حاول فرنسي يدعى (كوتان) اغتيال كليمنصو على اثر الحرب العالمية الاولى فالتأمت محكمة الجنايات لمحاكمته وسأل القاضي كليمنصو عما يقترحه من عقاب للمجرم فأجاب ان هذا الفتى الشجاع الذي لم يقدم على مواجهة عصاي الا بمسدس رشاش يستحق وساما من اوسمة البسالة ولكن يجب ان تأخذ بعين الاعتبار سوء رمايته فقد ظفرنا في أروع حرب عرفها التاريخ ومع ذلك فهذا فرنسي يخطىء هدفه ثماني مرات على قصر المسافة لقد أساء استعمال السلاح ولم يحسن الرماية فاقترح أن يسجن عددا من السنوات مساويا لعدد الطلقات التي اخطأني بها أي ثماني سنوات على ان يدرب تدريبا محكما على الرماية.
من هذا الكلام تبدو مفهوم الوطنية على حقها ويبرز دور المواطن الفعال في كيف يحقق لوطنه وأمته مثل هذا الصمود ويعرض نفسه لأخطر المواقف وأدقها كل ذلك من أجل كرامته كمواطن يسعى من أجل وطنه.. ان هذه التضحيات وهذا الفداء وهذه الصلابة فمن هذا الرجل ليعطينا الدليل القاطع على معنى الوطنية في مفهومها الحقيقي متمثلة فيه رغم مخاطر هذه التضحية التي وقفها هذا الرجل ودرجة المسؤولية الكبرى والمصير المحتوم اللذان ينجمان عن هذه المواقف والمواجهة.
ان هذا هو الفدى والتضحية بعينهما في سبيل الوطن والامة والكرامة.. هذه هي معنى البطولة والشجاعة والرجولة والصمود امام الخصم أو المعتدي.. يا لها من بسالة ورباطة جأش وتضحية وفداء اذ كيف يجوز للمعتدى عليه ان يخاطب خصمه بهذا الكلام الذي ينم عن بالغ مقدرة وعميق تفكير وأصالة في النفس اوبسالة فائقة في الموقف المحرج كهذا.
شخص أراد لآخر سوء المصير المحتوم يقابله بهذا الكلام المعسول ولكنه يخفي وراءه البطولة الفذة والشجاعة المتناهية والثقة بالنفس والآمال الطيبة والوطنية المثلى، وقد تجمعت كلها.
ان زرع بذور التضحية والفداء للوطن في نفس أي مواطن أمر تحتمه الوطنية ويقتضيه الواجب الوطني المقدس.
فالفرد حينما يشعر بمسؤوليته كمواطن يبني ويشيد في سبيل نماء وطنه وازدهاره عليه ان يعمل ما من أجله أن يصد عنه كيد المعتدين ويقف في وجه كل معتد أثيم ببسالة وشجاعة لاتثني من عزيمته الصادقة ولا يضعف من ايمانه العميق أية ردود فعل لان الكيان الشامخ العظيم اذا تحقق بناؤه لأية أمة من الأمم لابد وأن يكون قد أتى من فعل المواطن المخلص نفسه بالتكاتف والتعاون المثمر بين المواطنين دون أن يكون لأي دخيل يد في بناء هذا الكيان.
والتضحية أمر لابد منها يجب على كل مواطن أن يتسلح بها والفداء من متممات التضحية ومن مكملاتها..
واذا توفرت هاتان الخصلتان في المواطن وتسلح بهما فانه بلا شك يكون قد حقق لوطنه كبير المكاسب وعظيم المنافع اذا وضعنا في الاعتبار أن المواطن تقع عليه مسؤولية تشييد وطنه واسعاد أمته وأمجاده كل حسب مقدرته واستطاعته وامكانياته.. لا يكلف الله نفسا الا وسعها وكل حسب اختصاصاته وطاقاته البشرية وما يحيط به ويلم به.
ان الاخلاص لله في العمل ومراقبة الضمير الانساني قبل كل شيء هما اللتان يجب أن يتصف بهما الطبيب والموظف والعامل والمهندس على حد سواء لان الاجر على قدر العمل ولانهما اللذان بموجبه تقاس مدى وطنية الفرد في مجتمعه وتفاعله بهما وهما الدليل على مظهره واهتمامه وحرصه وتبلور كل هذه الخصال الحميدة في نفسه واندماجها في أعماله وأفعاله ومسيرته وخطواته الحثيثة.
|