اليوم هو الاثنين، الأول من برج الميزان لعام 1381 (شمسية)، وهو يوم موعود ومشهود في تاريخ هذه الأمة، فيه نتذكر بكبرياء وإكبار إنجاز الأجداد، بزعامة القائد الفذ جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، طيّب الله ثراه، لإقامة هذا الكيان السياسي الكبير، ليصبح بعد سبعين عاما ملء سمع الدنيا وبصرها!
* *
* ولئن كانت (سبعون عاماً) في حياة المرء العادي تعني بدء العدّ التنازلي ترقباً لنهاية قدَّرها عالم الغيب والشهادة منذ الأزل، فإن مسيرة (السبعين عاماً) في حياة أمة كأمتنا مسألة أخرى تشكَّل في رحمها حصاد ضخم من الأحداث المتراكمة، والتجارب المتلاحقة، والحكم المستفادة من هذا وذاك!
* *
* ومشوار (السبعون عاماً) من عمر أمتنا المديد حافل بالأحداث وبالتجارب وبالدروس المكتسبة، أدركنا في ظل معظمها نجاحات تحاكي إشراقة الصبح، وعانينا في ظل بعضها إخفاقات نتذكَّر معها عبوس القمر! شأننا في ذلك شأن كل الأمم التي سبقتنا، والأمم التي عاصرتنا، والأمم التي ورثت أو سترث أمسها وحاضرها!
* *
* ولقد شهد أجدادنا تحوّلات جساماً، بدءاً بقيام هذا الكيان الكبير، ليصبح معه شتات شبه هذه الجزيرة وحدة، وذلُّها عزاً، وعوزها رخاء، ثم جاء مشوار التنمية الضخم، لتعمَّ مخرجاتها كل شبر في بلادنا، أمناً وصحة وتعليماً واقتصاداً ومواصلات واتصالات وثقافة متعددة المنابر والمصادر!
* *
* كلُّ ذلك بات ممكنا بفضل من الله، ثم بما وهبه هذه البلاد من نعمة النفط يغذّي دخلُهُ شرايين التنمية في كل اتجاه، وليجعل الله به من بعد عسر يسراً!
* *
واليوم .. ونحن نطلّ من جديد على العالم عبر نافذة الذكرى السبعينية لميلادنا، أمة وكياناً، أتساءل في حميمية وولاء وشغف:
ماذا تعنى هذه الذكرى وحصادها الثقيل لجيلنا الشاب الذي وُلِدَ السواد الساحق من أفراده قبل نحو ثلاثين عاماً، وسط نعيم الطفرة النفطية، وبات الآن يشكِّل نحو سبعين في المائة من رقعتنا السكانية؟
هل يعي هذا الجيل مدخلات ومخرجات مشوار أمته السبعيني، بكل مايضمه من ملاحم السنين المتعاقبة، سِمَاناً وعجافاً؟!
هل يدرك هذا الجيل الشاب وهو يشاركنا اليوم الاحتفاء بهذه الذكرى: من هو، وماذا يريد، وعمَّ يحلم أن يكون؟!
هل استلهم هذا الجيل من سيرة أمته السبعينية مايعينه على استشراف الغد، وتحديد هوية الطموح الذي يتوق إليه في غده القريب والبعيد؟!
أغايةُ الحلم عنده أن يفوز بشهادة ما (أي شهادة) تمنحه تأشيرة دخول سريع إلى ملكوت (الوظيفة المريحة) و(البيت الأنيق) و(السيارة الفارهة) و(الرصيد السخي)؟!
أغايةُ الحلم عنده أن يتسلَّق سلَّم النجاح بلا جهد ولا كد ولا عناء، بل قفزاً عبر المناكب والأقدام، أو (تسلّلاً) عبر ثقوب الشفاعة؟!
* *
* أخشى ما أخشاه اليوم وكل يوم أن جيلنا الشاب ذا الأغلبية الساحقة في تركيبتنا السكانية لا يملك العديدُ من أفراده الرؤية ولا التأهيل ولا القدرة للتعامل مع تركة أمته الضخمة عبر السنين: إنجازاتٍ وطموحاتٍ وآمالاً!
* *
* وأخشى ما أخشاه اليوم وكل يوم أننا مقصِّرون: أمةً ومؤسساتٍ وأسراً وأفراداً، في (تربية) هذا الجيل تربية تجعله (ينتج) التنمية، ولا (يستهلكها) فحسب! وإذا لم يكن هاجسُ (تربية هذا الجيل) طموحنا وقلقنا وشقاءنا، فكيف نطمح أن يعْبر هذا الجيل إلى غد هذا العالم المشحون بالأعاصير الثقافية والسياسية والاقتصادية التي لا يعرفُ لها سراً ولا موعداً سوى رب العالمين؟!
* *
وبعد..،
فلا أريد في هذا اليوم الأغر أن أكون متفائلاً أكثر من المتفائلين، ولا متشائماً أكثر من المتشائمين، لكنني حين أُرجِعُ البصر مراتٍ وكرّاتٍ إلى الواقع المشهود لجيلنا الشاب، ذي السواد الساحق في حياتنا، تراوح نظراتي حائرةً بين التفاؤل، أملاً في رحمة الله، والتشاؤم خوفاً من فشلنا في تربية هذا الجيل، وتعبئته تعبئة عاقلة صالحة ديناً وخلقاً وسلوكاً، تمكِّنه من استشراف خطاه نحو المستقبل بروح تتحدَّى الفشل، وتؤمن بالعمل وتعد بكل ماهو جميل!
* *
وكلُّ عام.. وأمتي بألف خير..
وكلُّ عام.. وجيلنا الشاب أكثر نضجاً، وأثرى استعداداً، وأندى إنتاجاً!
|