تقف فاطمة في نافذة بيتها لتنظر إلى المارة، تحتشد وفود من الرجال أمام باب بيتها ذكرتها بالحشد الذي زفها زوجة وحبيبة الكل يرقص ويزغرد وصوت المدافع والرشاشات يخالط صوت الفرح تتذكر جيداً عندما همس لها زوجها بأول كلماته قائلاً: «الكل هنا لا يخشى صوت الرصاص ولا رائحة البارود ولا طعم الموت.. فرائحة الموت هنا تشبه رائحة المسك والبخور وطعم الموت بارد كماء الحياة يصب على الرؤوس، هنا الموت مختلف كما للحياة طعم آخر» كانت عروساً بطعم الفرح وليس بالثوب الأبيض وباقات الزهور.. لم تعرف ما هو شهر العسل ولم تسافر خارج حدود بلدها. فهي ليست كغيرها من الفتيات ترفل في ثوب المتعة المطلقة وتحضر الأفراح الباهظة التكاليف. بل كانت فتاة بسيطة تسكن في مدينة تسمى الخليل في دولة فلسطين العربية ولكن هناك من يحاول مسح عروبتها وتهجين أصلها.. لذا ولدت في أذنيها صوت الرصاص وهتافات الله أكبر تملأ أركان قلبها وروحها على كفيها فليست تطمع بالبقاء ليسلب منها إيمانها ومن ثم عروبتها فقد قال لها زوجها إن طعم الموت هنا مختلف.. نعم إنها تبحث عن الشهادة عن حياة دائمة باقية ما بقي في قلبها الصغير صوت حق يصرخ في وجه المحتلين «إنها بلدي أول قبلة للمسلمين بلد عربي وسيظل ما ظل طفل يرمي بالحجر وما ظل شاب يبحث عن الشهادة وما ظلت امرأة تدفع بأطفالها فلذات كبدها إلى ساحة المعركة وتحتسب أجرها عند بارئها» حين يكون زوجها بين يديها تكون ليلى التي تبحث في نفسه عن قيس عن الشعر وترتيلات الحب عن زوجة تستلذ بقرب زوجها وعندما يهم بالمغادرة تكون الخنساء التي قدمت أربعة من الأبناء شهداء لتفرح بموتهم وتتمنى لقاءهم في جنة الخلد.. حينما كانت تجالس زوجها في الشرفة المطلة على غابات الزيتون في «تل الرميدة» قال لها: «يا فاطمة ان مدينتي ليست ككل المدن نغسل شوارعها بدماء أبنائنا ونسقي أشجار الزيتون بدموع أمهاتنا وزوجاتنا فتطرح لنا أشجارها حجارة من نار تصب على أعدائنا لتحرق الظلم والعدوان». فاطمة امرأة ليست ككل النساء تحمل بين جوانحها صورة امرأة عاشقة لا يفتر لسانها عن ذكر محاسن زوجها هو روحها وقلبها وفجرها هو العين التي تنظر بها والشمس التي تشرق على بستانها هي قطعة زبدة تذوب بين يديه هي كأس عسل لزوجها من أين غمس يجد اللذة والحب والحياة وتحمل في صدرها صورة امرأة قوية لا تخشى أحداً، تعرف ان ضعفها هو سر قوتها وانها ولدت لتكون مجاهدة وزوجة مقاتلة وأم لشهيد، لذا عندما كانت بين يديه في تلك الليلة لتزف له خبر حملها وانها ستكون أماً في غضون شهور أخبرها ان ابن عمه استشهد اليوم فتغير لون وجهها وخنقتها العبرة كيف تفرح بمولودها وهناك من يبكي ابنه فضمها إلى صدره بقوة وقال لها: «في كل يوم تزف لنا مدافعهم رجلا شهيدا وترد عليهم أرحام النساء بعشرات المواليد هم يقدمون لنا أروقة الجنة وأوسمة الفارس الجسور لنزين بها صدور نسائنا ونحن نقدم لهم في اليوم مئات الرجال والملايين من الحجارة التي تلهب اجسادهم» جلست فاطمة قرب الفرن لتخبز العجين الذي صنعته منذ ساعة لتطعم أهل بيتها وجيرانها فقد اعتادت في كل يوم ان تحمل هي وجارتها بعض الطعام وبعض الصفحات من القرآن التي تتوفر لهن، فالغربة ليست غربة البدن بل غربة الروح عن إيمانها تظل فاطمة يومها بين عمل ومواساة الأسر التي زفت شهيداً أو اعتقل أحد أفرادها بتهمة باطلة يومها حافل بالجهد والعمل وليلها حافل بالانتظار لعودة زوجها فتكون حمامة سلام بيضاء تحمل بيدها الدواء ليومه المتعب فقد ملأت جعبتها بكل ما هو مثير ومريح لتحكيه لحبيبها لتسلي خاطره وتطلب رضاه.. أخبرها يوماً عن المحتلين عندما جاءوا يحملون أسلحتهم وأوسمة باهتة تميز مراتبهم ليحتلوا بعض أراضي الزيتون وكيف وقف هو وأصدقاؤه في وجه الطغاة وأمطروهم بالحجارة. تذكر جيداً كيف يحكي هذه الحادثة وهو يضحك ويقول لها: «إنهم يهربون كالفئران الخائفة يجرون وسط الطرقات يحملون بنادقهم في أيديهم وحجارتنا تنصب عليهم كوابل من نار»، شعرت بالألم يعتصر قلبها فكيف لو فقدت حبيبها في هذه اللحظة ماذا ستفعل؟؟ وكيف تواجه الدنيا وهي فقدت قلبها وأصبحت امرأة ثكلى لا تعرف معنى الحياة وأعدائها يعبثون بأرواح أبنائها. قال لها ضاحكاً: «يا عزيزتي لا تخشي أحداً فالموت في ديننا يعني الشهادة أي البقاء أحياء نرزق عند بارئنا والموت في دينهم يعني الفناء أي جثث عفنة لا تغسلها يد الرحمة ولا تدفنها يد الغفران.. نحن نسعى للموت ولا نريد غيره وهم يهربون من الموت ويريدون الحياة».. تلك الحشود أمام فاطمة تذكرها بطعم الفرح في مدينتها مولد ابنتها الصغيرة «غدير» الذي مزج صوت صغيرتها بصوت البنادق والرصاص وطعم الفرح الذي لا يكدره أصوات أقدامهم وهم يقتحمون المنازل ويعتقلون الرجال والنساء.. ولا تثيره تهديداتهم ولا صوت دباباتهم القوي فقلبها مليء بصوت الحق والقرآن لا يهتز بأصواتهم ولا صوت أقدامهم الغليظة.. لتجد نفسها تصرخ «أيها البغاة المتكبرون قدموا لنا الشهادة لنقدم لكم الأبناء.. أحرقونا بصوت مدافعكم.. لنحرقكم بلهيب الحجار.. وعذبونا في معتقلاتكم.. لنعذبكم بطعم البقاء.. افعلوا ما شئتم فإننا بإذن الله صابرون».. تمر السنون وزادنا دم الشهيد ولباسنا ولادة الصغير نحن نزرع وهم يحصدون وهاهم اليوم يحصدون أرض فاطمة فيبقونها جرداء خالية إلا من وقع أقدامهم وآثار الدماء.. تتسابق الذكريات في مخيلة فاطمة وتختلط الأصوات صوت الشهادة وصوت التكبير وصوت المدافع والرصاص وصوت الحجارة التي يحملها زوجها يرمي بها تلك الوجوه الغريبة التي امطرتهم برصاص الظلم ليسقط زوجها جريحاً تحمله يد الرفقاء فلن يتركوه بين أيديهم حتى لو كان جثة هامدة فهم لا يعرفون معنى الإنسانية ولا معنى السلام ليصل إلى منزلها مودعاً ودماؤه تعطر مدينة الخليل برائحة الشهداء التي لن تتوقف وتظل ما ظل العدوان.. يخرج الحشد من منزلها حاملاً فوق أكتافه نعش الحبيب وجسد الشهيد.. تتسابق الذكريات تختلط المشاعر داخلها لم تعد تتحمل فها هي قد فقدت زوجها وحبيبها ونصف عقلها والطغاة يروحون ويجيئون أمام عينيها.
أغلقت فاطمة نافذتها وهي تجهش بالبكاء، وكانت دموعها تتساقط سيلاً منهمراً.. داهمتها ذكريات الأمس القريب حين كانت تجلس معه في الشرفة المطلة على غابات الزيتون في «تل الرميدة» في مدينة الخليل تصغي بنشوة فائقة إلى ما يفضي به صوته الهادئ عن أحلامه الوردية محلقاً بخياله في فضاء الأمنيات، وكانت طفلتهما غدير بضفائرها المستلقية ببراءة على كتفها تعبث بلعبتها، تلك العروس الشمعية ذات الشعر الأشقر، سعيدة بما تنطق به آلة التسجيل في داخلها من بكاء طفولي تارة وقهقهة تنم عن فرح بريء تارة أخرى.
ولم يكن من الممكن وهي في حالة من الذهول التام ان تصدق ان ما رأته هو نعش زوجها محمولاً على أكف رفاقه في ذلك الموكب المهيب، وهو الذي كان يحلم برؤية الخليل خالية من تلك السحن الغريبة.
كانت الجماهير الغاضبة تنادي بالثأر وتموج بالثورة حين رشقها أصحاب الوجوه المصطنعة بحمرة الشر بزخات من الرصاص، ولكن المسيرة لم تتفرق أو تتوقف في الوقت الذي كان فيه نباح الكلاب يتعالى.
|