قبل سنوات كنت أعمل في إحدى القرى، وكنت أتغلب على الفراغ القاتل بعد الانتهاء من العمل، بالتجول في أرجاء القرية، وفي أحد الأيام كان معي زميل في جولتي، فقلت له بعد أن لاحظت تناثر المقابر في الطريق، مشيرا إلى مقبرة بعينها كانت في طريقنا، فقال إن الأهالي يطلقون اسم جراح عربي يعمل في مستشفى القرية، على هذه المقبرة، فقد كان هذا الدكتور، ربما لسوء حظه أو سوء حظ المرضى، يتسبب في وفاة أغلب العمليات التي يجريها، ومع ذلك فقد كان مستمراً في أداء عمله بهمة ونشاط، ولم يجرؤ أحد على ما يبدو في الرفع عنه، بل إن حظوة هذا الجراح، جعلته بعد سنوات، يفتتح عيادة في ميدان الصفاة، وقد شاءت الصدف أي والله! أن أدخل عيادته للتشييك على عملية جراحية بسيطة أجراها لي سفاح آخر في جدة، وكانت العيادة غاصة بالمرضى، مما يدل، على أن صاحبنا قد تشرَّب الصنعة تماماً، بعد أن تعلم الحلاقة في رؤوس الغلابة، من سكان تلك القرية، وقد علمت بعد ذلك أن هذا الرجل أصبح واحداً من رجال المال والأعمال، ومن حبه للمال أهمل عيادته، فقد كان طموحه وجرأته بدون حدود!!
تذكرت هذه الحادثة وأنا أقرأ أخبار القبض على المحتال «أحمد محمد عبدالكريم» والذي مارس الطب في مدينته «الفيوم» اختصاصياً في «جراحة المخ والأعصاب» وقد كشفت أجهزة الأمن المصرية مشكورة، معلومات في غاية الأهمية، عن هذا الطبيب الوهمي، الذي لم يأخذ خبرته بعد دراسة في كلية للطب، ولكنه أخذها بالجد والمثابرة والفهلوة، وهي صفات لا تعني أن صاحبها لديه شهادة في المهنة التي يمارسها، وقد كان مجاله الرحب الذي أخذ منه الخبرة والمهارة، في بلادنا، حيث عمل لمدة «15» عاماً جراحاً للمخ والأعصاب، في بلد يتباهى القائمون على الشؤون الصحية فيه، بأنهم يُنخلون من يتقدم لوظيفة طبيب أو من يرغب في دراسة الطب نخلاً، حتى يقبلونه طبيباً أو ممرضاً أو صيدلياً، لكنهم مع ذلك يفوتهم سد خرم صغير يدخل منه أناس أشبه بالفيروسات، من ذلك هذا الطبيب المزيف الذي كان ينتقل من عملية إلى عملية حتى أصبح غنياً، فضبَّ معداته وغادر إلى بلاده، حيث علق الشهادات المزورة في عيادة فاخرة أصبح معها يتقاضى «4000» جنيه عن كل عملية جراحية، فلوس البترول وسلامة نية مواطنينا أو غفلتنا، جعلتا منه مشهوراً يحضر المؤتمرات ويرفع أجور كشفه، لكنه للأسف رغم كل هذه الخبرة التي أخذها من بلادنا لم يستطع كتابة روشتاته باللغة الإنجليزية، إنه أول طبيب يكتب الروشتة باللغة العربية الفصحى، لغة مكافح حصل على الإعدادية ثم امتهن الطب، ليس في بلاده، ولكن في بلادنا، أين؟ الله وحده يعلم، كم عدد ضحاياه، كم مكاناً انتقل إليه أو عمل فيه، على أي أساس مارس هذه المهنة، كم كان يتقاضى، من الذي سمح بممارسته مهنة الطب، أسئلة عديدة، لم نقرأ ولا إجابة واحدة عليها، رغم أن هذا الطبيب المزعوم يخضع في مصر لتحقيقات واسعة مع أنه لم يهنأ بممارسة الطب على أرض وطنه الذي حلم بالعودة إليه طوال ال«15» عاما التي كان فيها يتعلم الحلاقة في رؤوس اليتامى من أمثالنا..!
الذي أعرفه جيداً أن كافة الأطباء المنضوين تحت مظلة وزارة الصحة، يخضعون لاختبارات دورية، للتأكد من لياقتهم ومعلوماتهم الطبية، لكن مع ذلك وجدنا هندياً في عسير، يشرف إشرافاً كاملاً على سلسلة من المستوصفات، رغم أن هذا الهندي لا يعدو كونه عاملاً، من عمال أحد المستوصفات، أراد أن يريح عمه الطبيب السعودي من التعب، فأخذ عنه الجمل بما حمل، وقد رضي عمه أو كفيله، بما يرميه له كل يوم، من عمولة، مقابل أن يجلس في الظل، والهندي يعمل ويعمل، ليحقق دخلاً يصل إلى «15» ألف ريال يومياً!
وهناك العديد من الأطباء والممرضين والممرضات في مستشفيات اكتشف أنهم مصابون بأمراض معدية، كيف حصل ما حصل؟
إنه الخرم البسيط تسرب منه عشرات الأفاقين إلى مستشفياتنا الحكومية والخاصة، هذا الخرم ينبغي إغلاقه فوراً.. وقبل إغلاقه ينبغي توضيح كل شيء للناس أولاً بأول.. حتى لا تكون وزارة الصحة مثل الزوج المخدوع: آخر من يعلم!
|