Monday 23rd September,200210952العددالأثنين 16 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

عن المناسبة يحلو الكلام عن المناسبة يحلو الكلام
عبداللّه الصالح العثيمين

هذا اليوم هو اليوم الوطني لبلادنا العزيزة المملكة العربية السعودية، سبعون عاماً بالتاريخ الميلادي مرَّت على إعلان اتخاذها رسمياً اسمها الدال على وحدتها، ومئة سنة مضت على أول خطوة من خطوات توحيدها، أو بعبارة أصح إعادة توحيدها، وخمسون عاماً مرَّت على وفاة قائد مسيرة ذلك التوحيد.
مسيرة توحيد البلاد عميقة الجذور. كانت بداية انطلاقتها على الأسس التي قامت عليها عندما تبايع الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب على نصرة كلمة التوحيد وجعل علمها هو المرفرف عالياً فوق الربوع، وكانت تلك المبايعة نقطة تحوُّل في تاريخ البلاد، إذ أصبح للدعوة التي نادى بها الشيخ سند ينشرها ويدافع عنها، وأصبحت هي لهذا السند خير وسيلة لبلوغه ما بلغه من تمكُّن ورسوخ، ولقد استطاعت الدولة السعودية الأولى أن توحِّد أكثر مناطق شبه الجزيرة العربية بعد كفاح طويل، وبخاصة في منطقة نجد التي كانت المنطلق الأول لها، ذلك أنها لم تستطع توحيد هذه المنطقة إلا بعد أربعين سنة من القتال الذي كانت جذوته دائمة التوقُّد، وكان أكبر عامل من عوامل مطاولة من عارضوا الوحدة أن نجداً لم تعرف وحدة لأقاليمها وقبائلها قروناً عديدة قبل تلك المبايعة مما ثبَّت المشاعر المعارضة للانضواء تحت قيادة واحدة، ولهذا فإن النجديين ـ بعد أن عرفوا ثمار الوحدة، أمناً واستقراراً، في ظلِّ الدولة السعودية الأولى ـ سارعوا إلى مبايعة الإمام تركي بن عبداللّه بحيث لم يمض عامان على إخراجه بقية حاميات محمد علي، حاكم مصر العثماني حينذاك، من نجد حتى انضمت إلى حكمه جميع أقاليمها طائعة مختارة.
وعندما بدأ الملك عبدالعزيز، مؤسس الدولة السعودية الحديثة، مسيرته العظيمة لإعادة توحيد البلاد تحت الحكم السعودي كان ضعيف الإمكانات المادية بدرجة كبيرة، ولعلَّ هذا هو ما دفع بعض من لم يطَّلعوا على تاريخ البلاد اطِّلاعاً كافياً إلى القول إنه بدأ من فراغ، غير أن المتأمل في هذا التاريخ يرى أنه، منذ بداية سعيه التوحيدي، كان من أبرز رفاق دربه رصيد تاريخي تمتد جذوره إلى ما يزيد على قرن ونصف القرن، وكان ذلك الرصيد حكماً قام على منهج إسلامي واضح يهدف الى توحيد البلاد في ظل دولة تنشر العقيدة الصافية وتحميها، وتطبِّق الشريعة الغرّاء وتذود عنها، وبصفاء العقيدة وسيادة الشريعة يعمُّ الأمن والاطمئنان، ولم يكن ذلك الرصيد التاريخي وحده ـ مع أهميته ـ الرفيق العظيم للملك عبدالعزيز، بل كان له من صفاته القيادية الذاتية رفيق آخر لايقلُّ أهمية وعظمة، ومن تلك الصفات التديُّن، دعوة وسلوكاً، والشجاعة المحمودة غير المتهوِّرة، وقوة الإرادة التي جعلته يتعامل مع الانتصار والهزيمة تعاملاً جيداً، والحرص على مشورة من هم أهل للاستشارة، وعمق معرفته بقومه، حاضرة وبادية، ووعي دروس التاريخ وعياً عميقاً.
ومن أدلة هذا الوعي العميق أنه أدرك، من تأمله في تاريخ أسلافه بالذات، أن الانتصار العسكري في كثير من المعارك ليس كافياً لتحقيق نجاح سياسي مستمر، وأن تقدير كل إمكانات الخصوم ومراعاة الظروف كافة، والتعامل مع كل خصم وظرف وفق ما يناسبه، أدعى إلى الفوز النهائي، وأدرك، أيضاً، أن من أسلافه من ذهب بعيداً في شدَّته على خصومه المحلِّيين، وتحدِّيه لخصومه غير المحلِّيين، وأن تلك الشدَّة وهذا التحدِّي كان من أسباب القضاء المؤقت على الحكم السعودي. ومن هنا كان الرفق بالخصوم هو الصفة الغالبة في تعامله معهم، وكانت مسايرته للدولة العثمانية، سواء في مفاوضاته معها لسحب قواتها من القصيم أو في رفقه بجنودها بعد استرداده منطقة الأحساء والقطيف منها، دليلاً واضحاً على ذلك.
على أن من صفات الملك عبدالعزيز الرائعة سعة أفقه في نظرته إلى الأمور الحضارية المستجدة، فكان ما كان من إقدامه على تبنِّي خطوات رائدة نقلت البلاد إلى مرحلة تأسيس حضاري آتى أُكله في مختلف جوانب الحياة، في الإدارة العامة لها، وشؤون القضاء والحسبة، والتنظيم المالي، والتعليم، والأمن والدفاع، والمياه والزراعة، والرعاية الصحية، والمواصلات والاتصالات.
وما كان اهتمام الملك عبدالعزيز بأمور بلاده الداخلية، توحيداً وتحقيقاً للأمن، ودفاعاً عنها، ونهضة بها، ليشغله عن الاهتمام بقضايا أمته العربية والإسلامية في مختلف ربوعها وأقطارها، ذلك أنه ـ وهو القائد العربي المسلم ـ قد أدرك أن هذا الاهتمام واجب تمليه أخوَّة الإيمان وواقع المصير المشترك، وكانت قضية فلسطين ـ وما زالت ـ القضية الأولى للعرب والمسلمين، وكان موقفه مع أهلها في المحافل الدولية ذات الشأن موقفاً معروفاً، ثم كان رأيه الصائب، الذي لم يجد ـ مع الأسف الشديد ـ ما كان يستحقه من اتِّباع، وهو أن تكتفي الدول العربية بدعم الفلسطينيين بكل الوسائل وتتركهم يقاومون الصهاينة بأنفسهم. لقد أدرك أن وضع القيادات العربية حينذاك، وبخاصة المجاورة لفلسطين، غير مؤهلة لتقوم بما يؤمل أن يكون ذا أثر حاسم لظروف معروفة، وأن تدخل الجيوش العربية الرسمية سيجعل القوى العالمية الكبرى تتعاطف مع العدو الصهيوني، وحدث ما أدركه وحاول تفادي وقوع العرب فيه، وحلَّت النكبة، ولا بد أنه تمثَّل عند حلولها بقول الشاعر:


أمرتهمُ أمري بمنعرج اللِّوى
فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

والحديث عن اليوم الوطني حلو شيِّق، ولا يملك المرء إلا أن يكرِّر الحمد للّه الذي وفَّق مؤسس هذا الكيان إلى توحيده، ووضع أسس نهضته الحضارية، ويرجو له المغفرة والرضوان، ويوفِّق قادة البلاد إلى مزيد من السداد، وأن يحفظ شعب المملكة وشعوب الأمة كافة من مكائد الأعداء.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved