عرضت إحدى الصحف اليومية يوم الجمعة الموافق 28/6/1423هـ تصريحاً نارياً لسعادة وكيل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لشؤون العمل الأستاذ أحمد المنصور نفى من خلاله وجود بطالة في المملكة العربية السعودية وفقاً للتعريف الدولي للبطالة.
وأشار إلى أن السبب وراء بقاء بعض الشباب عاطلاً عن العمل يعود إلى رغبتهم في العمل بالقرب من مواقع سكنهم أو إلى رغبتهم في العمل في القطاع الحكومي، ولعلي في البداية أقف وقفتين تجاه هذا النوع من التصريحات، الأولى أن سعادته لم يقصد بهذا التصريح نفي وجود بطالة بين أبنائنا وبناتنا ولكنه أراد أن يقول كيف يمكن لنا أن نقبل بوجود بطالة في الوقت الذي يوجد بين ظهرانينا حوالي سبعة ملايين عامل أجنبي. الثانية أنه بالفعل أراد أن ينفي وجود البطالة لكونه في حالة اعترافه بوجودها يحمل نفسه مسؤولية تصحيح الأوضاع خاصة وأنه يقف في موقع المسؤولية المباشرة. وعلى الرغم من شعوري بأنه ربما بالفعل أراد الأولى، إلا أنني لم أجد بداً من الوفاء بالتزامي الأدبي تجاه تساؤل أحد المواطنين الذين يعانون من البطالة وويلاتها عندما طلب مني سرعة الرد على هذا التصريح الاستفزازي حسبما يعتقد لشعوره بأن بعض المسؤولين يحاول تحميل الضحية مسؤولية كونها ضحية حتي لا تقوده معطيات الواقع للتعامل مع الأسباب الفعلية والهيكلية للمشكلة موضوع النقاش، فإذا جاز لي أن استعير هذه المساحة لمحاورة أستاذي الأستاذ أحمد المنصور، فإن من المنطقي أن أبدأ أولاً بالتعريف الدولي للبطالة الذي زعم سعادته بأنه لا يصدق في حق العاطلين عن العمل لدينا، فالبطالة وفقاً لنصوص الأمم المتحدة تعرف بأنها الحالة التي يكون فيها من هو في سن العمل يرغب في العمل مقابل الأجر الشايع في السوق والمدفوع لمن هو مثله من حيث الكفاءة والمهارة ولكن لا يستطيع الحصول على عمل.
وإذا نظرنا إلى واقع الكثير من العاطلين عن العمل من السعوديين نجد أنهم يرغبون في العمل مقابل الأجر المدفوع لمن هو مثلهم من حيث الكفاءة والمهارة ولكن لا يستطيعون الحصول على عمل مما يعني أنهم يعانون من البطالة المفتوحة وليست الاختيارية كما أشار سعادته ولكن السؤال المهم هنا ما هو الأجر الشايع في السوق؟ هل هو الأجر المدفوع للعامل الأجنبي القادم من مجتمعات ذات مستويات معيشية منخفضة؟ وهل هو الأجر الذي يفترض أن يكون سائداً في سوق العمل السعودي في حالة تطبيق المادة الرئيسية من نظام العمل والعمال التي تنص على أن العمل حق مشروع للمواطن السعودي؟ إذا كان سعادة وكيل وزارة العمل يعني بالأجر ذلك الأجر المدفوع للعامل الأجنبي، فإنه في الواقع يخالف مضمون تعريف البطالة المتفق عليها دوليا لكونه ببساطة يريد تحويل سوق العمل السعودي إلى سوق عمل دولى تحت متغيرات تحددها معطيات دولية خارج إطار الاقتصاد السعودي، فعندما يطالب سعادته طالب العمل السعودي بقبول الأجر المدفوع للعامل الأجنبي فهو بذلك ينفي الميزة النسبية التي يمنحها الوطن لأبنائه ويقر بما يخالف أحكام مواد نظام العمل والعمال الصادر في عام 1389هـ. أما إذا كان يقصد بالأجر ذلك الأجر الذي يجب أن يتحدد وفقاً لمعطيات سوق العمل السعودي بمعزل عن مؤثرات العشوائية السائدة في هذه السوق، فإنه بالضرورة يعني الأسباب الرئيسية التي حولت سوق العمل السعودي إلى سوق مفتوحة لا تتمتع بمصداقية وواقعية ولا تحتكم على قوى السوق التي يجب أن تسود وبالتالي فإنه بدلاً من نفي البطالة مطالب هو وزملاؤه في وزارة العمل بالعمل على تصحيح الأوضاع حتى يصبح السعودي يتنافس مع السعودي وليس مع الأجنبي وحتى تصبح السوق السعودية خالصة لأبناء الوطن كما هو الحال في معظم دول العالم. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن نظام العمل والعمال الذي صدر عام 1389هـ قد أكد على استخدام العمالة الأجنبية ليس سوى حالة استثنائية يقدرها وزير العمل وتنتهي بانتهاء الحاجة إليها، وهذا يعني عدم صحة اعتبار الحالة الاستثنائية حالة دائمة وعدم صحة الاحتكام إلى معطياتها باعتبارها معطيات هيكلية ملازمة لواقع سوق العمل السعودية، فإذا كان ذلك صحيحاً فإنني أستأذن سعادته بطرح التساؤل التالي: لماذا نطالب نحن فقط بمنافسة الأجانب على أرضنا وفي وطننا بينما تحرص كل دول العالم علي حماية مواطنيها من مزاحمة العمالة الأجنبية؟ اعتقد أننا مطالبون بدلاً من أن نحمل الضحية مسؤولية كونها ضحية بالعمل على تنظيم سوق العمل من خلال تطبيق الأنظمة والقرارات والتوصيات التي ظلت معطلة على علم ويقين من كافة الجهات المعنية.
والله أعلم.
* أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية |