هنالكَ..
والرِّياح بلا شعورٍ هَبَّ سافيها
وَرَمْلُ البيد يَحلفُ أنَّه أضحى بلا وعيٍ..
وأنَّ الرِّيح لم تَظْهَرْ مَراميها
هنالكَ..
والبحار تموجُ والإعصار يُدني من مَراكبها مَراسيها
لسانُ الأرضِ يحلفُ أنَّّها مرضتْ..
وأنَّ الداءَ أدرك مَن يُداويها
وأنَّ سيوفَها صارتْ مثلَّمةً..
فما عادتْ تُباري مََنْ يُباريها
ولا عادتْ تبارز مَنْ يبارزُها..
وتضرب مَنْ أقام لها مآتمَ من مآسيها
لسان الأرض يحلفُ أنَّّها اضطربتْ..
فما عادتْ ترى إلاّ اهتزازاً من رواسيها
وما عادتْ ترى إلاَّ ذبولاً في روابيها
وما عادت ترى إلاَّ التَّحامُلَ من أعاديها
وما عادت ترى إلا دخانَ الحزنِ في فمها
يُسوِّد ما تألَّق من معانيها
هنالكَ..
حيث طالتْ رحلةُ الأَوهام والغربَهْ
وحيث استَشْرتِ الآلام في قلب الحزينِ..
وضيَّقتْ دربَهْ
وحيث تَوالتِ الكُرُباتُ حتى لم تفارقُ كُرْبَةٌ كُرْبَهْ
هنالكَ..
حيث كان «الصَّرْحُ» رَمزاَ يبهر النَّظرا
فكم عينٍ إليه رنَتْ..
وكم قلبٍ به انبهرا
له قدمٌ يدوس بها الثرى الأَدْنَى..
ورأسٌ ضَخْمةٌ وذُرَى
تُناطح رأسُه السُّحُبَ البعيدةَ تشرَبُ المطرا
له عينان شاخصتان للأعلى..
فما يُلقي إلى ما تحتَه بَصَرا
عريضُ المنكبينِ يرى القِلاعَ أمامَه حُفَرا
يردِّد - وهو مَزْهُوٌّ -:
أنا لا أَرهب الخطرا
هنالكَ..
حيث كان الفجر مبتسماً..
وكان النُّورُ مُنهمرا
وكان الوقتُ يمضي هادئاً لا يَلْفِتُ النَّظرا
جُمُوعُ الناس تمضي في مسالكِ عَيْشها زُمَرا
هنالكَ..
حيث لا يبدو لنا شيءٌ، لأنَّا لا نرى أَثَرا
لأنَّا لا نرى غَيْباً، ولسنا نصنع القَدَرا
ولسنا نكشف المخبوءَ حتى نعرف الخبرا
هنالكَ عُقْدَةٌ في الكونِ مُغْلَقَةُ المَنافذِ تُعجِزُ البَشرا
فلا عَقْلٌ يحيط بها ولا عينُ الرَّقيب تَرَى
ولا العَدَسَات تَنفُذُ من حواجزها..
لِتَلْتَقِطَ الملامحَ تَرسُم الصُّوَرا
هنالكَ عُقْدَةٌ في الكونِ..
يبقى عندها الإنسانُ مُنكسرا
كَليلَ الطَّرْفِ مُنبهرا
ويبقى عندها العلم الحديثُ الرَّحبُ مندحرا
ويبقى مِثْلَ مَنْ غابوا الذي حَضَرا
هنالكَ عُقْدَةٌ هي عُقدَةُ الغيب التي تَخْفى على البشرِ
تهاوى عندها الصَّرحُ العظيمُ الشَّامخُ الأثري
وأصبح بعد زَهْوِ شموخِه في قبضة الخطر
تهاوى الصَّرحُ..
والدنيا تشاهدُه بمقلةِ خائفٍ حَذِرِ
تشاهد ما يذكِّرها بلَفْحٍ من لظى سَقَرِ
سمعتُ رُكامَه يَهذي بأسرارِهْ
ويصرخ في ضمير الكونِ يسردُ بعضَ أخبارِه
يحدِّث عن نواحيه التي اندثرتْ..
وعن أَشلاءِ زُوَّارِهْ
ويبعَثُ للوجود رسالةً مَمْهُورةً بحُطام أَدوارِه
ويبعثها إلى الأرضِ التي اختلَّتْ..
موازينُ الهدى فيها
إلى الكُرَةِ التي اهتزَّتْ نواحيها
إلى الواحاتِ لم يَهتِفْ على الأغصان شاديها
إلى أَسراب طير الوهمِ تشكو من قَوادمها خوافيها
تهاوى الصَّرْحُ أطلق صوتَه الباكي
وعبَّر عن أنين فؤادِه الشاكي
وقال على لسان خيالهِ الحاكي:
إلى الدنيا.. إلى الأرض التي ماجتْ بأخباري
إلى عَدَسات تصويرِ الذين سعوا إلى تصوير آثاري
إلى كلِّ الوكالاتِ التي بثَّتْ لكم..
نَشَراتِ أخباري
إلى الأُسَرِ التي تصحو على أجراس إنذارِ..
إلى الشيخ الذي أمسى بلا دار
إلى الطفل الذي يمشي على قَدَمين من خوفٍ ومن أَلَم
إلى الشيخ الذي أمسى بلا قَدَم
إلى الشادي الذي أمسى بلا نَغَمِ
سلامٌ..
هكذا يغدو السلامُ تحيَّتي بعدَ الذي كانا
فما عادتْ تَحايا الزَّيْفِ..
تَخْدَعُ قلبيَ الآنا
وما عادتْ أكاذيبُ التقدُّمِ..
تستثير الآنَ وُجدانا
سلامٌ صادقٌ منّي..
إلى أَسرابِ مَنْ وَهموا
ومَنْ خُدِعوا كما خَدَعُوا..
إلى تلك الجموع غدتْ على الأَوْهام تَزدحمُ
تُسافر دونَما سفرٍ وبالأَهواءِ تَصطدم
ترى الدنيا بعينٍ مالَها بَصَرٌ
ووجهٍ ليس فيه دَمُ
وتلقَّى ضَجَّةَ الدنيا بآذانٍ..
تسرَّبَ في منافذ سمعها الصَّمَمُ
سلامٌ...
سوف أسرد قصتي بروايةِ الثِّقَةِ الذي لا يعرف الكَذِبا
سأسردُها مبرَّأةً من التلفيق حتى تَعرفوا السَّببا
وحتى تَعرفوا مَنْ صاغ مأساتي..
وأشعل في حنايا قلبي اللَّهبَاَ
وحتى تعرفوا مَنْ جاءني حسَّاً هُلاَميَّاً..
وعقلاً واهماً ذَهَبا
سأسرد قصَّتي صَرْحاً تُلامسُ هامتي السُّحبا
وتعرفني الغيومُ أخاً..
ويعرفني الضَّبابُ أَبَا
وأسمَعُ هَمْسَ ذرَّاتِ الفضاءِ الرَّحْبِ حين تُخاطب الشُّهُبا
وأعرفُ كلَّ وجهٍ زارني ليلاً..
وحين افترَّ ثغرُ الفجر عن أضوائه انقلبا
وأعرف من حَسَا خمراً ومَنْ ينسى كرامتَه إِذا شربا
ومن لا يُحسن الأَدَبا
أنا الصَّرْحُ الذي كانت نجوم الليل تَسهر بين أَرْوقتي
وتسرد من حكايات الدُّجَى ما كان يشرح صَدْرَ أَقْبيَتي
وكان البدرُ يفرش نورَه فوقي..
وتُسعِدُه مرافقتي
وينصحني نصيحةَ مُشْفقٍ يخشى من الإعصار..
أن يجتاح أعمدتي
أنا الصَّرحُ الذي كانتْ..
تُطارد كلَّ ما أخشاه أجهزتي
وكان الفجر يلقاني ببسمته التي تُحيي رُفاتَ الحبِّ في قلبي..
وتُنعش لحنَ أغنيتي
ويَرسُم من شعاع الشمس أطيافاً ملوَّنَةً..
على أَحلام واجهتي
أنا الصَّرح الذي أحرقتُ أَعوامي
بإعراضي عن الخُلُقِ النبيلِ وجَوْرِ آثامي
بنيتُ على ضِفاف الوهم أحلامي
أكلْتُ من الرِّبا ناراً بها أجَّجْتُ أوهامي
بها أشعلتُ أوجاعي وآلامي
أنا الصَّرحُ الذي عانيتُ من دائي وأَورامي
أنا الصَّرحُ الذي أصبحْتُ رَمْزَ «الدَّولةِ الكبرى»
وما أدراكموا ما الدولة الكبرى؟
جيوشٌ تملأ الدنيا ضجيجاً تبعث الذُّعْرَا
سفائنُ تُزعج البحرا
وطائرة تُرينا حين تجتازُ الفضاءَ الرَّحْبَ
صورةَ عصرنا الأُخرى
أنَّا الصَّرْحُ الذي أصبحتُ ذكرى أَيَّما ذكرى
غَدَوْتُ رسالةً كُبْرَى إلى الدنيا التي تلهو
وعن أخلاقها تسهو
رسمْتُ أمامَكم صُوَراً مصغَّرة لِهَوْلِ نهايةِ الدنيا
رأيتم كيف ذابتْ باللَّظى أَبراجي العُلْيا
سقوطي خيرُ موعظةٍ لمن خُدِعُوا بمارَسموا
وذكرى كلِّ مَنْ قَتلوا ومَنْ هَدموا
ومَنْ قلبوا لنا ظَهْرَ المِجَنِّ وبالهوى حكموا
هَوَيْتُ؟.. نعمْ..
