بقلم / بيل كريستسون
إن حملة الولايات المتحدة من أجل محاولة فرض مفهومها الخاص بالعولمة على العالم، ذلك المفهوم الذي يجعل من العالم مؤسسة تجارية كبرى، قائمة على تحرير التجارة، لهو أمر يوازى تدمير السلم والعدل الدوليين، وللعولمة الكثير من المظاهر والجوانب المعقدة والمتشابكة، ولكن هذا المقال يغطي فقط تلك المظاهر التي تبدو بالنسبة لى أكثر أهمية في الإسهام في نشر الحقد والضغينة والكراهية ضد الولايات المتحدة.
لعل أول شيء يجب أن يفهمه الجميع أن العولمة ليست قائمة بالضرورة على اتخاذ شكل الشركة التجارية الضخمة والسوق الحر غير المنظم و غير المنضبط، وإذا ما طالعنا تعريف كلمة عولمة الوارد في قاموس «ويبستر» فسنلقاه تعريفا غير سياسي بالمرة، فهذا القاموس يعرف العولمة بأنها: «عملية لخلق الأشياء على نطاق عالمي»، ولكننا عندما نستخدم الكلمة اليوم فعادة ما نتحدث حول الاقتصاد، إن التعريف لم يذكر أن العولمة يجب أن تقوم على دمج أنظمة سياسية واقتصادية محددة، فقد تكون التجارة الحرة وحرية السوق رأسمالية أو سوفيتية شيوعية أو اشتراكية إسكندنافية أو تتم خلال أي مذهب أخر أو جملة من المذاهب الأخرى، من ناحية أخرى فإن التعريف الذي قدمه قاموس «ويبستر» لم يمنع بأي حال من الأحوال من الادعاء أن الرأسمالية القائمة على السوق الحرة وتحريرالتجارة يجب أن تكون حتما جزءا مكملا للعولمة، وذلك وفق أحد وجهات النظر، كما لم يمنع التعريف من اعتناق وجهة نظر مختلفة ترى أن الرعاية الصحية العالمية أو الحق في أجر معيشي كمظهر من مظاهر حقوق الإنسان يجب أن تكون هي الأخرى جزءا من العولمة. إن الضرورات الجوهرية للعولمة تتمثل فقط في التقدم التكنولوجي في مجالات النقل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التي جعلت عملية انتقال البضائع والأفراد والأموال والبيانات حول العالم أسرع وأسهل وأرخص.
حتمية زائفة
معظم السياسيين والعديد من الخبراء والأساطين يدعون بثقة أن العولمة تشكل قدرا محتوما وأنه لا يمكن إيقافها لذا فلا يجب على أحد أن يحاول أن يوقفها، بلا أدنى شك فإن العولمة غير السياسية التي ورد تعريفها بالقاموس هي التي تشكل على الأرجح قدرا محتوما، إذ أن تلك العولمة تقوم كلية على التطورات التكنولوجية التي ربما تبدو بدورها شيئا متطورا ياستمرار، ولكن معظم أولئك الذين يتحدثون باستمرار عن حتمية العولمة إنما يريدون منا في الحقيقة أن نوقن بأن العولمة الخاصة بهم والتي يغلب عليها الصبغة السياسية لا يمكن إيقافها، لذا فلا حيلة لنا سوى قبولها، وفي تقديري الشخصي يعتبر القول بأن السمات السياسية للعولمة قدرا محتوما مثلها في ذلك مثل سمات التطور التكنولوجي هو قول زائف تماما.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد واجهت معارضة إلا أنها في السنوات الأخيرة قد عملت باستمرار على نشر رؤيتها حول العولمة داخل المناطق الجديدة من العالم.
النقاط الخمس للعولمة
لقد كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تؤكد دوما على خمس نقاط رئيسية للوصول إلى شكل من العولمة يعد صياغة لنموذجنا السياسى والاقتصادى والثقافي. هذه النقط الخمس تتمثل في:
1- الدفاع عن نموذج المشروعات الاقتصادية الحرة والسوق الرأسمالية والتجارةالحرة والانتقال الحر وغير المقيد لرؤوس الأموال والخصخصة للأنشطة الاقتصادية في كل أنحاء العالم.
