تتوالى السنون ويأتي هذا اليوم التاريخي الهام ..ذكرى تأسيس المملكة العربية السعودية حلما راود الملك المؤسس ورجاله فأصبح حقيقة كبرى. فمنذ ثلاثة وسبعين عاماً في اليوم الأول من الميزان أعلن الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله قيام الوطن الموحد بعد رحلة نضال وكفاح طويل ضم فيه الدويلات والإمارات المتعددة التي عاش فيها أبناء الجزيرة حياة قاسية سادها الفقر والجهل والمرض في أوضاع اقتصادية واجتماعية وأمنية متردية.
فقد كانت معيشتهم في الخيام وبيوت الشعر لكثرة التنقل والترحال بحثا عن الكلأ والماء لرعي الأغنام والإبل أو في القرى البسيطة التي تتواجد حول الواحات الصغيرة المتناثرة وكان الناس آنذاك يزاولون الزراعة البدائية وبعض الحرف اليدوية والرعي والصيد والتجارة المحدودة. وكل هذه الأنشطة كانت تزاول بوسائل بدائية بسيطة في صراع للعيش في تلك الصحاري الجافة.
وجاءت البشرى في هذا اليوم التاريخي العظيم لتعلن عن بدء الانطلاقة للمرحلة الحاسمة للعمل بإصرار وعزيمة لإحداث التغيير والتحول من أجل البناء والإصلاح. وهذا ما أخذ به القائد المؤسس رغم الصعوبات والعراقيل التي تحول دون تحقيق ذلك.
لكن المؤسس لم يبال بكل هذه الصعوبات وواجه التحدي من أجل تحقيق معركة البناء بالحكمة والإرادة والعزيمة والكفاح وهو ما اعتاد عليه منذ أن خاض معارك التوحيد من أجل تأسيس المملكة. وقد كان لهذا أثر كبير ومشجع للبدء في مرحلة التغيير في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية. هذه هي شخصية القائد المؤسس ذي الوطنية الصادقة التي كانت دافعا لتحقيق الإنجازات الهامة التي كانت مشجعة وحافزا قوياً لدفع عجلة النمو والتطوير التي توالت من بعده وجاءت معها بالنهضة الشاملة واضحة للعيان في كل القطاعات التنموية وأصبح المجتمع السعودي بعد حالات الفقر والجهل والمرض يتمتع بالأمن والاستقرار والصحة والعلم والمعرفة.
هذه هي القيادة الحقيقية التي تمكنت بفضل من الله تحقيق القوة والعزة والمجد لبلادها من خلال الإنجازات الحضارية العملاقة في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية التي حققتها القيادات الحكيمة التي توالت بعد المؤسس لتسطر الصفحات المشرقة في التاريخ المعاصر.
اليوم الوطني يأتي متزامناً مع ذكرى مرور واحد وعشرين عاما لتولي خادم الحرمين الشريفين مقاليد الحكم وهي الفترة الميمونة التي اتضحت فيها الصروح الإنمائية الحضارية العملاقة في كافة المجالات المواكبة لعصر العلم والتقنية والمحافظة على خصائص المجتمع السعودي من القيم والعادات والتقاليد. وهذا ليس بجديد أو غريب على الفهد وإخوانه الذين تربوا وتعلموا وتخرجوا من مدرسة الملك عبدالعزيز القائد والمربي والمعلم ذي العبقرية والحنكة التي اتضحت في نجاحه على التغلب على العراقيل والسلبيات التي وقفت حيال النمو والتطور والسير في طريق التنمية دون اللجوء لاستخدام القسوة والعنف وذلك لإيمانه القوي بضرورة أن يكون التغيير والبناء مبنياً على أسس ومعايير وأهداف وغايات واضحة وثابتة يمكن معها اتخاذ القرارات السليمة وهو ما عمل به بعد أن شيد نظاماً للدولة دستورها القرآن الكريم مستبعدا أية قوانين أو أنظمة وضعية مما جعل للمملكة مكانة خاصة بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وتظل الراية الخضراء مرفوعة تتلألأ بها.
كلمات مضيئة أساس العقيدة الإسلامية لا إله إلا الله محمد رسول الله وبها رمز السيف دليل القوة والعدل، هذه هي المملكة العربية السعودية التي رسخ لها القائد المؤسس قواعد الأمن والاستقرار.
إن أهم العوامل الرئيسية لنجاح مسيرة التنمية هي التفاف المواطنين حول قيادتهم الرشيدة تتلاقى فيها أواصر الحب والأخاء والولاء لأن القلوب قد صهرت في هذا الكيان الواحد المتماسك بقواعده الراسخة وهي التمسك بالعقيدة الإسلامية.
