من الممكن القول بدون أي تحفظ إن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة على وجه الأرض وعبر التاريخ - التي استعارت مفردات لغوية من لغات أخرى ومنحت مصادر هذه المفردات كل تبجيل واحترام، بمعنى أنها لم تحور معاني أو دلالات هذه المفردات لتتخذ منها أسلحة للحط من شأن الحضارات الأخرى، ولنا على ذلك أبلغ الأدلة في حقيقة ورود بعض المفردات غير العربية في القرآن الكريم بسياقات منزهة عن كل ما هو دنس إنسانياً.
أقول ذلك في ضوء شيوع عكس ذلك في العديد من الثقافات المعاصرة ولاسيما منها ثقافة الأقوياء.. الثقافة الغربية بدليل شيوع مفردات مثل البربرية اشتقاقاً من شجاعة البربر في جهادهم للغربيين، وليس بخاف ما تقوم به بين الفينة والأخرى بعض الشركات الغربية حين تعمد إلى استفزاز مشاعر المسلمين بالعبث اللغوي بلغتهم، ومن ذلك على سبيل المثال كتابة اسم الجلالة تعالى الله عما يصفون على بعض منتجاتها التي من ضمنها الأحذية، وذلك كما فعلت إحدى الشركات الغربية المشهورة منذ أمد ليس ببعيد. بل إن لنا على ذلك أبلغ الأدلة فيما انتجته شركة هوليودد السينمائية من أفلام تشيع بها بمضامين الهزؤ والسخرية رموز العرب العقدية والثقافية والاقتصادية.. من قبيل شيخ وعبدول «بمعنى عبدالله» والإسلام والمحمدين ونفط وخلاف ذلك. فمثل هذه المفردات يتم نزعها من سياقاتها الثقافية وفقاً لأحداث الساعة، ومن ثم يتم تحويرها بعد تفريغها من مضامينها لتصبح أسلحة مضادة، فالمسألة هنا تتمحور حول أخذ أجمل الأشياء من الثقافة فطليها بالقبح لتشويه «الفكرة» ومن ثم التنفير ممن يعتنقها، وفي هذا الصدد فلا أحد يجهل ما طال كلمة «جهاد» ذلكم المصطلح الرباني من تشويه مقصود جعل منه في أنظار عامة الغربيين وصمة للمسلمين، الأمر الذي أدى في النهاية إلى قلب معادلة «أحقيتهم» التاريخية بوصفهم أصحاب قضايا عادلة بل أثر في إنسانيتهم في أنظار العديد من سكان هذا الكوكب.
ويحضرني في هذا المقام موقفان أحدهما شخصي قريب العهد والآخر لصديق، أما الموقف الشخصي فيتمثل في أنه بينما كنت أتصفح المجلة الأمريكية الشهيرة المعروفة ب«Fortune» صدمت بإعلان يشغل صفحة كاملة يبدو فيه أحد الأفراد وقد تراكمت عليه بسبب كسله أعباء أعماله الضرورية فما كان منه إلا أن شمر عن ساعديه ليعلن بطريقة ساخرة عن عزمه بإعلان «الجهاد» على غرائز الكسل والتأجيل لديه..، أما موقف صديقي فقد حدث أثناء الدراسة في أمريكا حيث ذهب هذا الصديق إلى أحد أسواق الأشياء المستعملة وبينما كان يساوم البائع على لوحة تشكيلية رخيصة ضمّن حديثه عبارة عامية دارجة مفادها عزمه على المساومة حتى النهاية وذلك بقوله إنه سوف «يهوّد الثمن» اشتقاقاً من كلمة اليهود وذلك كناية عن الإصرار أخذاً بنهج اليهود في المساومة وهي عبارة تشي بتهويد البخل والشح والجشع وباللغة الإنجليزية «I will Jew you down»، ومن سوء أو حسن حظ صديقي لا أدري أيهما - فقد صدف أن كان أحد المتسوقين الواقف بجانبه يهودياً حيث بادر حينها بسؤال زميلي بحدة عما كان يعنيه بما وصفه على حد زعمه بلغة عنصرية كهذه، وبما أن «.. الشباب جنون برؤه الكبر» كما يقول عجز بيت الشاعر فلم يتردد لحظتها صديقي عن مواجهته بكل حدة أيضاً قائلاً سوف أتوقف عن استخدام هذه العبارة بمجرد أن تتوقف هوليوود الصهيونية عن نعت الإسلام والمسلمين وتوصيفهم بأقذع العبارات وأحط التوصيفات..، فما كان من اليهودي إلا أن رمق صديقي بعين يتطاير منها الشرر ليمضي في حال سبيله بينما كان البائع العجوز يهز رأسه ويبتسم تعجباً من الموقف..
ختاماً أعتقد أن احتفاء العرب والمسلمين بتعلم اللغات الأجنبية ولاسيما من بينها اللغة الإنجليزية لا يمكن بالضرورة تأويله بنظرية «تبعية الغالب للمغلوب» كما قال ابن خلدون، فالأمر قد لا يتجاوز كونه سجية إسلامية حضارية راقية مغروسة في وجدانات المسلمين، فهي بالأصح امتداد لغيرها من سجايا الاحترام الذي منحه الإسلام «للآخر» الثقافي، فالإسلام هو دين العالم والعولمة الحقيقية لا للدنيا فحسب بل أيضا الآخرة، والله سبحانه قسم البشر إلى شعوب وقبائل «للتعارف» فيما بينهم ورغم أن مفهوم التعارف هذا مفهوم حضاري واسع بله أوسع من أن تسعه أفهام البشر فليس هناك من تعارف لا يتضمنه «احترام»..
|