2- الدعم القوي للشركات العالمية والوقوف موقفا عدائيا من التنظيم الحكومي لها.
3- الامتداد إلى كل الدول التي تعمل «سيادة القانون» حتى تصبح صيغة مقلدة من النظام القانوني الأمريكي قدر الإمكان.
4- تشجيع حقوق الإنسان في كل دول العالم.
5- تشجيع الديموقراطية في كل دول العالم.
أدوات بيد واشنطن
على صعيد النقطتين 1 و2 السابقتين، فقد أصبح كل من صنوق النقد الدولي والبنك الدولي بمثابة الأداة الرئيسية لواشنطن في تنفيذ هاتين النقطتين، واجبار دول العالم الثالث على تنفيذهما، فكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يرفضان منح القروض أو تمويل المشروعات، وفي الوقت نفسه عدم تشجيع الاستثمار الخاص في معظم دول العالم الفقيرة، ما لم تقم حكومات هذه الدول يتطبيق إجراءات صارمة وإجراء «إصلاحات» القصد منها وضع هذه الدول في موضع الامتثال لأحكام السوق الحرة وتحرير التجارة والخصخصة، أحيانا ما كانت تلك الإصلاحات تحقق أهدافا مجيدة على المدى الطويل، ولكنها دائما ما كانت تقود في الغالب إلى هبوط فورى في مستوى المعيشة في تلك الدول التي كانت فقيرة أصلا، وتبدو النقاط الثلاث الأخيرة (3 و4 و5) كأهداف تعكس رؤية الولايات المتحدة للعولمة، نقاط ممتازة ولا غبار عليها، ومع ذلك فإنه في كل حالة كانت هناك محددات في تفسير الولايات المتحدة لهذه الأهداف وهذه المحددات كانت تقوي أو تكثف من المعارضة بين الكثير من فقراء العالم.
سيادة القانون
بالنسبة للنقطة رقم 3 فإنه يندر أن يوجد فرد يبدي معارضة للتأييد العالمي العظيم ل: «سيادة القانون» وذلك من الناحية النظرية فقط، ولكن عندما يرى الرجل العادي في أفريقيا وآسيا و أمريكا اللاتينية أن الولايات المتحدة أو غيرها من الشركات تقتطع الأرباح الكبيرة من جلودهم، فإن العديد من هؤلاء لن ينظروا إلى النظام القانوني الأمريكي نظرة تقدير أو استحسان، إنهم يعتقدون أنه من الأنسب عليهم أن يسألوا لماذا تحظى هذه الشركات بالتأييد المفرط بمقتضى القانون الأمريكي، ولماذا يعطي هذا القانون بشكل غير عادل الشركات الجامدة معظم حقوق البشر - وهو بالضبط ما فعله النظام القانوني الأمريكي لأكثر من قرن كامل، إننى أخمن أن أغلب الفقراء في أغلب الدول الفقيرة سوف يرون في عملية إقامة سيادة القانون في بلادهم وفقا للنظام القانوني الأمريكي أمراً يدر الربح على الأغنياء والشركات الكبرى فحسب في حين لا ينالهم من ذلك أي شيء.
أما بالنسبة إلى النقطة رقم 4 تشجيع حقوق الإنسان فهي أيضا ليست قضية سائغة كما تبدو لأول وهلة، فمثلما تساند الولايات المتحدة وتؤيد رؤية خاصة محددة مسيسة للعولمة، فهي تساند وتؤيد أيضا رؤية مسيسة لحقوق الإنسان، فحكومة الولايات المتحدة عندما تشجع حقوق الإنسان، فإنها دائما ما تتحدث حديثا يقتصر على الحقوق الفردية للإنسان في مقابل الحكومات، بما يعني أن الولايات عندما تشجع حقوق الإنسان، فإنها تريد من الحكومات أن تسمح لشعوبها بالمزيد من حرية التعبير والمزيد من الحرية التي تحول دون التوقيف وإلقاء القبض على الأفراد دون مبرر وغيرها من الحقوق المماثلة، وهذه الأشياء بعيدة إلى حد كبير عن مسألة الحقوق المهمة للإنسان.