لقد برع المؤسس في قيادته الحكيمة في تحقيق الأمن والاستقرار والعمل على تغيير الأوضاع التي كانت عليها من قبل، كشيوع ظاهرة الترحال وعدم الاستقرار التي كانت السمة السائدة للقبائل، فكان العمل على إيجاد ما يكفل استقرارها فأقام لهم الهجر وهيأ لهم سبل العيش بمزاولة الزراعة حيث ساعدهم على حفر الآبار وتمهيد الطرق. ولم يتوقف المؤسس عند عملية التوطين وإنما قضى على الجهل والمرض وذلك باهتمامه بإدخال التعليم النظامي وتقديم الخدمات الصحية للمواطنين رغم ندرة الإمكانات المادية ووجود الصعوبات لكنه تمكن من إقامة المدارس والمستشفيات وإن كانت قليلة وبإمكانات محدودة إلا أنها كانت بدايات مشجعة للاستمرار والمواصلة وإحداث التغيير الشامل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة عبر السنين.
تسارعت عجلة البناء والتقدم مع الخطط التنموية فوصلت المملكة لذروة الإنجازات الحضارية في العصر الذهبي عهد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني الذي تميز بظهور النهضة الشاملة في كل أرجاء الوطن في وقت قياسي وذلك لانتهاجه الأسلوب الأمثل لمسيرة البناء والتطوير وهو التخطيط والتوجيه وحسن المتابعة لاستثمار الموارد والثروات المتاحة في كل الأنشطة فجاءت بالصروح الإنمائية الحضارية البعيدة عن أية انعكاسات سلبية وضارة كالتيارات العلمانية والفكرية المنافية لقيم وعادات وتقاليد مجتمعنا مما كان لهذه الإنجازات العصرية الدور الأكبر في إيجاد الشخصية المميزة للمواطن وتكيفه مع المتغيرات الطارئة والتي جعلت من ابن الصحراء الرجل العصري الذي مزج بين الأصالة والمعاصرة.
هذه هي قمة التنمية الحقيقية التي تمثلت في بناء المجتمع وتقديم كافة الخدمات بأحدث الوسائل العصرية التي تضاهي ما لدى الدول المتقدمة.
إنها لإنجازات رائعة عملاقة تزداد عمقا وشموخاً عاماً بعد الآخر مع مرور ذكرى هذا اليوم التاريخي يوم تأسيس المملكة العربية السعودية، لهذا يظهر الفخر والاعتزاز من كل مواطن بهذا اليوم الوطني الخالد المحفور في القلوب لأنه تجسيد للماضي الأصيل والحاضر المشرق والمستقبل الواعد. فقد تحققت نهضة صناعية وزراعية نالت الإعجاب والتقدير من الزائرين والمطلعين، ليس هذا فحسب وإنما أصبح للمملكة أسواق عالمية وعربية ودولية تصدر لها المنتجات الزراعية ومنتجات صنع في السعودية التي تلعب دوراً عظيماً في تنويع القاعدة الاقتصادية مما جعل المملكة لا تعتمد فقط على تصدير النفط. وفي هذا العهد الميمون ظهرت أعظم وأجل الخدمات التي قدمت وتقدم للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وهي الاهتمام المتزايد بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة فقد جاءت في هذه الفترة أعظم وأضخم توسعة للمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، مما جعل الحجاج والمعتمرين يؤدون مناسكهم بكل يسر وسهولة وهناك مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف وترجمة معانيه بأغلب لغات العالم. كما تم تشييد العديد من المساجد ليس بالمملكة فحسب وإنما شملت كثيرا من دول العالم ليكون أكثرها مراكز اسلامية ضخمة لها دور هام في نشر الدعوة الإسلامية في الخارج، ولا نغفل عن الإغاثة الإسلامية التي تقدمها المملكة سنويا لكثير من أبناء المسلمين المحتاجين في معظم دول العالم، زيادة على ذلك نجد الدور المرموق الذي تؤديه المملكة للدول العربية والإسلامية، ويشيد قادتها وزعماؤها بالوقوف بجانبهم بالدعم والمساعدة والمساندة لكثير من القضايا والمحن والكوارث، هذا بجانب الخدمات والأعمال العظيمة التي تقدمها المملكة في صورة منح لبعض الدول الشقيقة والصديقة.
وموقف المملكة العربية السعودية المشرف من القضية المحورية قضية العرب والمسلمين الأولى في فلسطين لم يتغير ولم يتبدل بل موقف ثابت لنصرة الشعب الفلسيني وتحرير المسجد الأقصى بالمواقف السياسية والدعم المادي والمعنوي منذ الأيام الأولى لاغتصاب فلسطين حتى هذه اللحظة.
إنه أهم دليل على إخلاص المملكة وصدقها نحو قضايا الأمتين العربية والإسلامية.. فهنيئا للعرب والمسلمين بهذا القلب النابض الذي يشع حيوية ونشاطاً ويحقق الآمال والتطلعات وأثمر واقعاً يقتدى به.
(*) عضو مجلس الشورى رئيس الغرفة التجارية الصناعية بالقصيم |