* لونارد - لندن:
تدل الوثائق والمخطوطات القديمة عن قدم نشأة الخط العربي الى الفترة التي تعود لقرون عديدة قبل ظهور الإسلام. ومنها ما تم العثور عليه في جنوب الجزيرة العربية واليمن بشكل خاص، كما ظهرت انماط اخرى متطورة للكتابة في المناطق الشمالية من الجزيرة العربية وبلاد الشام.
بيد ان اولى النماذج من الخطوط العربية التقليدية اول ما ظهرت في سوريا حيث عثر على رقش بالحروف العربية في منطقة النمارة يعود للعام 328 ميلادية وتحتوي احرفا عربية مكتوبة بالابجدية النبطية. فيما يعتقد البعض ان اقدم النماذج للكتابة العربية التي تم العثور عليها تعود للفترة ما بين 512 - 568 ميلادية وهي نقوش وجدت بالقرب من دمشق، ومكتوبة بثلاث لغات هي اليونانية والسيريانية والعربية.
ومع ظهور الإسلام ونزول القرآن الكريم باللغة العربية اكتسبت الكتابة والحروفية العربية اهمية خاصة ونشأت وترعرعت بشكل كبير. وفي بداية نزول القرآن الكريم كان العرب يعتمدون الحفظ والذاكرة بما عهد عنهم من قوة الذاكرة ولم تكن هناك حاجة للتدوين. الا ان الحاجة ظهرت لاحقا لحفظ نسخ من القرآن الكريم وتشكلت (كتبة الوحي) في عصر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. وهذه الكتابات كانت تدون كسور متفرقة وبخاصة ما كان منها ما يختص بالتشريع، ولم يتم جمعها في مصحف واحد الا متأخرا على عهد عثمان.
وقد امتازت الحروفية العربية في بادىء الامر بخلوها من التنقيط، اذ كانت عبارة عن حروف بسيطة التكوين تخلو من النقط بالشكل الذي نعرفه اليوم. ولم تظهر الحاجة للتنقيط الا زمن نصر بن عاصم، لظهور بعض الخلط في بعض الكلمات التي قد تغير المعنى أو المبنى للكلمة كالخلط الناتج بين كلمة (تبينوا) اذ يمكن ايضا قراءتها (تثبتوا) وهكذا. وقد ازدهرت الحروفية وصناعة الخط العربي ازدهارا كبيرا في العصرين الاموي والعباسي، بظهور العديد من الخطاطين المبدعين الذين طوروا الحروف وابدعوا في نسج ورقش لوحات وآيات بديعة من القرآن الكريم أو الحكم الانسانية. ومن هؤلاء الخطاطين الذين اسهموا في هذا التطور، ابن مقلة وابن البواب، وياقوت المستعصمي، وهم من ابرز رواد الخط العربي في العصر العباسي. ولم تكن اسهاماتهم تقتصر على تصوير شكل الحرف فحسب، انما يعزى اليهم الفضل في وضع قواعد للخط العربي، وايجاد النماذج السبعة الاساسية للخط: الرقعة والنسخ والديواني وجلي الديواني والثلث والفارسي والكوفي. ومن هذه النماذج السبعة اشتقت لاحقا انماط اخرى مثل الانواع العديدة للخط الكوفي كالكوفي الكورق والكوفي المغربي وغيرها.
وقد احترف الخط والحروفية العربية كمهنة العديد من الخطاطين والخطاطات على مر العصور الإسلامية وظهرت مدارس متعددة لتدريس قواعد الخط العربي منها المدرسة البغدادية والتي ابرزت رواد الخط العربي في النصف الثاني من القرن العشرين مثل مصطفى راقم وهاشم البغدادي.
اما المدرسة الاخرى فتمثلت في المدرسة التركية وابرز اعلامها حامد الآمدي. ويعتبر الخط العربي والحروفية ابرز ما ابدعته الحضارة العربية الإسلامية من فنون نظرية امتد تأثيرها للعمارة ولكافة انواع التشكيل الفني كالخزف والنسيج والنحاسيات والاعمال المعدنية وضرب النقود والاعمال الخشبية. ولا يكاد يخلو بيت في العالم العربي من هذا الفن الإسلامي الجميل الذي يشكل لوحات فنية في غاية الاتقان اضافة للمعاني البديعة التي تتضمنها المخطوطات الفنية من روائع الخط العربي الجميل الذي ينبغي ان نعتز به كتراث اصيل وأن يحظى الاقبال على تعلمه واتقانه بأهمية اكبر على مستوى الدولة والافراد.
|