لأن الجَوْرَ زَعْزَعني
هَوَيْتُ ولم يكنْ في الذهنِ أنَّ الطائرَ المنكوبَ يَصْرعني
وبالأَحداثِ يفجعُني
هَوَيْتُ، ولم أصدِّق أن جسماً لا يساوي نِصْفَ نافذتي يحطِّمني
وللموتِ الرَّهيب على صدى الآهاتِ يُسلِمُني
ومِنْ زَهْوي وإحساسي بأني سيِّدُ الأبراجِ..
يَحْرِمُني
هَوَيْتُ؟.. نَعَمْ، رأيتُ وجوهَ مَنْ ذُعِرُوا
نعم.. أبصرتُ مَنْ هربوا..
وحين أصابهم وَهَجُ اللَّظَى انصهروا
سمعت صُراخهم لمَّا تلاقَوا في ممرَّاتي وفي أشلائهم عثروا
وماذا تَنْفَعُ الأصواتُ لمَّا يغلب القَدَرُ؟؟
لقد أحسَسْتُ حين رأيتُني أَهوي بمعنى الحزن والأَلَمِ
ومعنى الظُّلْمِ والظُّلَمِ
لقد أدركتْ حين هَوَيْتُ سرَّ نهايةَ الأُمَمِ
هَوَيْتُ؟.. نعم ولا رجْعَهْ
ولا أَمَلٌ يضيء طريقَ مأساتي ولا شَمْعَهْ
ولا أَحَدٌ يُعير نصيحتي سَمْعَهْ
حزنتُ لحالكم يا أيُّها البَشَرُ
تراكم عينُ أنقاضي وفي ذرَّاتها ضَجَرُ
تشاهدكم بعين بصيرتي الحُفَرُ
حزنتُ لكم..
لأنَّ الغفلةَ الكبرى تحاصركمْ..
فلا خوفٌ ولا حَذَرُ
رأيتُ قلوبكم، فرأيتُ سَدَّاً دونَه تتراجع العِبَرُ
فوا أسفا عليكم أيُّها البَشَرُ
ووا أسفا على قلبٍ..
تعوَّذ من قَساوة نَبْضِه الحجرُ
*** *** ***
وداعاَ.. أيُّها الصَّرْحُ الذي أمسى بناءً سامقاً ضَخْماً
وأصبح في نهار الرُّعبِ بُركانا
لهيباً يمنح الآفاقَ نيرانا
وداعاًَ، أيُّها الصَّرْحُ الذي أضحى رُفَاتاً بعدما كانا
وداعاً..
نحنُ لم نَرْضَ الذي كانا
ولم نفرحْ بما يَروي الدَّمَارُ لنا من القصصِ التي تركتْ..
لبيبَ العقل حيرانا
نعم.. فالظلمُ لا يلقى مكاناً في سجايانا
وداعاً..
نحن لا نرضى بما يرضى به الباغي لأقصانا
لكابولَ التي احترقتْ..
لكشميرٍ وشيشانَ التي تلقى من المأساةِ ألوانا
ولا نرضى بأنْ يستعبدَ الإنسانُ إنسانا..
ولكنَّا قرأنا فيكَ موعظةً تذكِّرنا بأُخرانا
قرأنا في ركامك سرَّ دنيانا
قرأنا في الفراغات التي خلَّفْتَها آثار شَكْوَانا
وداعاً.. بعد أنْ مثَّلْتَ معنى الموتِ تمثيلا
نَقَلْتَ لنا حديثاً واضحَ المدلولِ لايحتاج تَأْويلا
حديثاً محكَمَ الإيجاز لا يحتاج تفصيلا
وداعاً.. كنتَ للإبهار عنوانا
وصرتَ الآن للمأساةِ عنوانا
فسبحان الذي يبقى عظيم َالشأْنِ سبحانا
|