* الرياض عمر اللحيان:
ألقى عضو هيئة كبار العلماء فضيلة الشيخ عبدالله بن سليمان المنيع مساء أمس الأول الاثنين محاضرة عن «التأمين بين الإباحة والحظر» وذلك بقاعة المحاضرات بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بمبنى مؤسسة الملك فيصل الخيرية وذلك بحضور حشد كبير من المهتمين بهذا الموضوع:
وأوضح فضيلته إن التأمين على الأموال والمنافع وغيرها وسيلة من وسائل حفظ المال ورعايته والتعويض عنه في حال تلفه أو ضياعه، والحديث عن التأمين من هذا المنطلق والتصور يقتضي التمهيد له بما يعطي العلم عن مفهوم الإسلام للمال ونظرته إليه من حيث قيمته، والحفاظ عليه وتحصيله. وهل هو وسيلة أو غاية؟
وبيَّن انه يجب مراعاة المسائل التالية:
1- قيمة المال في نظر الإسلام:
ينظر الإسلام إلى المال نظرة تقدير واحترام وأنه من الأمور التي تعين الإنسان على تحقيق حكمة خلقه ووجوده في هذه الحياة فهو قيام الحياة الدنيا وزينتها قال تعالى: {وّلا تٍؤًتٍوا السٍَفّهّاءّ أّمًوّالّكٍمٍ پَّتٌي جّعّلّ اللّهٍ لّّكٍمً قٌيّاماْ}.
2- العناية بالمال وحفظه:
يدعو الإسلام إلى العناية بالمال وحفظه وعدم تمكين السفهاء من وجوده في أيديهم، وإذا كانوا مالكين له فيجب أن يكون المال تحت يد أمينة تحفظه لهم وتقوم باستثماره وتنميته وإخراج الحقوق الواجبة فيه منه. وإذا كان المال قد تعلق بذمم فيجب بذل الأسباب لإثباته بالكتابة والشهادة، وأخذ الضمانات الكافية لأدائه من رهن وكفيل ونحو ذلك.
وقد جاءت الرخص الشرعية في ترك صلاة الجمعة والجماعة في المسجد لمن يخشى على ماله الضياع أو السرقة وذكر صلى الله عليه وسلم أن من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد وأن دم من قتله دون ماله هدر.
3- نظرة الإسلام نحو كسب المال وتحصيله:
من المعلوم أن الإسلام وهو يعترف للمال بقيمته وأهميته في سبيل أداء حكمة الوجود في هذه الحياة فيقول صلى الله عليه وسلم: نعم المال الصالح للعبد الصالح فهو يدعو إلى السعي في تحصيله يقول تعالى: {وّآخّرٍونّ يّضًرٌبٍونّ فٌي الأّرًضٌ يّبًتّغٍونّ مٌن فّضًلٌ اللّه}.
فكل مال تم تحصيله من غير طريق مشروع فهو سحت وباطل ونار في بطون مكتسبيه. وهكذا فإن اكتساب المال مشروع ومرغوب في تحصيله إلا أنه يجب أن يكون اكتسابه خالياً من أي طريق تعسفي في اكتسابه.
4- نظرة الإسلام إلى المال هل هو غاية أو وسيلة؟
الواقع أن الإسلام ينظر إلى المال باعتباره وسيلة إلى تحقيق مرضاة الله بعبادته وتعظيمه وصرف المال في سبيل ذلك، حيث إن بعض العبادات مالية محضة كالزكوات والصدقات والنفقات والصلات والوقوف. وبعضها بدنية إلا أن المال عنصر أدائي في القيام بها كالحج والعمرة والجهاد في سبيل الله، ومما يؤكد ذلك أن مالك المال بعد وفاته تفنى ذمته المتمثلة في حياته في حقه في الإلزام والالتزام. ويفنى بفناء ذمته حقه في التملك حيث تنتقل ملكيته إلى الورثة، وإلى من أوصى لهم مما لا يتعارض مع مشروعية الوصية لا وصية لوارث. ولا وصية فيما زاد عن الثلث. فقد انتفت بوفاة مالك المال حاجته إليه فزال ملكه وانتقل إلى غيره.