نظرة امريكية قاصرة
ولكن الولايات المتحدة لا تنظر إلى قضايا من قبيل الرعاية الصحية على المستوى العالمي و ضمان الدخل المعيشي الملائم وضمان الحق في تشكيل الاتحادات العمالية، بوصفها من حقوق الإنسان، بل ترى في قضايا من قبيل العمل والإسكان والرعاية الصحية مجرد «مسائل سياسية وليست مسألة مبدأ، هي حقوق لا يمكن من الناحية الواقعية ضمانتها كحقوق عالمية».
ومع ذلك فإن الكثير من شعوب العالم وليس شعوب الدول النامية فحسب يريدون بالفعل هذه المسائل الاقتصادية والاجتماعية ويرون فيها الحقوق الأساسية للإنسان، وبلا شك فإنه في أكثر مناطق العالم فقرا يرى بعض الناس في الحقوق الاقتصادية التي لم يتم الوفاء بها أهمية أكثر من حرية التعبير.
إن إحداث هذا التغيير في تعريف حقوق الإنسان وتعزيز وتقوية هذا التغييرعلى صعيد الاقتصاد المعولم سوف يؤدى إلى جعل مسألة عثور الشركات على العمالة الرخيصة أمرا صعبا. كما أن الأسلوب الرئيسي لتعزيز هذا التغيير سوف يكون بالتأكيد زيادة الترتيبات والنظم الحكومية علاوة على السيطرة على التجارة بين الدول، كل تلك الإجراءات سوف تعتبر شيئا كريها بالنسبة إلى مؤيدي الرؤية الأمريكية للعولمة والعمال حول العالم يدركون هذا تماما، إنهم يتفهمون أيضا أن دعم الولايات المتحدة لحقوق الإنسان حتى ولو كانت تلك الحقوق على النمط الذي تحبذه، قد وضع موضع اختبار في الماضي في العديد من أجزاء العالم، والأمثلة من الماضي والحاضر كثيرة لدرجة يصعب حصرها :
( إيران، فيتنام، كوريا الجنوبية، إندونيسيا، ماليزيا، أجزاء من أمريكا الوسطى والجنوبية، الأراضي التي تحتلها إسرائيل، ومناطق السلطة الفلسطينية، وغيرها).
الديموقراطية والعولمة
ونأتى في النهاية إلى النقطة رقم 5 والتي تتناول تشجيع الديموقراطية كسمة أساسية من سمات الرؤية الأمريكية للعولمة، وهنا ينبغى أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي: ما نوع الديموقراطية التي نتحدث عنها؟ عندما يتحدث متحدث رسمي أو حتى بعض المسئولين الحكوميين للولايات المتحدة حول الديموفراطية في السنوات الأخيرة فإنهم يتحدثون بشكل متزايد عن «ديموقراطية السوق الحرة» أكثر مما يتحدثون عن الديموقراطية السياسية، وهناك كتاب صدر مؤخرا تحت عنوان «حول العولمة» أريد أن أورد منه اقتباسا حول هذا الموضوع، مؤلف هذا الكتاب هو الأمريكي توماس فرانك الذي يقف موقفا معارضا من سياسات العولمة التي تنتهجها الولايات المتحدة، وفيما يلى سطور قليلة من الكتاب:
منذ المحافظين القدامى ووصولا إلى الديموقراطيين الجدد أصبح الزعماء الأمريكيون في التسعينيات يوقنون بأن نظام السوق الذي كان نظاما شائعا يعد تنظيما يتخذ شكلا أكثر ديموقراطية بكثير من الحكومات المنتخبة ديموقراطيا، والافتراض الأساسي هنا يقوم على أن السوق بالإضافة لكونها وسيطا للتبادل، سوف تتيح للرأي الشعبي في «سوق التعبير» عن الرأي أن يكون أكثر وضوحا وذا معنى، وذلك بشكل يفوق ما تتيحه الإنتخابات بشكلها المجرد، فالأسواق هي التي تضفي الشرعية الديموقراطية، والأسواق هي صديق الشبان الصغار.
