخيرة.
تكشف قوات التحالف الشمالي على نحو خاص عن سلوك شائن ويصف أحد الصحفيين مشهد الجنود وهم يقومون بإلقاء الصخور على رؤوس سجناء الطالبان الذين يتم العثور عليهم أحياء كما تكشف المشاهد المصورة جثة أحد الطالبان وقد نصبت كساتر يحتمي خلفه الجنود وهم يواصلون إطلاق النار داخل مجمع المباني.
في ذلك الوقت يفيد أحد المصورين العاملين مع وكالة اسوشيتد برس ممن دخلوا للموقع بمشاهدته جثث نحو خمسين من السجناء بدا أنه جرى إعدامهم وأيديهم مقيدة وراء ظهورهم بوشاحات وشوهد جنود التحالف الشمالي وهم يقومون بقطع الوشاحات بشفرات ومقصات في محاولة واضحة لطمث الأدلة على إعدامهم وكانت هناك تقارير أخرى حول نصب جثث الطالبان على أحد المداخل وبدا أنهم جميعا قتلوا برصاصة واحدة في الرأس.
عودة دوستم
في يوم الأربعاء الموافق 28 نوفمبر عاد الجنرال دوستم إلى هذا الموقع.. تواصل الحصار حتى يوم الجمعة حينما قام الجنود الأمريكيون وجنود التحالف الشمالي بضخ المياه الباردة إلى داخل القلعة في مسعى أخير لقمع السجناء وأخيرا في يوم السبت خرج أولئك الذين نجوا باعجوبة من مجزرة الأيام الثلاثة مستسلمين كان من بين الناجين جون وولكر لنده المسمى ب «الطالبان الأمريكي».. جرى تصوير لنده بعد وقت قصير من استسلامه وهو يتحدث عن الهجوم في حالة من الذهول والألم وهو يصف ما تعرض له السجناء القابعون في جحورهم أثناء الحصار بالقول: أمس جرى قصفنا بالطائرات والصواريخ والمدافع.. صبوا علينا الغازات وأحرقونا وصبوا المياه في داخل الدور التحتية لقد اعتقد كل واحد منا أنه هالك لامحالة.
عند هذه النقطة يعود الفيلم الوثائقي للوراء لتقديم مشاهد سابقة (فلاش باك) يقوم فيها «اسبان» عميل وكالة الاستخبارات المركزية باستجواب لنده -كان أُصطفي للتحقيق- الذي أجلس ويداه مقيدتان خلف ظهره يقول «اسبان»: المشكلة أنه في حاجة إلى أخذ قرار بأن كان يريد الحياة أو الموت والموت هنا أقصد إذا كان لا يريد الموت هنا فسوف يموت هنا فهذا ال...... سوف نتركه هنا وسيظل في السجن لما تبقى من عمره ال..... القصير.. إن القرار متروك له.
يعلق روبرت بيلتون بالقول بطريقة غريبة كان ذلك ضربا من التهديد لحياته يواصل «اسبان» فيقول نستطيع فقط مساعدة أولئك الذين يرغبون في التحدث إلينا.يمكننا فعل ذلك بدعوة الصليب الأحمر لمساعدة الكثيرين في انتهاك آخر لمعاهدات جنيف يلمح عميل وكالة الاستخبارات الأمريكية إلى أن المعالجة الطبية سيتم حرمانها متى امتنع لنده عن التعاون.ويخلص المعلق إلى أن جون وولكر لنده أقر في النهاية بكونه مذنبا في اتهامات أقيمت ضده في الولايات المتحدة وحكم عليه بالسجن عشرين سنة وأن غالبية الذين نجوا من المجزرة في مزار الشريف جرى نقلهم لمعسكر اكس راي في خليج غوانتانامو بكوبا. لم يتم التطرق لحقيقة أن هؤلاء السجناء معتقلون اعتقالا غير محدد الأجل ودون توجيه اتهام لهم في انتهاك آخر للقانون الدولي.
يرسخ لدى مشاهد دار الحرب: انتفاضة سجن مزار الشريف الانطباع بأن سلطات الولايات المتحدة سمحت للصحفيين بتصوير الأحداث وكتابة التقارير عنها باعتقاد أن ذلك سيوفر دعاية مفيدة لجهود الولايات المتحدة الحربية ودرسا بليغا لمن قد يفكرون في التمرد وتحدي سياسة الولايات المتحدة وبينما أفلح البرنامج في رسم صورة للقوة الوحشية للحملة العسكرية فهو يرسم في ذات الوقت صورة لعملية أفلت زمام إدارتها من يد قادتها.
وما هو أكثر أهمية انه رغم جهود ال سي.ان.ان لتقديم صورة متوازنة للأحداث فقد كانت الأساليب الهمجية للعسكرية الأمريكية وحلفائها بادية للعيان لا تكذب آلة التصوير وتجسد الأعمال التي صوَّرها البرنامج أكثر. ان ما حدث في شهر نوفمبر الماضي في مزار الشريف كان جريمة حرب وأن المسؤولية عن المذبحة تقع على عاتق أعلى المستويات في حكومة الولايات المتحدة وجيشها.
عند نهاية البرنامج يتحدث أحد المترجمين جاوبالله قورشي عن الدماء التي أريقت في قلعة السجن والهجوم الذي نفذه من جانب واحد الأمريكيون وحلفاؤهم «قُتل أمريكي واحد فقط هنا، مايك اسبان، لكن أكثر من ثلاثمائة منهم (يقصدالطالبان) جرى قتلهم هنا، أكثر من ثلاثمائة، وشهدت بأم عيني الكثيرين منهم.
المصدر: www.wsws.org كيت راندال خدمة الجزيرة الصحفية
|