5- نظرة الإسلام إلى تكدس الثروات في أيدي الملاك:
إن نظرة الإسلام إلى المال باعتباره وسيلة تقتضي تفتيت الثروات وتوزيعها بين أكبر عدد مستحق لها كي لا يكون دولة بين الأغنياء من المسلمين، وقد اتخذ الإسلام مجموعة من التشريعات في سبيل توزيع الثروات من ذلك الزكاة والصدقات والصلات والنفقات والوقوف والحض على الإهداء تهادوا تحابوا والعطايا والإنفاق في سبيل الله والصدقات الجارية والوصايا ثم بعد الممات توزيع الباقي من الأموال على الورثة كل حسب حصته واستحقاقه.
وقال الشيخ المنيع ان التأمين من المسائل المستجدة حيث لم يكن لفقهائنا السابقين ذكر له لعدم وجوده في عصورهم. ويذكر أن أول من ذكره من الفقهاء ابن عابدين - رحمه الله - وذلك حينما اتسعت التجارة بين الشرق والغرب، واضطر التجار إلى التأمين على نقل بضائعهم عبر البحر فسئل عنه رحمه الله فأجاب بجواب خلاصته الكراهة. و يظهر والله أعلم أن الفتوى لم تكن مبنية على تأصيل وتعليل بقدر ما كا نت مبنية على الانطباع العام والمفاجأة بعرضه.
اسبوع شيخ الإسلام ابن تيمية المنعقد في دمشق سنة 1362ه وقد حضره مجموعة من فقهاء العصر وعلمائه وقدمت فيه البحوث. وكان من أبرز المشاركين فيه الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله القائل بإباحته مطلقاً. وقد انتهى المؤتمر باختلاف المشاركين فيه ما بين مبيح مطلقاً، ومحرم مطلقاً. ومنههم من فصل في ذلك فأباح التأمين على الأموال ومنع التأمين على الحياة.
أعيد بحث الموضوع في مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة سنة 1365هـ واختلف المشاركون فيه في حكم جوازه أو منعه، وقد عرض في هذا المجمع مجموعة من البحوث ما بين مجيز ومحرم.
وقام الشيخ فرج السنهوري الأمين العام للمجمع بجمعها وقد كادت الآراء المختلفة فيه تتساوى من حيث القول بجوازه وتحريمه.
صدرت مجموعة بحوث وفتاوى من فقيه العصر الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله جمعها في مجموعة كتب انتهى بها إلى القول بجوازه وأول فتوى منه بذلك كانت قبل ستين عاماً فيما نعلم قدمها في أسبوع شيخ الإسلام ابن تيمية المنعقد في دمشق سنة 1362ه.
صدرت فتوى من شيخ الأزهر جاد الحق سنة 1390هـ بتحريم التأمين التجاري لما فيه من الربا والغرر والقمار.
عرض موضوع التأمين على مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة سنة 1397هـ وصدر به قرار المجلس بتقسيم التأمين إلى تأمين تعاوني مباح وتأمين تجاري محرم وذكر في القرار تعليل القول بإباحة التعاوني وتعليل القول بتحريم التجاري.
صدر قرار المؤتمر العالمي المنعقد في مكة المكرمة سنة 1386هـ بتحريم التأمين التجاري.
صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي سنة 1397هـ انتهج فيه المسلك الذي أخذ به مجلس هيئة كبار العلماء بإباحة التعاوني وتحريم التجاري.
صدر قرار مجمع الفقه الدولي بجدة سنة 1406هـ بمثل ما صدر به قرارا مجلس هيئة كبار العلماء ومجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي.
صدرت مجموعة من الفتاوى والقرارات من مجموعة من هيئات الرقابة الشرعية والفتوى لمجموعة من المؤسسات المالية الإسلامية وصدرت مجموعة بحوث من بعض فقهاء العصر بانتهاج المسلك الذي أخذ به مجلس هيئة كبار العلماء وأخذ به المجمعان المجمع الدولي ومجمع الرابطة بتقسيم التأمين إلى تعاوني مباح وتجاري محرم.
صدر قرار الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار سنة 1411 بجواز التأمين مطلقاً التأمين التعاوني والتأمين التجاري .
