«قرر اخفاء اثر الجريمة ان شق عليه حملها».. السكينة الملتصقة بيده تذكره بآخر ما هدده به: «إن قتلتي لن تعيش».. تشبثت بثناياه ضحكة فارغة أوغلت بداخله هاجس الخوف:
«ماذا لو كشف أمري.. حتماً لن أعيش».
علم تقاسيم وجهه الهلعة ثم فر سريعاً لدس السكينة، لفها في معطف امه البالي ثم أسدلها خلف الستار!..
شد من أزره متجها نحو المرآة.. اغمض عينيه.. تحسس سطح المرآة.
المرآة فارغة!!
راح فانطلق مكوما بيديه وسط صدره باتجاه غرفته.. وثب ببطن سريره.. بات يزوغ بعينيه طوال الليل.. «رائحة الجثة تقطن وسط لحافه»!.
أقفل عينيه متحايلاً النوم.. دقات الساعة تشعره بقبقبة حذاء تدنو منه!!.. سرخ بقوة وشد لحافه فوق رأسه!!
في الصباح البكور.. الساعة تلعن وجل الليل بدقاتها المرهقة.. استيقظ فزعاً: «الجثة.. الجثة».. تلفت يمنة ويسرة.. قبض كوب الماء البائت فأغرق أطراف شفتيه.. ثم ركله جانباً!..
أخرج أنفاسه المرتعدة ثم فتش عن ابتسامة تستشف منه وجله.. «حمدا لله انه حلم»..
أدلى أولى قدميه على حافة السرير متجهاً صوب «الصالون»، «غترته» معلقة قرب المرآة، انتشلها دون ان يلقي اطلالته الصباحية على وجهه!!
كعادته، وقف يترقب مرور إحدى سيارات الأجرة.. السيارات المارة تلجمه رعباً كلما تمعن بمصير سائقيها.. هدأ جسده ببسملة أكد عقبها قراره الصوم:
«لن أمتلك سيارة فجرائمها أكثر شناعة من القتل»..
امتطى أولى سيارات الأجرة إلى عمله، الطريق مزدحم.. وصدره أضيق منه، أخذ ينحر الناس بلسانه الهجن حتى سائق الأجرة لم ينجو منه!
بالقرب من مقر عمله القى به سائق الأجرة سائماً عباراته الفجة: «كان عليَّ أن أفعلها منذ البداية، ما كان المال أغلى عندي من الفكاك منه» قبَّل ظهر كفه ماسحاً بها جبينه ثم سار مرددا دعوته: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به.. الحمد لله.. «قالها السائق متذمراً»..
هناك في مكتبه ألقى تحية هرمة عبر أنفاسه الثقيلة.. استند على حافة المكتب، قلب نظره بين موظف وآخر.. اهتمام الموظفين غير المعتاد يضاعف استياءه.. ضجة المكان تخرق رأسه..
التف خلف مكتبه.. المكتب مليء بالجرائد عمله أراد ذلك قلب بعض الأوراق التالفة، والقى بها في القمامة!.. اتكأ بظهره على كرسيه الدوار.. تأبط بإحدى يديه مسنداً إحداها ذقنه.. «اليوم سنكشف القاتل!»، تلك العبارة التي أفرغها زميله «أسامة» في آذان الموظفين تسللت هي أيضاً إلى أذنه، أوقعت بداخله حيرة مربكة ترقب من خلالها القاتل:
«إنَّ رداءه قاتم كلص افلام السينما.. وفي خفية يقتل.. ثم ينتحر أو يُقتل قبل ان يقبض عليه.. «استبعد هذا الظن برهة ليؤكد ان لصنا أكثر ذكاء.. «اعتقده تخفى في ملابسه المعتادة حتى لا يريب أحد المارة، أو يتملص من رقابة زوجته المتسلطة.. لم يختر وقتاً أبكر من ساعات الليل المتأخرة.. وقبل العودة ينزوي خلف مرآة ليشتت ملامحه المرعوبة ويستعير بأخرى ترغمه العيش عقبها».
تحسس في الأخير قربه منه.. «لا جرم.. إن كنت مكانه لفعلت فعلته.. ودسست كل ما يتعلق بالجريمة حتى إنْ كان في معطف أمي البالي.. «اقشعر جلده واستعاذ بالله من شر القتل!..
طبطب أصابعه على ظهر الطاولة، ثم أسر القلم جامحاً به زوايا الورقة.. سطر خطوطاً ليحدد بها مسلك القاتل وبصوت خفي: كان باب المنزل مقفلاً.. شق طريقاً آخر لا يجاوز منزله.. القمامة تحاذي عمود الكهرباء هناك وقع القتل!».
قاطعه «أسامة» بوجمة خاطفة سرقت انهماكه بسر القاتل.. استدار بظهره فنشب أظفاره بِكُمِ «أسامة» قبل ان ينطق، وبنبرة هزيلة متعرجة صاح:
«الجثة في القمامة.. والقاتل مات.. مات».
|