من البديهي ان ينتهي كل ملتقى أو مؤتمر أو اجتماع بتوصيات، ومن البديهي أيضاً ان تتشكل لجان لصياغة التوصيات، ومن البديهي ان نرى الاشادات قبل وبعد صدور التوصيات، ومن البديهي ان تسمع بعد مدة ان التوصيات لم تكن إلا حبراً على ورق، أما الاستثناء فهو عندما يكون الأمر مغايراً، بمعنى ان تكون التوصيات بحد ذاتها فعلاً وحركة للأمام، وان تكون جهات صياغتها هي أدوات للفعل، وان تكون الاشادة بها هي اشادة بما أنجز وليس بالأحلام، وعندما تتحول التوصيات من واقع الكلمات إلى واقع الفعل، وهذا كله ما حققه ملتقى الخير، ملتقى خادم الحرمين الشريفين الإسلامي الثقافي السادس الذي أتم أعماله المباركة يوم أمس الاثنين وتوجها بتوصيات خرجت عن المألوف لتستقر في ذاكرة التاريخ كفعل مؤثر في حاضر ومستقبل الأمة.
لقد كان المؤتمر استثنائياً بوقته وشكله ومضمونه والمأمول منه ومكانه وأعماله ولذلك لا نستغرب ان تأتي التوصيات على هذا الحجم من الخصوصية والتميز والنقاء والانتقاء والوجه المشرق الناصع، لقد كانت كبيرة كبر الحلم الذي بنيناها عليها، ومفيدة بقدر المتوقع منها وأكثر.
إن الفائدة الكبرى من ذلك الملتقى هو الملتقى بحد ذاته، فاجتماع للأمة على هذا المستوى وبذلك المكان هو خبر بحد ذاته، هو نفع للأمة كلها، شرقها وغربها، صغيرها وكبيرها، واجتماع كهذا لم يأت من فراغ، ولم يبن على فراغ، ولم يسعى لفراغ، بل كله ثمار بثمار، ولذلك لابد للخير ان يعم الحاضرين انفسهم ومجتمعاتهم من خلفهم، وحتى عموم البشرية لأن السعادة التي يسعى إليها الفعل الإسلامي لا تستثني أحداً.
لقد كان الملتقى الأول من نوعه على هذا المستوى والترتيب والتنظيم، وبطبيعة الحال هو الأول في افريقيا وتحديداً جنوب افريقيا ذلك البلد الرائع الذي أعطى الأقلية المسلمة فيها حقوقها غير منقوصة، فكان العدل والانصاف، وكانت السعادة للجميع.
لقد كانت النتائج كبيرة والثمار بدأ ينعها قبل انتهاء الملتقى، ففي الملتقى حدث تبادل للخبرات كبير، وتدارس الملتقون المعارف المختلفة ليمزجوها ويأخذوا عصارتها نفعاً للأمة ككل.
إن تركيز الملتقى على ضرورة الاسهام الجاد والمتواصل في حل المشكلات التي تواجه الأمة حاضرها ومستقبلها سواء في البلاد الإسلامية أو مجتمعات الأقليات ليأتي على المستوى المنتظر والمطلوب، فالتهديدات كبيرة والأخطار المحدقة هائلة، والعيون الغادرة التي تتربص بالأمة كثيرة، ودور الأمة مطلوب، والملتقى هو تجسيد لهذا الدور الأساسي والحيوي، أما العمل على صعيد تصحيح صورة الإسلام بأعين المسلمين وغير المسلمين، والعمل على تقديم الحالة الإسلامية بصورتها النقية الوسطية الحقيقية «المعتدلة» للعالم أجمع، تلك الصورة التي تحمل في طياتها كل السعادة والخير للجميع، فإن ذلك كان من أكبر أعمال وأدوار الملتقى، حيث تم التركيز على دور المؤسسات الإسلامية في هذا المجال الحيوي، وعلى ضرورة حث الجهود وتكثيفها وتركيزها على هذه النقطة، مع تحقيق التواصل والاستمرارية لما فيها منفعة الأمة، وبنفس الوقت التركيز على أهمية الإنسان المسلم نفسه فإصلاح النفس هو البداية لتحقيق الصورة النقية التي لا تشوبها شائبة في أعين الجميع.
إن العمل الجاد والمستمر لنشر الدعوة الإسلامية، دعوة الفطرة ودعوة الخير لتحقيق السعادة لجميع بني البشر كان له نصيبه من التوصيات التي أكدت على ان الدعوة هي ذروة العمل الإسلامي، وللدعوة سبلها وطرقها المعروفة شرعاً، وأساسها الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.
لقد أكدت التوصيات على ان الإسلام دين محبة وسلام ووفاء واخاء واخلاص وأمانة وصدق وتسامح وقلوب صافية نقية مليئة بالحب لكل ما فيه سعادة الإنسان ويتمثل ذلك بأهمية العناية بإظهار أحكام الإسلام في تحريم العدوان وتجريمه لإظهار عدالة الإسلام وبيان صيانته للنفوس المعصومة والممتلكات، وايضاح احكام الإسلام في التعامل مع أهل الديانات الأخرى، وتلك التوصية المهمة ينبغي تفعيلها من قبل المؤسسات الإسلامية والإعلامية على حد سواء في تناولها وايصالها بشتى الوسائل إلى عامة الناس من المسلمين وغيرهم.
إن الإسلام هو النابذ الأول للعنف ولكل عمل ارهابي كائناً من كان خلف هذا العمل، فالإرهاب هو عدو حقيقي للإسلام والمسلمين، والأمة جمعاء وهي ضحية من ضحايا الارهاب، لا بل هي أكبر ضحية عرفها التاريخ لهذا الارهاب، ان العنف والتطرف مناف للأخلاقية الإسلامية والروح الإسلامية والحياة الإسلامية.
لقد أكد الملتقى على الظلم الحاصل على الأمة بلا مبرر، وعلى الحقد الذي تتعرض له الأمة، وان هذا يضر بمصلحة كل البشر ولا يولد إلا الأحقاد والضغائن، وقد مد الملتقى يد التعاون والمحبة للجميع من أجل بناء عالم متضامن متكامل متعاون متحاب، عالم تسوده الفطرة السوية بعيداً عن كل الشوائب.
ومن جملة التوصيات التي خرج بها الملتقى أيضاً التوكيد على مكانة الفتوى في الإسلام، بل التوكيد على خطر التساهل فيها والتحذير من تكفير المسلمين دون وجه حق وبرهان وحجة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر في غاية الأهمية في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتاوى وتعدد المفتين بدون وجه حق، ودون الرجوع إلى أهل الفتوى المعنيين واستغل أهل الأهواء والضلالات الأحداث الجارية في العالم الآن وأظهروا فتاويهم وخطبهم البعيدة كل البعد عن التأصيل الشرعي والمليئة بالأخطاء والمخالفات.
إن الملتقى بتوصياته الكثيرة حرص كل الحرص أيضاً على الالتزام بمصادر التلقي الصحيحة والتأصيل الشرعي للمنهاج الدعوي، وهذه مسؤولية المؤسسات أياً كانت في تبصير وتوجيه دعاتها ووعاظها في تلك المسائل المهمة.
وبعد يمكننا القول ان الملتقى عرف النقطة الأساسية في العمل التوصوي ألا وهي تحقيق آليات للتنفيذ والمتابعة، وهذا بحد ذاته إنجاز، وتتابع الملتقيات على الخير مستمر بإذن الله، وما النصر إلا من عند الله، والله ولي التوفيق.
|