يرتبط المشروع الثقافي ولاسيما الأدبي منه بقدرة العقل الفذة على استنهاض صورة المنجز الإبداعي وأثره في بناء علاقة قوية وفاعلة مع المتلقي الذي ينتظر ثمار هذه المزاوجة بين استنارة الفكر وتجليات الكاتب لتتلازم في هذا السياق رؤيتا المفكر والمبدع حول كنه هذه المشروعات الكتابية..
ويظل المشروع الثقافي ومنذ نشأته كمفهوم شامل محافظاً على وئامه مع هذه المعطيات ليتشكل وفق هذه «الانثيالات» التي يشرق فيها المبدع سواء كان شاعراً أو روائياً أو كاتب مقالة؛ فمع استمراره في بناء هذا الخطاب الإنساني يظل الانتاج مرهوناً بما يقدمه العقل من فكر ليبنى في هذه الأثناء صيغة ثقافية تجسد واقعها وتحدد كنهها المعرفي.
وتنشط وسط حالة هذا البناء للمعرفة خطابات متعددة يتمثل أبرزها في تحديد معالم الانتاج الأدبي وهويته، ومرحلته التاريخية وبيئته وأبرز رموزه ومصادر طرحه وتقديمه.
لنأخذ أهم هذه الخطابات التي تفرزها مرحلة بناء المنجز الأدبي وربما أبرز مايرد على الذهن من هذه القائمة هو (الخطاب العقلي) ذلك الذي يعد المصدر الأهم في تقديم الثقافة كمنجز أدبي قد تأتي على هيئة قصيدة أو قصة أو مقالة.
قد يتجاوز (الخطاب العقلي) في النص حدوده ومراميه وفق مايقدمه هؤلاء المنظرون الذي يشغلون ذواته ويعملون أدواتهم في أي نص لينهض في هذا السياق الخطاب تلو الآخر لتتوافد على الذهن خطابات تعقلن أي مشروع أدبي فتخلق منه مادة هلامية فضفاضة قد تفقده جمالياته التي حاول الأديب ان يجعلها في تناول المتلقي.
فهذه الخطابات العقلية التي يمرر العمل الأدبي من خلالها قد تكون أداة طبيعية في متناول النقد لتسهم هذه المبالغة في استحضار هذه الخطابات في تعميق الهوة بين النص والقارئ على غرار ما حصل لقصيدة النثر على مدى ثلاثة عقود ماضية؛ فعقلنة أي مشروع ثقافي قد تجعل منه مادة جامدة لاتتحرك نحو المتلقي إلا ان يدفعها هذا الناقد أو ذاك لأن المنتج الأدبي كما هو مألوف ومتفق عليه - في الذائقة - هو وليد عاطفة وتأثير آني لروعة اللحظة وفجائية اللمحة الأولى لأي مشهد يلفت انتباه المبدع ولاسيما الشاعر الذي يتأثر كثيرا بهذه الصور المتواثبة أمام الذهن في وقت يحافظ فيه المشروع السردي على تفاعله مع هذه المؤثرات وفق رؤى الكاتب الذي ينجح كثيراً في تسجيل موقفه الفكري بطريقة مميزة تأخذ من هذه الخطابات العقلية متعة التأمل والتأصيل لِكُنْهِ هذه الحكاية أو تلك.
إذن خطابات العقلنة قابلة للتزايد حتى تصبح مقطوعة الشعر مثلا وعاءً يفيض نقداً بعد آخر.. لتفسد الذائقة باسم (عقلنة الخطاب الشعري)، الذي ينتظر الخلاص من هذا المأزق.
|