لونارد - لندن:
اشتهرت المدرسة المستنصرية ببغداد كمعلم حضاري ومعماري وديني وتعليمي في آن واحد. وتعود المدرسة للفترة العباسية وسميت بهذا الاسم نسبة الى مؤسسها الخليفة العباسي المستنصر بالله الذي انشأها في الجانب الشرقي من بغداد على ضفة نهر دجلة. وقد بنيت عام 625 هجرية وتكامل بناؤها سنة 631 هـ (1334 ميلادية)، وشهد افتتاحها احتفالا لم تشهده المدينة حضره مختلف العلماء والقضاة والمشايخ والوعاظ والفقهاء وغيرهم. كما تم نقل آلاف الكتب النادرة الى المكتبة بالمدرسة، وتحتوي العلوم الدينية والادبية. وقد كانت المدرسة جامعة اسلامية كبرى شهدت تدريس علوم القرآن الكريم والفقه والحديث والعلوم المختلفة كالرياضيا والطب والفلك وعلوم اللغة. وتعتبر المدرسة اول جامعة اسلامية تدرس فيها فقه المذاهب الاربعة. وقد خصص احد الارباع لكل مذهب من المذاهب. وكذلك خصصت قاعة لتدريس القرآن والحديث، كذلك ايوان مدرسة الطب حيث كان يقيم الطبيب والعاملون معه بالاضافة الي صيدلية. اما المكتبة فقد ورد انها كانت تضم ثمانون الف مجلد. وقد زارها الرحالة ابن بطوطة في العام 727 هجرية (1327 ميلادية) فوصفها واهجبه بناؤها وطريقة التدريس بها.
اما تخطيط المدرسة فتتشكل من بناء مستطيل تتوسطه ساحة مستطيلة، ويبلغ طولها من الخارج حوالي 105 مترا، وعرضها 44 مترا شمالا و48 مترا جنوبا. اما ابعاد الساحة فتبلغ 62 مترا طولا و27 مترا عرضا. ويقع في الجزء الجنوبي للمخطط مجموعة من القاعات الكبيرة المتسعة التي خصصت للتدريس، والتي يتقدمها رواق يرتفع على اكثر من طابق. اما في الجهة الشمالية فتوجد مجموعة اقل عددا من القاعات المخصصة ايضا للتدريس. اما عدد الايوانات في المدرسة فيبلغ ثلاثة متشابهة احدها هو ايوان المدخل ويقع علي الضلع الطويل للمدرسة، ويقابل ايوان المدخل ايوانا خصص لدار القرآن والصلاة وهو اكبر الايوانات وتتجه استطالته باتجاه القبلة بما يناسب المسجد والصلاة باتجاه القبلة. كذلك تحتوي المدرسة على حجرات وغرف صغيرة تمتاز بانها تفتح للداخل باتجاه الساحة الداخلية. وتتجمع في اربع مجموعات وتوجد مجموعات مماثلة من الحجرات في الطابق الثاني للمدرسة، بيد انه في الطابق الثاني يتقدمها ممر مطل على الساحة.
وقد استعمل الطوب الاصفر متنوع الحجام والاشكال، وتمتاز الجدران الخارجية بانها ضخمة ومزينة بالزخارف وبخاصة في الجزء العلوي منها. ويلاحظ عدم وجود فتحات خارجية متسعة وذلك لمنع وصول الضوضاء الخارجية ولضمان السكون والهدوء للطلاب والمدرسين وبخاصة في الجزء المطل على نهر دجلة.
وتزخر المدرسة بالزخارف المتنوعة التي تبعث على الاعجاب بدقة ومهارة الفن الاسلامي والمعماري بها، كما تدل علي تطور فن الزخرفة في تلك الفترة من حيث تطور الاشكال الزخرفية وتنوعها. وجميع الزخارف مصنوعة من الطوب وهو نفس المادة المستعملة في البناء ايضا. والزخارف الهندسية المستعملة تعتمد في اساس تكوينها على الدائرة واقطارها والخطوط المنبعثة من مراكزها والتي تؤلف من تقاطعها وتداخلها اطباقا نجمية ومضلعات هندسية يعتقد انها في قمة التطور في فن الزخرفة في الفترة العباسية. وتشتمل هذه الزخارف على تشكيلات نباتية داخل مساحات هندسية كالنجوم والمضلعات. وتعد الزخارف بحق عملا فنيا بديعا يسهد بروعة فن المعمار بالمدرسة عدا عن تخطيطها المتميز. وبذا تضيف عمارة المدرسة المستنصرية الى فن المعمار العربي الاسلامي شاهدا ورمزا على روعة التراث من ناحية، وعلى تكامل العلم والبناء لتأسيس جامعات اسلامية عريقة انارت العالم القديم علما وحضارة.
|