والأسواق هي التي تبحث دوما عن اهتماماتنا، واليوم يبدو أن قادة الرأى الأمريكيين قد اقتنعوا بشكل عام بأن الديموقراطية والسوق الحر هما ببساطة شيئان متطابقان ومتماثلان.
والجديد في الأمر فقط هو انتصار هذه الفكرة على ما عداها من أفكار منافسة بالإضافة إلى عزم الزعماء الأمريكان على تمديد تلك الفكرة حتى تسود العالم ككل ».
إن رؤى من هذا القبيل - وغيرها من الرؤى المشابهة في غيره من الكتب الصادرة مؤخرا - يقرأها شعوب الدول الأخرى كما يتم قراءتها في الولايات المتحدة، ومثل تلك الرؤى من شأنها أن تلوث وتفسد الدعاوى الأمريكية بشأن دعم وتأييد الديموقراطية في العالم، ويذكر أن هناك شعوب دول أخرى تمجد كلية السوق الحر لدرجة تماثل درجة تمجيد الكثير من الأمريكان لها ولكنهم مازالوا بعيداعن القيم الديموقراطية التي تنشرها السوق الحر.
وفي الحقيقة فإن الكثيرمن الناس في كل أنحاء العالم يحتقرون رياء الزعماء الأمريكيين الذين يسعون إلى إحلال السوق الحر محل الديموقراطية السياسية، ومن الوجهة التاريخية فإن انتهاج الولايات المتحدة لسياسة تأييد الديموقراطية السياسية لم يكن شيئا جيدا دائما.
ولعل ما فعلته إدارة بوش في فنزويلا مؤخرا قد لوث إلى حد بعيد ذلك الانتهاج.
الفجوة بين الفقراء والأغنياء
خلال السنوات العشرين الأخيرة التي أعقبت بروز الرؤية الأمريكية للعولمة فإن الفجوة بين الأغنياء والفقراء في معظم الدول ازدادت اتساعا، كما تنامت مشاعر الحقد والكراهية و العداء تجاه الولايات المتحدة وذلك لأن الفقراء يرون أن الولايات المتحدة تزداد ثراء وهيمنة بينما هم نادرا ما يحصلون على أي مكاسب.
مؤيدو العولمة سواء من الولايات المتحدة أو من غيرها من الدول لا يتفقون مع الرؤية الواردة بالفقرة السابقة، والواقع أن معظم هؤلاء المؤيدين لايحاول أن يناقش الحقيقة - وهي بالفعل حقيقة - القائلة بأن الفجوة بين الأغنياء والفقراء قد ازدادت اتساعا ولكنهم يقررون أن المتوسط الكلي لمستوى دخل الفقراء حول العالم قد ارتفع خلال السنوات العشرين الأخيرة، ومن خلال ذلك فهم يستنتجون أن الرؤية الأمريكية ورغم كونها قد سمحت باتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء إلا أنها مازالت أمرا نافعا ومفيدا للفقراء.
إن مشكلة هذا التحليل أنه يستخدم متوسط الدخل في كل الدول التي يطلق عليها الدول النامية. وهي دول مثقلة بالسكان، ولكن الارتكان إلى مثل هذا المتوسط بهذا الشكل يقدم نتائج مضللة، فدولتا الصين والهند بما لديهما مجتمعتين من عدد هائل من السكان يزيد على ثلث سكان العالم، يمتلكان بالمقابل تأثيرا هائلا على أى متوسط.