وأخيراً صدرت فتوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بتفسير قرار هيئة كبار العلماء فيما يتعلق بالتأمين التعاوني وأن المقصود به إيجاد جمعية تعاونية معروف أعضاؤها يقومون بجمع مال منهم يستثمر ويخرج منه ما تقتضيه الحوادث عليهم وأن التطبيق الحالي للتأمين التعاوني من قبل شركات التأمين التعاونية غير صحيح وأن هذه الشركات التعاونية تتفق مع شركات التأمين التجارية في العناصر الأساسية في التأمين فهي بذلك تتفق مع شركات التأمين التجارية في الحكم بالتحريم.
وتطرق الشيخ المنيع للتأمين التعاوني وقال:
لا شك أن التأمين التعاوني يعتمد في إجرائه وترتيب أحكامه على ذلك الإجراء على ما يعتمد عليه التأمين التجاري من إجراءات حيث إن التأمين مطلقاً يعتمد على خمس ركائز هي: المؤمن، المؤمن له، محل التأمين، القسط التأميني، التعويض في حال الاقتضاء.
ويذكر القائلون بالتفريق بين التأمين التجاري والتعاوني أن التأمين التعاوني يختلف عن التأمين التجاري في أن الفائض من التزامات صندوق التأمين التعاوني يعود إلى المشتركين فيه كل بحسب نسبة اشتراكه، وهذا أثر من آثار وصف هذا النوع من التأمين بالتعاوني فهو تعاون بين المشتركين فيه على رأب الصدوع وجبر المصائب، وما زاد عن ذلك رجع إليهم وما ظهر من عجز تعين عليهم سداده من أموالهم كل بقدر نسبة اشتراكه.
وأما التأمين التجاري فليس فيه هذا التوجه حيث يعتبر الفائض في صندوقه ربحاً لشركة التأمين التجارية وفي حال وجود عجز في هذا الصندوق فيعتبر خسارة على شركة التأمين التجارية الالتزام بتغطية هذا العجز من رأسمال الشركة أو من احتياطياتها حيث تعتبر هذه الخسارة ديناً على الشركة.
ومن هذا العرض يظهر أن دعوى اختلاف التأمين التعاوني عن التأمين التجاري في موضوع الفائض دعوى غير صحيحة، فالفائض في القسمين ربح والعجز في صندوق كل منهما خسارة. وسيأتي إن شاء الله مزيد إيضاح في أن التأمين التعاوني يتفق مع التأمين التجاري في ابتغاء الربح.
وبهذا يتضح أن التأمين التعاوني يتفق مع التأمين التجاري من حيث الإجراء التطبيقي في جميع المراحل التنفيذية وفي العناصر الأساسية وليس بينهما اختلاف يقتضي التفريق بينهما في الحكم إباحة وتحريماً فكلا القسمين يشتمل على خمسة شروط هي: المؤمن والمؤمن له ومحل العقد والقسط التأميني والتعويض في حال الاقتضاء. وأن الإلزام والالتزام فيهما يتم بإبرام عقد بين الطرفين المؤمن والمؤمن له يكون في العقد بيان أحوال التغطية ومقاديرها والالتزام بها بغض النظر عن ربح أو خسارة.
وقيل في توجيه التفريق بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري أن التأمين التجاري يشتمل على الربا والغرر الفاحش والقمار والجهالة، وأن التأمين التعاوني يخلو من ذلك حيث إنه ضرب من التعاون المشروع فهو تعاون على البر والتقوى. وأن القسط التأميني يدفعه المؤمن له للمؤمن على سبيل التبرع وأن التعويض في حال الاقتضاء يدفع من صندوق المشتركين وأنهم بحكم تعاونهم ملتزمون بالتعويضات سواء أوجد في الصندوق ما يفي بسدادها أم حصل في الصندوق عجز عن السداد فهم ملزمون بتغطيته من أموالهم كل بنسبة اشتراكه، وإذا وجد في الصندوق فائض تعين إرجاعه إليهم بخلاف التأمين التجاري فما في الصندوق من فائض يعتبر ربحاً لشركة التأمين التجارية فهي شركة ربحية قائمة على المتاجرة وطلب الربح لا على التعاون.
كما قيل: إن التأمين التجاري مبني على الربا والقمار والغرر والجهالة وأكل أموال الناس بالباطل بخلاف التأمين التعاوني فهو مبني على التبرع والتعاون المطلوب شرعاً وعلى المسامحة وانتفاء عنصر المعاوضة.
|