ما كان حديثي عن الخيل والفروسية لتزجية الفراغ والتسلية، ولكني أتغيا منه تنشيط الذاكرة العربية واعلاء درجة اهتمامها بالجواد العربي، الذي لا يدانيه في مجالات الجمال والسرعة والشجاعة والوفاء نسل آخر، لا على سبيل الادعاء بل هي حقيقة يجمع عليها كل المشتغلين بدراسات الخيل ومعظمهم من الغرب لا من العرب.
لقد كان الجواد العربي - كما أسلفت - في مقدمة ما يفخر به العربي ويعتز.
والشواهد على ذلك كثيرة منها ما أورده ابن الكلبي في «أنساب الخيل» أن الحارث بن عُباد لما قال:
قربا مربط «النعامة» مني لفحت حرب وائل عن حيال! |
رد عليها مهلهل بن ربيعة التغلبي يقول:
اركب «نعامة» إني راكب «السليس» والنعامة والسليس فرساهما.
وأورد الجاحظ في «الحيوان» ان نبي الله موسى سأل الخضر - عليهما السلام- عن أحب الدواب إليه، فذكر الجياد في مقدمة ما ذكر، وعلل ذلك بأنها مراكب الأنبياء.
ولما انهزم كسرى «يوم النهروان» انقذه حسان بن حنظلة الطائي وفي ذلك قوله:
تلافيت كسرى أن يضام ولم أكن لأتركه في الخيل يعثر راجلا! بذلت له صدر «الضبيب» وقد بدت مسومة من خيل ترك وكابلا |
و«الضبيب» فرس حسان وكابل عاصمة أفغانستان الحالية.
وبلغ من عناية العربي وشغفه بالخيل ما أورده ابن الكلبي من زعم بأن الأعاجم لما قطعوا الجسر على نهر القادسية صاح بكير بن عبدالله بن الشراخ الليثي بفرسه وقال: وثبا اطلال» فاجتمعت فرسه ثم وثبت فإذا هي وراء النهر وعرضه آنذاك نحو أربعين ذراعاً. قال الأعاجم: هذا أمر من السماء فانهزموا وقد استشهد بكير على فرسه هذه بعد ذلك في «أذربيجان» فقال صاحبه الشماخ يرثيه:
وذكرني أهل القوادس أنني رأيت رجالا واجمين بأجمال لقد غاب من خيل بموقان أحجمت بكير بن عبدالله فارس أطلال |
وموقان - كما يقول ياقوت- ولاية بأذربيجان.
وحين نأخذ بأوثق الأبحاث، نجد أن منشأ الجواد العربي كان هنا في الجزيرة العربية، ومنها انتقل إلى الغرب والشرق.. نقله الفينيقيون تجارة، ثم قبيلة بني هلال حين نزحت إلى أفريقيا قبل نحو أربعين قرنا، ثم عِبر الفتوحات الإسلامية إلى إيران وآسيا الصغرى وإسبانيا وفرنسا، وتمت أكبر عملية انتشار للجواد العربي حين رأى الفرنجة في الحروب الصليبية «1096- 1270م» أن الفارس العربي كان يغير عليهم كالصاعقة ويضرب ضربته ويعود أدراجه إلى قواعده وهو لا يكاد يرى لسرعة جري فرسه الخارقة فكان من الطبيعي أن يعود الفرنجة بعد الحرب إلى بلادهم ومعهم الكثير من الجياد العربية.
وبعد هذا التاريخ الحافل للجواد العربي نجده اليوم قد وصل إلى حالة من الإهمال مؤسفة لأسباب عدة من أهمها:
- اختلاط الحابل بالنابل وكثرة السفاد بين الخيل الأجنبية والعربية، والسفاد هو اعتلاء الحصان على الفرس لقصد التشبية.
- انقراض النسل العربي تدريجيا بفعل الإهمال والجوع والعطش والمرض.
- بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بيع عدد كبير من الخيل الأجنبية القادمة مع الجيوش الغازية والفائضة عن الحاجة للبلاد العربية.
- تهريب بعض الفحول المضربة مجهولة الهوية من بلاد أجنبية واستغلالها لنزو الأفراس العربية.
قد يقول قائل: وما لنا ولحديث الخيل الآن، وقد أنتج لنا العلم وسائل حديثة تغنينا عن صاحبنا القديم وأزعم أن للخيل فوائد كثيرة باقية مهما تقلص دورها في الحرب والحمل والتنقل والسفر ومن ذلك الركوب والنزهة والرياضة والسباقات، فلا تزال الفروسية تحتل مكانتها بين الرياضات وينسحب مسماها كذلك وقد توسع معناها عند العرب قديماً وحديثاً على البارزين المبدعين في مناشط الحياة وفعالياتها فهناك الطيار الفارس والمقاتل الفارس والشاعر الفارس والطبيب الفارس والمعلم الفارس.. الخ.
وأجدنا في حاجة إلى ازدهار معنى الفروسية في كل تلك المجالات بازدهار الفروسية بمعناها الأساسي من خلال بعث الحياة في سيرة الجواد العربي من جديد، بتنقية موجودة على الساحة بالفرز الدقيق، والاعتماد على الخيل العربية المحلية، واستيراد الفحول والأفراس من مراكز التوليد العالمية المشهورة بالخيل العربية النقية الدم، مع مراقبة الإنتاج المتسلسل للحفاظ على النسل الأكثر صفاء واستبعاد ما تظهر به علامات دخيلة من رواسب الدم الأجنبي، ومراعاة قوانين السفاد.
ولابد أن يتم ذلك كله في إطار البحث العلمي الدقيق من باعث شعورنا بضرورة استعادة مجد الجواد العربي الذي نشأ عندنا وترعرع وحصدنا من ورائه خيراً كثيراً ثم إننا حين أهملناه تلقفه الغرب كما يفعل في كل مواردنا وطور مشروعه وجنى من ورائه الشهرة والمال، وصرنا نحن نستورد الجواد العربي ولكن صناعة غربية!
|