ومما لاجدال فيه فإن هاتين الدولتين قد أدتا أداء جيدا تحت مظلة العولمة بشكل تفوقتا فيه على معظم الدول الأخرى، لماذا أدتا أداء جيدا؟
الإجابة: لقد أدتا أداء جيدا لإنهما، ورغم كونهما منتميتين للدول النامية، كانتا تمتلكان ما يكفي من القوة، والحجم الكبير من الأسواق ما مكنهما من التقاط واختيار تلك الأجزاء المحددة من العولمة و التي ترغب في قبولها، فكلا الدولتين قام بحماية و تنظيم صناعته بطرق مختلفة تتعارض مع أحكام السوق الحر، ومن ثم فتلك الدولتان لا تعدان أمثلة تثبت بأي حال من الأحوال أن الرؤية الأمريكية للعولمة كانت خيرا بالنسبة لفقراء العالم، فعلى الجانب الأخر، نجد أن باقي الدول النامية التي يزيد عددها على مائة دولة هي دول صغيرة وضعيفة، ولم يكن أمامها سوى قبول برنامج العولمة الخاص بالولايات المتحدة بحذافيره، وإلا فإن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سيرفضان ببساطة منح هذه الدول القروض والمعونات، وعلى ذلك فإذا ما تم استبعاد معدلات الدخل في الصين والهند من معدلات الدخل العام للدول النامية فسوف نجد أن معدل الدخل في باقي الدول النامية مجتمعة لم يشهد تحسنا بما يساعد على الخروج من حالة الفقر المطلق، لذا فإن هذه الدول النامية. باستثناء الصين والهند هي أكثر الدول التي تئن تحت وطأة برامج العولمة الأمريكية، على كل حال فإن الفجوة في الدخل بين الأغنياء والفقراء هي فجوة هائلة على مستوى العالم وتظهر الإحصاءات العالمية أن عدد سكان العالم قد تعدى مؤخراالستة بلايين نسمة، 8 ،2 بليون نسمة منهم، أى نصف مجموع سكان العالم تقريبا، دخلهم يقل عن دولارين في اليوم وهناك حوالى بليون من البشر يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم، علاوة على ذلك فإن دعاية الولايات المتحدة الداعمة للعولمة لم تف بتوقعات الفقراء، ولعل التواجد النسبي للبث التليفزيوني بالأقمار الصناعية في كل مكان تقريبا ساعد على نشر هذه الدعاية على نطاق أوسع من ذى قبل، هذه الأشياء معا عملت على تقوية الإحساس في العالم الثالث بالقمع من جانب الولايات المتحدة وسأذكر ثانية مقارنة ذكرتها من قبل: إن مشاعر مشابهة بالاضطهاد والقمع تجاه الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية جعلت من السهل على هتلر أن يثير مشاعر الخوف والكراهية وهو ما قاد فيما بعد إلى نشوب الحرب العالمية الثانية و حدوث الهولوكوست،
وبالمناسبة فإن بعض الأعداد التي صدرت مؤخرا من مجلة (Nation) احتوت على مقال رائع حول المؤتمر الدولي الكبير الذي عقد مؤخرا في بورت أليجر، بالبرازيل بحضور 50 ألف شخص من مناهضي العولمة من بينهم علماء وخبراء اقتصاد وعلماء اجتماع وسياسيين تقدميين، والكثيرين غيرهم من النشطاء، وأود تحديدا أن أؤكد على أحد الاقتراحات التي قدمت في المؤتمر والذي عرض تفصيليا في المقال المنشور بمجلة (Nation)، هذا الاقتراح يدعو إلى: «إعادة توجيه الأنشطة الاقتصادية المحلية نحو الأسواق الوطنية وليس نحو الأسواق الخارجية، و توجيه هذه الأنشطة نحو إعادة توزيع الدخول، ونحو السياسات التي تعيد التأكيد على المساواة وتعلي من شأنها، ونحو تنفيذ إستراتيجية تخضع الأسواق للعدالة الإجتماعية»، في تقديري تعتبر تلك المقترحات هي الخطوط الإرشادية التي يجب أن تستخدم في تنفيذ «مشروع مارشال عالمى» يمكن أن يشكل جوهر التغلب على النقص الذي يعترى النسخة الأمريكية من العولمة.
