عندما تضعف همَّة الإنسان عن تطبيق القيم والمبادىء والأخلاق والعادات الحسنة التي ينادي إليها ويؤمن بها، يحدث التناقُض الذي يصيب الإنسان بالقلق، والاضطراب النفسي، والإحساس بعدم الثقة، ولربما تجاوزت حالةُ هذا الإنسان حدود الوضع الطبيعي، إلى وضع مَرَضي يصيبه باليأس من الحياة، ومن الناس.
إن التناقُض بين ما يقال ويُدْعَى إليه، وبين ما يجري في واقع حياة الناس هو الداء الاجتماعي الذي يصيب المجتمعات البشرية بالوَهَن والضعف العام أمام مشكلاتها الداخلية، وأمام المشكلات الخارجية التي تواجهها.
ولعلَّ التأمُّل الواعي لحالة مجتمعاتنا المسلمة في هذا العصر، يؤكد لنا أننا نعاني من هذا الداء الخطير.
أثار شعوري بخطورة هذه المشكلة «التناقُض»، ما سمعتُه من بعض الرِّجال الذين لا ينقصهم العلم، والاطلاع، والثقافة، والوعي الشرعي، والذين يُعدُّون من الرّجال الفضلاء الكرماء في مجتمعهم، حيث حدثوني شعورهم بالألم حينما يخلد أحدهم إلى نفسه ويراجع أعماله اليومية، وعلاقاته الاجتماعية، لأنهم يجدون بَوْناً شاسعاً بين ما يؤمنون به من قيم الإسلام وتعاليم شرعه، وبين بعض المظاهر الاجتماعية التي يعيشونها.
أحدهم قال لي: كم من مرَّة اجتمع فضلاء الناس وعقلاؤهم، وتحدثوا عن مظاهر سيئة في الحياة الأسرية والاجتماعية، تتمثل في مخالفات شرعية واضحة منها: الأسراف المذموم والبذخ، وحبّ المظاهر، وإضاعة الوقت في الاستعداد لحفلات وولائم قائمة على المباهاة والمجاراة، وما يتبع ذلك من الهزل واللهو «الطاغيين» عند كثير من الرجال، ومن التبرُّج، والخروج عن موازين الحياء والحشمة عند النساء، وما يتجاوز ذلك من اختلاط لا يقرُّه شرع ولا عقل ولا نظام عاداتٍ اجتماعية سليمة، خاصة في بعض مناسبات الزواج التي ما تَزال عادة «النَّصّة» السيئة المستوردة من أعدائنا تحدث فيها، ومنها: الخلافات الأسرية والقبلية المتأججة القائمة على الطمع وسوء الظنِّ بالآخر، والحسد، والبغضاء، والمنافسة على أعراض الدنيا.
كم مرَّة تحدَّث عقلاء الناس وفضلاؤهم عن هذه المظاهر وغيرها، ومع ذلك فإن ارتكاب بعضها يتم من قبل بعض أولئك الفضلاء العقلاء.
وتساءل القائل - وأثر الانفعال بادٍ على وجهه -، لماذا يحدث مثل هذا التناقض؟ وكيف نستطيع تجاوزه في وقت تهدِّد فيه الأخطار الدولية والعالمية كيان أمتنا كلَّه؟!، وهل يُعَدُّ هذا التناقض طبيعياً في حياة الأمم والمجتمعات؟؟
أسئلة كثيرة طرحها هذا المتحدِّث، وهي على أهمِّيتها وخطورتها، أهون من سؤال آخر صاحبته زفرة عميقة لاهبة، ألقى به محمَّلاً بشعور اليائس الذي يكاد يفقد الأمل في استقامة أمور المسلمين مع هذا التناقض المشين؟؟ قال:
هل ما ينادي به المصلحون والعلماء والدُّعاة من وجوب العودة الصادقة إلى الله، والتوبة من مظاهر الانحراف الشائعة في مجتمعات البشر، وهو الصحيح؟َ أم أنهم يبالغون في دعوتهم، وينادون إلى مثالياتٍ لا يمكن تطبيقها في حياة البشر؟؟
أين موقع الصَّواب في هذه القضية؟ قلت لصاحبي: الجواب السريع عن تساؤلك هذا هو: إنَّ ما ينادي به المصلحون والعلماء والدُّعاة المخلصون هو الصحيح - قولاً واحداً -، لأن شرع الله سبحانه وتعالى هو المنهج الصحيح الذي تصلح به أحوال الناس كلُّها، فتكون المشكلة إذن في «ضعف التطبيق»، الذي يحدث هذا التناقض المؤسف، وذلك ما يحتاج إلى مضاعفة الجهود لعلاجه.
إشارة:
كل الضلالات أقدامٌ، ومنهجنا رأسٌ، فكيف نسوِّي الرأسَ بالقدمِ |
|