أزاحتْ ستارَ اللَّيلِ عن واهج البَدْرِ
ونحنُ نجوبُ الغَيمَ في رحلةِ العُمْرِ
على مَتْنِ «بوينج» المُهَابَةِ صُدفةً
تَلاَقَتْ عيونٌ في اللُّقا لم تَكُنْ تدري
كذلكَ لَمْ يَدْرِ الغريبُ بأنَّهُ
سيهربُ من أَسْرٍ وَيَأتي إلى أسْرِ
رمتني بسهمٍ منْ عَتَادِ عُيونِها
فأزْعجَها أنِّي أدَرْتُ لَهُ ظهري
وَثنَّتْ بسهمٍ غاضبٍ يحملُ الرَّدى
يَهُدُّ شعوباً كيف يَعْجَزُ عن كسري؟
فبادلتُها رَمْيَ السِّهام بضِحْكَةٍ
وهل يَقْتُلُ الحَسْناءَ أقوى من الصَّبرِ؟
دَنَتْ غَضَباً حتى تَيَّقنْتُ أنَّني
سأُفتنُ بين السِّحرِ أو رَوعةِ المكرِ
فما هي إلا النورُ ويحَ ابتسامها
كأنَّ به إطلالةَ الشمسِ في الفجرِ
إذا غَضِبَ الإنسانُ يظهرُ قُبْحُهُ
ولكنَّها ازدادت من الحُسْنِ والعِطْرِ
تفوحُ كأنَّ الوردَ مِنْ روضِ ثَغْرِها
فلم أرَ منها غيرَ حَتْفٍ بذي الثَّغْرِ
«أَفِقْ أيُّها المغرورُ» قالتْ ولمْ أزَلْ
أُردِّدُها في كُلِّ مُنْتَصَفِ الشَّهْرِ
هَمَسْتُ لها خوفاً عليها فما أنا
بتابِعها حتَّى أخافَ مِنَ الزَّجْرِ
على رِسْلكِ يا طفلةَ البوحِ وامْسِكي
زنابقَ وردٍ واحفظيها مِنَ البَحْرِ
فما أنا مغرورٌ وليسَ خَليقَتي
بِتَحْطِيمِ دُرّ فوق قَلْبِ مِنَ الصَّخْرِ
بِكِ الحُسنُ كلُّ الحُسنِ والسَّهمُ صَائِبٌ
ولكنَّني مِنْ غَيْرِ ظَهْرٍ ولا صَدْرِ
أنا كُتْلَةٌ ممزوجةٌ بهمومِها
فلا العشقُ يُغريني ولا ضِحكةُ الخِدرِ
أنا لستُ مَنْ تَبْغِينَ يا قَطْرَةَ النَّدى
فَهَمِّي كبيرٌ نَحْوَهُ طارَ بي شِعْرِي
أنا شاعرٌ يحتلُّه الهَمُّ كُلَّهُ
إلى أمَّةِ الإسلامِ سَلَّمْتُها أمرِي
فما عُدْتُ صبَّاً بالغرامِ مُتَيَّماً
ولستُ بمدفوعٍ إلى حُبِّكِ الُعذري
تُؤرِّقُني الأحزانُ مِنْ أُمَّةٍ هَوَتْ
مِنَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ خَرَّتْ إلى القَعْرِ
فَكُنَّا وكانَ الأمسُ يشهدُ مَجْدَنا
ولكنَّ «كُنَّا» لَنْ تقودَ إلى النَّصْرِ
شَبِعْنا من الماضي نُعيدُ فُصُولَهُ
وَحَاضِرُنا يَزْدادُ قُرْباً إلى القَبْرِ
فها هو هَمِّي يا «...» يَهُزُّني
أَتدرينَ يا حسناءُ عَنْ صِبْيَةِ الفَقْرِ؟
صغارٍ يَمُصُّون التراب تشبُّثاً
بآخرِ أنفاسٍ فوا حُرقةَ القَهْرِ!
أتدرين يا حسناءُ أنَّ ديارنا
غدتْ كفمِ التَّنُّورِ من هائلِ الحرِّ
خُذي مثلاً ما يفعلون بأرضِنا
يهودٌ طغاةٌ سَادةُ الفُحْشِ والكُفْرِ
تَنَاثَرَتِ الأشلاءُ في كُلِّ موقعٍ
مئاتٌ من الأطفالِ في ضربةِ الغَدْرِ
هي الحربُ لكنْ لا نريدُ افتراضَها
وسيلُ دِمانا بين أعيننا يجري
هي الحربُ لا زلنا نهابُ طُبولَها
وقدْ دقَّها شارونُ في صادحِ الجَهْرِ
فيا أمّةَ الإسلامِ أنَّى نَظْرتُكِ
وجَدْتُكِ كالمطعونِ في ساحة الذُّعرِ
يُمزِّقُه سيفُ المنونِ فلا يرى
سوى زمرةٍ جاءته من جائعِ النَّسْرِ
فيا حُلْوةَ العينينِ إنَّ مشاعري
هنا وهنا فلْتَقْبلي صادقَ العذرِ
ولا تذرفي دمعاً فإنَّ دموعَكِ
أحقُّ بها غيري وأبصُمُ بالعشرِ
أحقُّ بها من فَجَّرَ النفسَ فِدْيةً
لينتصرَ الإسلامُ في قوةِ الظَّفْرِ
دَعِيْنَا بِحَقّ اللهِ نبكي فراقَهُ
فَدَمْعٌ على غيرِ الشهيدِ منَ الهَدْرِ