قرأت لكثير من الشعراء المبدعين على اختلاف عصورهم وتباعد أزمانهم. استوقفتني بعض القصائد وأعجبني بعض الشعراء، وان أكثر الشعراء الذين أعجبت بهم الشاعر المتنبي الذي خاض بحار الشعر وجمع أطايب الشعر وقال أفصحه وأحسنه، وعندما نقرأ قصيدة للمتنبي فإننا نقرأ الإبداع والبلاغة والفصاحة وجزالة المعاني وهذه الأمور من النادر ان تجتمع في شاعر غيره، وكلما تصفحت ديواناً لأحد الشعراء المتأخرين أو الذين جاءوا من بعد المتنبي وقرأت ما كتبوا وجدت تأثير قصائد المتنبي عليهم من أبرز أولئك الذين تأثروا بالمتنبي الشاعر العراقي الجواهري، ولك ان تقف على ذلك عندما تقرأ قصائده وغيره كثير، وإن من أعظم ما قال المتنبي، في مدح سيف الدولة الحمداني والقافية من المتدارك فيقول: على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قدر المكارمِ المكارمُ
نستوحي من قول المتنبي: ان عزيمة الرجل ومكارمه على مقداره فمن كان ذا همة عالية وعزيمة قوية عظم الأمر الذي يعزم عليه، وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم.. ويتبين للقارئ ان الشاعر يوضح ان الرجل الصغير تعظم عنده الأمور الصغيرة، أما الرجل العظيم فإن الأمور العظيمة صغيرة في عينه، يكلف سيف الدولة الجيش همه وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم. ويتضح من وصف الشاعر في البيت ان سيف الدولة يحمل نفسه أموراً عظيمة لا يطيقها إلا رجل مثله. ويطلب عند الناس ما عند نفسه وذلك ما لا تدعيه الضراغم والمعنى ان المتنبي قد أوضح ان سيف الدولة يريد أن يكون الناس مثله في الشجاعة والإقدام وهذا الأمر لا يكون إلا عند الأسود الباسلة..
يفدي أتم الطير عمرا سلاحه نسور الفلا أحداثها والقشاعم |
يقول المتنبي ان النسور وأفراخها وطيور الجو تفدي سيف الدولة بأعمارها لأن سيف الدولة كثيراً ما يلقي بجثث أعدائه على الأرض فتأكل هذه الطيور من هذه الجثث..
وما ضرها خلق بغير مخالب وقد خلقت أسيافه والقوائم |
ويتضح من معنى البيت ان الشاعر يقول ما ضر تلك الطيور المسنة والصغار انها ضعيفة لا تقوى على البحث عن الرزق مادام سيف الدولة يقاتل ويقتل أعداءه فتكون جثث الأعداء طعاماً لهذه الطيور الضعيفة لكبرها وعجزها أو صغرها ما دام السيف يضرب الأعناق.
وللحديث بقية بإذن الله.
* مدارس حي السفارات |