تحريرالتجارة
هناك سمة أخيرة للعولمة لمستها بالفعل ولكنى أود مناقشتها بشيء من التفصيل، ألا وهي الإصرار على المطالبة بتحرير التجارة في كل أنحاء العالم من قبل الإدارات التي تولت الولايات المتحدة مؤخرا، إن الحكومات الأخرى تعلم تمام العلم كل الدول من الناحية التاريخية كانت أثناء انتقالها من وضع الدولة النامية إلى وضع الدولة المتقدمة تكتشف أنه من الضرورى لها أن تنأى بنفسها عن تحرير التجارة وأن تطبق إجراءات حمائية لعدة عقود باعتبار أن تلك الإجراءات الحمائية تشكل ضرورة لإحداث التحول نحو التقدم المنشود، ففي أوروبا سارت كل من إنجلترا وفرنسا وألمانيا على نفس النهج على الرغم من أن الاستعمار كان قد عمل على الإسراع بإحداث هذا التحول، على الأقل في حالة بريطانيا وفرنسا، الولايات المتحدة نفسها كانت تفرض تعريفات جمركية عالية حتى الثلاثينيات من القرن العشرين.
كذلك فقد فرضت كل من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان بشكل أو بآخر إجراءات تتعارض مع تحرير التجارة وذلك لسنوات عديدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولقد أصبح من الواضح عن ذى قبل أن تحرير التجارة لا يستفيد منه سوى الدول المتقدمة بالفعل وليس الدول التي مازالت نامية أو التي تمر بمراحل التحول، ومع ذلك فقد أخذ كل من الرئيسين بوش وكلينتون يدافعان في كلماتهما عن الأسواق الحرة وتحرير التجارة أمام الجميع، بالطبع باستثناء بعض الأمريكيين وهم القائمون على صناعة الصلب والتي قرر الرئيس بوش أنها تستلزم فرض تعريفات جمركية حمائية عليها وباستثناء كذلك صغار أوكبار المزارعين الذين تلقوا تعويضات جديدة وعالية لمساندتهم أمام المنافسة الأجنبية، على الأقل في سنوات الانتخابات.
العولمة الأمريكية في أوجها
هناك ثلاثة تطورات وقعت مؤخرا تمثلت في: انهيار شركة إنرون وفشل الاقتصاد الأرجنتيني والضمانات الحمائية السابق ذكرها على الصلب الأمريكي والمصالح الزراعية والتي تتعارض مع تحرير التجارة، هذه التطورات تعطي على الأقل لمحة من الأمل بأن الرؤية الأمريكية للعولمة ربما تصل قريبا إلى الذروة ثم تبدأفي التراجع والتقهقر، وبالتأكيد تعطي إنرون مثالا مبكرا على الغش والفساد اللذين استشريا في الشركات العالمية الأقل انضابطا على نحو يفوق توقعاتنا، ولا يجب أن تمر مسألة انهيار شركة إنرون دون حدوث ضغوط من أجل إيجاد ضوابط دولية فعالة، أما الأرجنتين التي كان ينظر إليها بإجلال على أنها أبرز إعلان عن العولمة في التسعينيات فهي الآن اقتصاد منبوذ يتلقى على ما يبدو الرثاء، ولا يتلقى سوى القليل من راعيها السابق الولايات المتحدة، وترى الدول الأخرى في المشكلة الأرجنتينية أنها ربما جعلت الأرجنتين أقل رضوخا لقبول الإرشادات الأمريكية، أما الأمثلة المتعلقة بحماية الولايات المتحدة للصلب والمزارعين ربما تعمل على الإبطاء من الاندفاع نحو تحرير التجارة على المستوى العالمي ولو لبرهة على الأقل، ولكن ما ابتلينا به من تطرف وانانية شديدة ورأسمالية عالمية تهيمن عليها الولايات المتحدة في الوقت الراهن هي أمور وصلت إلى حجم لا يمكن تقديره.
وأعتقد أن هناك سؤالين متتاليين علينا أن نطرحهما على أنفسنا هما :
السؤال الأول: هل يحصل معظم الناس في الولايات المتحدة على مكاسب حقيقية من جراء وقوف الولايات المتحدة على قمة الهيمنة السياسية العالمية وقمةالعولمة الاقتصادية، بحيث أصبحت العولمة مرآة تعكس صورة الاقتصاد الأمريكي؟ هل التكاليف التي تنفق على الجانب العسكري والاقتصادي وعلى الأمن الداخلي وعلى السياسة الخارجية الأمريكية سوف تعود بالفائدة على مجتمعنا أم أنها سوف تدمره وتدمر مستويات معيشتنا وثقافتنا؟ وهل معظم المكاسب والفوائد من هذا النوع من العولمة سوف يتطلب إقامة شركات دولية ووجود طبقة صغيرة من الأفراد الأثرياء في الكثير من الدول التي يعملون فيها يتلقون وحدهم الدعم من جانب الولايات المتحدة؟
السؤال الثانى: إذا ما استمرت الولايات المتحدة في انتهاج رؤيتها للعولمة، هل ستتسع الفجوة العالمية في الدخل بين الفقراء والأغنياء بمرور الوقت أم أنها ستضيق؟ إذا كانت الإجابة على ذلك التساؤل غير معلومة، رغم مرور عشر سنوات على تجريب النموذج الأمريكي للعولمة فهل نستطيع أن نتحمل انتظارعشر سنوات أخرى يتوقع خلالها نهوض العالم الثالث. فحتما لن يتم الوفاء بذلك كلية، رأيى الشخصي هو أن النموذج الحالي للعولمة الأمريكية سوف ينتج عنه خلا ل السنوات
العشر القادمة على الأرجح اتساع مستمر في الفجوة بين دخول الفقراء والأغنياء في معظم دول العالم وهو ما سيؤدى إلى إثارة مزيد من البغض والكراهية ضد الولايات المتحدة، اذا يجب على الولايات المتحدة عمل التالي:
(1) التوقف عن تنفيذ برنامج العولمة الحالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة هيمنة كاملة.
(2)البدء الفوري في تنفيذ برنامج ضخم للمساعدات لتقليل الفجوة الحادثة في الدخل حول العالم.
(3) تشجيع كل دولة على أن تقبل أو ترفض بشكل منفرد، القليل أو الكثير من السمات أي العولمة التي تختارها قلت أو كثرت،وذلك كما تفعل كل من الصين والهند اليوم.
(4) تشجيع كل دولة على أن تقبل أو ترفض بشكل منفرد أحكام تحرير التجارة وإلى المدى الذي يقبلونه به بأنفسهم.
وفي النهاية فعلى الولايات المتحدة في سياستها الخارجية أن تشجع المزيد من الديموقراطيةالسياسية في الدول الأخرى خاصة في تلك الدول التي تهيمن عليها الأقليات الديكتاتورية والفاسدة، ولكن يجب أن يتم ذلك من خلال وسائل أخرى بخلاف الأعمال العسكرية والعمليات السرية.
(*) المصدر: موقع كونتر بانش غداً.. الجزء الثالث: سبب كراهية العالم للولايات المتحدة
*****
نبذه عن المؤلف
بيل كريستيسون التحق بالعمل بوكالة المخابرات المركزيةالأمريكية (سى آى إيه) عام 1950 وخدم بوحدة التحليل بالوكالة مدة 28 عاما، ومنذ بداية السبعينيات عمل كضابط مخابرات وطني (مستشار رئيسي لمدير المخابرات المركزية مختص بمناطق جغرافية معينة) فتولى لأوقات مختلفة مناطق جنوب شرق آسيا وأفريقيا وقبل إحالته للتقاعد عام 1979 كان يشغل منصب مدير مكتب وكالة المخابرات للتحليل الإقليمي والسياسي، تلك الوحدة التي كانت تضم 250 شخصا، كذلك فقد عملت زوجته في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وتقاعدت هي الأخرى عام 1979، ومنذ ذلك الحين وهي منشغلة بالقضية الفلسطينية.
|