Monday 26th August,200210924العددالأثنين 17 ,جمادى الثانية 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

ثقافة البؤس ثقافة البؤس
د. عبدالرحمن الحبيب

قول جميل وربع كرام.. مثقفون تضيئون عتم المساء على منبر القول لحنا، يدثركم ارتخاء الخطاب فتستكتبون السراب وتغفون تحت أسقف الكلمات، تجيدون نشر الحوار على دربكم، تعيدون رسم الحنين القديم فيغدو الخطاب رشيقا يراقص سعف النخيل، وحين تهيجون جمر نشيد ينام على أسطح مهملة تحاورون الغياب.. تصادرون السحاب..
ما انفك المثقف العربي ينوء بالأصفاد في معصميه، حتى ألفها مضضاً..التغييب يرهقه، الخوف يكبله، فيغدو مشروعاً للرثاء في مقتبل القرن الحادي والعشرين. ولعل عقوداً من تهميشه عن برامج التطوير ومشاريع التنمية من قبل أنظمة ومؤسسات لم تر فيه سوى بوقاً معها أو عليها، كانت من الينابيع التي تجمعت ثم جرفته في تيارات من الاستغراق في النظري المفترض والمبادىء الطوباوية، فسمت به موجات نحو فضاءات من النرجسية، أو حطت به شلالات في قاع صفصفا. وثمة تيارات وسطى تفاعلت متدثرة بظلال المفاهيم المبطَّنة كي تمرر فكرتها المحظورة، التي قد يتراكم ظلالها حتى تغدو عتمة تضلل القارىء الفطن.
لم يعد، والحال هذه، بمقدور شطر واسع من المثقفين العرب أن ينخرطوا في القضايا المستجدة إلا من باب الذعر من الجديد والتوجس من مؤامرة الآخر المتفوق الذي يصدِّر تكنولوجيا غريبة تتقدم كالإعصار وعولمة تصهر الأمم في بوتقتها.. فالتكنولوجيا المادية تغييب للروح، ومعلوماتية ما بعد الحداثة تغريب للإنسان، والرقميات الإلكترونية تسطيح للمعرفة، والعولمة تضييع للهوية، والخصخصة مؤامرة رأسمالية، والشركات العابرة للقارات هيمنة إمبريالة.. وكل ماهو قادم شر مستطير وفتنة عارمة...
والقارىء العربي منغمس في مجاهيل أنفاق التحولات العالمية الجسيمة والاختراعات المرعبة ينتظر منهاجاً يتلمس به دربه فلا يعثر إلا على خطاب يشتم هذه الأنفاق ولا يضيء شمعة. لا غرابة أن ينصرف القارىء وحيداً إلى حيث الجلجلة، مودعاً مفكرين ينوحون على الثقافة المحتضرة والحضارة المستباحة وخيبة الأمة. قلما نعثر على خطابات أرضية تتعامل مع المتغيرات من موقع الاستثمار الفكري الواقعي ومنطق الفعل بدلاً من التحليق في فضاء الفكر المحض والأيدولوجيات البائدة آراء تفعيلية تتعاطى مع تقنيات ما بعد الحداثة وتعديل ما يمكن في مسارها المختل خلقياً.
رؤى توجه طرق الدخول العقلاني في العولمة، لا مجرد رفض عولمة لاخيار لنا فيها.
بثقة مفعمة بحبور الاكتشاف، يصرح عدد وافر من المثقفين العرب أن الأزمات سهل تجاوزها وأن النظريات ميسر تطبيقها لولا الأنظمة وآلياتها الكابحة وتآمر الأجنبي. حسناً، هب أن هذا الطرح التبسيطي صحيح، فأين المفر؟ في الانعزال وثقافة الشتم وتمجيد النظرية أم في التعامل الحاذق مع الممكن، مع الهامش الواقعي المتاح ومع البؤر العملية المحايدة! ندرة هم المثقفين الذين يستكشفون في قضايا جوهرية فعالة وبعيدة عن صلف الأنظمة وجبروتها وعن ضيق السياسة وإغوائها! هل يمكن أن نتبصر مناطق شاسعة غير مطروقة تنتشر في صميم حاجيات مجتمعاتنا العربية ولا علاقة للكوابح بها؟ من يقمع الباحث العلمي المكافح في معمله من أن يتوصل إلى نتيجة خلاقة في مجاله؟ من يقف حائلا دون لغوي يبدع في تبسيط قواعد اللغة المعقدة؟ من يصادر قدرة تربوي في استحداث اسلوب فذ في التعليم؟ من يمنع نشر فرضية اقتصادي في تفعيل التنمية؟ من يضيق الخناق على مهندس متفوق في الاختراع؟.. مجالات لا متناهية مشرعة للفاتحين في تطوير مجتمعاتنا.
كل أولئك المبدعين المفترضين، من حجبهم عنَّا؟ من المريح فكرياً أن نلقي بشرور مآسينا على الآخرين، نستنكف عن التصريح بالخطأ ونزدري النقد الذاتي، نستمزج التنظير الوعظي السهل، نعتاد الفوضى بدلا من التنظيم الممل وتوظيف المهارات، نستطيب الدعة والعمل العرضي لا الحرفة الدؤبة.
ونعاف الفكر المنهك المتعاطي مع الواقع المتشابك المعقد، لانلتفت إلى الفكرة الجديدة الفعالة التي يمكن تجسيدها وتوظيفها إيجابيا بقدر ما نعشق الفكرة العاطفية الرتيبة المكبلة بالدلالات المحددة سلفا. من حق أي كائن من كان أن يؤلف ما شاء من ثقافة الصراخ، من حقه أن يعظ فينا، من حقه أن يرى الخير في العزلة عن تغيرات العالم وأن ييأس من امور كثيرة في الدنيا، لكن هل له حق أن يكون وصيا على الأفكار أو أن يصادر فكر الآخرين؟ فهذه الأفكار المتنوعة في العالم لنا ككل الآخرين الذين يدافع عنهم في تنظيراته. ليس من صلاحياته أن يأمرنا بالانحياز معه أو يوصمنا بنعوت الانهزام والتبعية وربما الخيانة، وكأننا لانملك عقولا، كأننا لا نحمل مشاعر فياضة لأمتنا مثل تلك التي يحملها بين جنباته!
الغريب أن أفق التنوع في مجالنا الثقافي العربي يكاد أن يغدو مسدودا نتيجة المثقفين حراس ما يعتقدون أنه من القيم أكثر مما هو نتيجة الأنظمة حراس الحدود. لا تختلف مع مثقف عربي موتور، فلا خلاف في الآراء بل رأي واحد وحيد أو دونه خرط القتاد. لا خيار لك إلا أن تدلهم مع السرب، أن ترى ما يرون، أن تمجد ما يمجدون، أن تلعن ما يلعنون.. حسناً، في وسعنا أن نقول لهم بتآخ: انزلوا من عليائكم كي نتحاور.. لا تستأسدوا بنا.. أتيحوا لنا فرصة كي نكون مثلكم.. ففي وسعنا أن نتنوع كما ينبغي للزهور فلا تدهسوا المرج اليانع بجانزيركم اللفظية.. نحن نثق باخلاصكم ولكن الثقة بعقولنا أولى.. نحن نحبكم ونحب الحياة أكثر ونفدي أرواحنا من أجل ديننا وعروبتنا ووطننا.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved