ما تزال أقلام بعض كتابنا تطرح موضوع أعمال الخير - خارج المملكة -، وتنادي المؤسسات الخيرية بترك ذلك، وبذل الأموال والمساعدات وكفالة الأيتام داخل المملكة فالأقربون أولى بالمعروف، ويختلف طرح هذا الموضوع من شخص الى آخر، فمن معتدلٍ فيه، ومن مبالغ مجحف، ومن متّهم لفاعلي الخير وبعض المؤسسات الخيرية بعدم الوعي، وبالقطيعة للأقربين، ومن مبالغ في سوء ظنه، مسرفٍ في تحامله، متأثِّر ببعض ما يروِّجه الأعداء من معلومات مكذوبة عن إمكانية دعم هذه المؤسسات الدعوية الخيرية للإرهاب.
ولاشك أن الاعتدال في طرح هذه المسألة، والموضوعية في مناقشتها، والرفق في الإدلاء بالرأي المخالف فيها مع سلامة الصدر وحسن الظن، هو الأسلوب اللائق بالكاتب المسلم المنصف.
لماذا نضيِّق واسعاً على مذهب ذلك الأعرابي الذي قال: اللهم ارحمني وارحم محَّمداً، ولا ترحم معنا أحدا، فقال له عليه الصلاة والسلام: لقد ضيَّقت واسعاً، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
إنَّ الرَّحمة تعمُّ القريب والبعيد، ولا يعني وجوب بذل الرعاية للأهل والأقربين، التقصير في بذلها للأبعدين ممن يستحقونها، ولم يقل أحدٌ من السَّلف ولا من الخلف بوجوب رعاية القريب، وإهمال الغريب والبعيد، وإنما هي مفاضلة بين عملين صالحين أحدهما أفضل من الآخر، دون أن يكون الأفضل مانعاً من عمل المفضول، وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام ما يؤكد هذا التوازن الذي نتحدث عنه في مجال عمل الخير، فلم ينقل إلينا ما يفيد أن أحداً منهم دعا الى عدم بذل العون والمساعدة للبعيد بجحد بذلها للقريب، بل ورد الترغيب في عمل الخير مطلقاً، مع الإشارة الى زيادة فضل لمن يبذل الخير لقريبه وذوي رحمه، وهذه مسألة معروفة لا تحتاج الى تأويل ولا الى زيادة تفصيل، فالبذل والعطاء ومدُّ يد العون للمحتاجين جميعاً أمرٌ مطلوب شرعاً، والأجر فيه ثابتٌ بنصوص الكتاب والسنة، وها هو ذا الشيخ د. ابراهيم الخضيري يجيب عن سؤال وجِّه إليه في صفحة الفتاوى في مجلة الدعوة العدد 1795، عن كفالة اليتيم، أهي أفضل داخل المملكة أو خارجها، فيقول: كفالة اليتيم داخل المملكة أفضل بكثير من خارجها، وفي خارج المملكة خيرٌ عظيم، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: أنا وكافل اليتيم في الجنةِ كهاتين. وكفالة أيتام المسلمين مطلب ضروري يجب ان تُبذل له الجهود، ويُسعى لنصرته، لأن هذا من الأعمال الانسانية الخيرة، ومما يؤسف له ان الكنائس تبذل قصارى جهدها في تنصير أبناء المسلمين وبناتهم.
وفي هذه الإجابة من الشيخ إبراهيم موضوعية منبثقة من رؤية شرعية صحيحة لا مجال للتشكيك فيها، فجميع نصوص القرآن الداعية الى عمل الخير تفيد العموم وتدعو الى الشمول، وكذلك نصوص السنة، وما أتى من نصوص التخصيص بالأقربين لا يعارض ذلك العموم وهذا الشمول، ولا يأمر بترك غير الأقربين وإلا لما تعدَّى عمل الخير الرجل وأهله، وحينئذٍ يضيع أصحاب الحاجات من المسلمين.
إن أصحاب الأقلام مطالبون بالنظرة العادلة، والكلمة المنصفة، وعدم التعصُّب للرأي بنفي ما يعارضه دون سند من دليل شرعي، أو تأييد من عقلٍ أو عرفٍ سليم.
من حق الكاتب أن ينادي القائمين على المؤسسات الخيرية بالاهتمام بالأقربين، والالتفات الى أصحاب الحاجات في الداخل، ولكن دون استخدام كلمات توحي بسوء الظن وتوجيه الإتهام، علماً بأنه ما من مؤسسة خيرية لها علاقة ببلادنا الا ولها دور متميز في تقديم الخير للمسلمين حسب حاجاتهم مما يعود بخير كثير على بلادنا لا يخفى على منصف.
ومع هذا فنحن ننادي هذه المؤسسات بأن يكون لها عمل خيري مشهود داخل المملكة مع بقاء عملها الخيري في الخارج، فالأمرممكن، وفضل الله كبير.
إشارة:
هي الدنيا.. يظل المرء يمشي في مناكبها، ويخطب ودَّها ينسى بأنَّ نِفَارها يأبى عليها وُدَّ خاطبها.
|