يومنا الوطني يوم تذكر الأمجاد، انه يوم يقف على هرم الانجازات المتمثلة في الانتصارات المتتابعة بدءاً باسترداد الرياض ومروراً بتوحيد البلاد، لقد خرج القائد من عاصمة حكمه الرياض بعد استردادها إلى المناطق الجنوبية واستردها قرية بعد قرية، ومدينة بعد مدينة، ثم كر على المناطق الشمالية، فاستردها في حروب متوالية، مع قلة موارد، ولكنها العزيمة تقهر المستحيل، وتفتح الأبواب المغلقة. لقد سار عبدالعزيز عبر الصحراء ليؤلف قلوب البادية، ويعيدها إلى جادة الدين ونبذ كل دخيل عليه. لقد كانت حروب عبدالعزيز تفتح الأمل لمجتمع الجزيرة العربية، فقد كانت الكتيبة تسير في الصحراء وفيها المحارب والواعظ وحافظ القرآن، فهي كتائب جهاد، تعلم الدين وتنشره في أوساط البادية البعيدة عن التعليم. وقد رقت القلوب، ونفرت من العزلة ورغبت في الاستقرار فنشأت قرى البادية التي عرفت بالهجر، لأن البادية هاجرت من الوبر إلى المدر، وفي الهجر بنيت البيوت من الطين، وأسست المساجد، وتعلمت البادية علوم الدين وعلوم الحياة الحضرية، فاشتغل رجال البادية في الزراعة والتجارة بالإضافة إلى مهنتهم في رعي الماشية. وقد تابع عبدالعزيز توحيد البلاد حتى أطلت فتوحاته على البحر الشرقي والبحر الغربي، وفي غمرة الانتصارات رغبت فئة من أبناء البادية ان يكون لها شأن، فشقت عصا الطاعة وأخلت بالأمن فلم يستعجل القائد المحنك في كسر شوكتها فعالج أمرها بالاسترضاء، وأرسل إليها الرسل والوعاظ، فلم تستجب للقائد، وفي تلك الظروف التي فرضت فيها تلك الفئة الاخلال بالأمن في أجزاء من البلاد، عقد القائد مؤتمراً في الرياض، حضره ما يقرب من ألف رجل من الأعيان، من مختلف سكان البلاد الواسعة من حاضرة وبادية، وقد بدأ المؤتمر بعد صلاة الفجر وامتد إلى صلاة العشاء، وعبدالعزيز يتحدث ويستمع للمتحدثين من أبناء البادية والحاضرة، هذه الجلسة المفتوحة التي استمرت أربع عشرة ساعة تخللها التوقف للصلاة والأكل، وصدرت قرارات الجلسة بإجماع الحاضرين تؤكد على الوقوف في وجه الخارجين فخرج عبدالعزيز بعد مشورة أعيان شعبه إلى محاربة تلك الفئة، وخلال أشهر استطاع ان يحسم الأمر ويؤمن البلاد، وكان القائد يقود المعركة بنفسه، ولما هربت فئة إلى الشمال تابعها، ولم يرسل قائداً وإنما سار إلى الدبدبة، وأقام معسكره هناك، فأرسل السرايا الواحدة بعد الأخرى، وأدار العمليات، ويروي شهود عيان انه يخرج بنفسه للقاء الكتيبة العائدة، ويسرع بإمساك فم القربة فيسكب ماءها في الحوض لتشرب الخيل المنهكة، وقد أقام في معسكره في شمالي المملكة حتى انتصر على الخارجين، وأمّن الأجزاء الشمالية، وعاد إلى عاصمة ملكه.
هذا هو عبدالعزيز الملك، وهذا هو عبدالعزيز القائد، وهذا هو عبدالعزيز المستمع إلى كل رأي ينبع من هذا الشعب، لقد كانت الحلقة الأخيرة من سلسلة الحروب التي وحدت البلاد حرب الجنوب، التي وطدت الأمن في الجزء الجنوبي الغربي من البلاد، وبنهاية تلك الحرب نبذت الفرقة، وعد يوم نهايتها يوم اجتماع البلاد، وتوحدها تحت راية التوحيد. فالحمد لله على نعمة التآلف والتآخي وتقارب القلوب، فبلادنا ولله الحمد تنعم بالرخاء والاستقرار من أقصى جنوبها «الطُّوَال» إلى أقصى شمالها «حديثة عرعر» ومن جزر الخليج العربي شرقاً إلى جزر البحر الأحمر غرباً. ولا ننسى ان كل مواطن في هذه البلاد مدين للقائد عبدالعزيز الذي أتاح له العيش الرخي عن طريق توحد البلاد تحت اسم «المملكة العربية السعودية» هذا الاسم اتاح لأبناء المناطق الاندماج والانتقال من منطقة إلى أخرى كما أتاح لهم التعليم والتجارة الواسعة. ومن فوائد الاجتماع التكامل الاقتصادي والتنموي، فكلنا على علم باختلاف موارد مناطق المملكة، فهناك منطقة تنتج النفط وهناك منطقة يقتصر إنتاجها على الزراعة والمراعي، وهناك منطقة تشتهر بصيد السمك، فعن طريق الاجتماع تصب موارد البلاد في محتوى واحد، ثم تصرف على مناطق المملكة. فما نشاهده اليوم من فتح العقبات، وشق الطرق في جبال السراة التي تكلف آلاف الملايين ثمرة الاجتماع، وما نشاهد من النشاط التجاري في غربي المملكة وشرقيها ووسطها وشمالها وجنوبها هو أيضاً ثمرة توحد أجزاء البلاد تحت راية واحدة.
لقد انتقل عبدالعزيز من هذه الدنيا بعد ان كون مملكة، ووطد أركانها، فتعاقب أبناؤه سعود وفيصل وخالد على حفظ الأمانة، وها نحن اليوم ننعم برعاية خادم الحرمين الشريفين لهذه المملكة التي كونها والده، فقد حمل الأمانة وقاد السفينة بدراية وعلم، فانتشر التعليم وانخفضت نسبة الأمية في البلاد، وازداد الوعي الصحي، وارتقت معيشة المواطن، وانتقل في سكنه إلى طور جديد، فمن يسير في القرى والمدن يرى بأم عينيه التحول المدهش من السكن التقليدي إلى السكن الحديث، لقد هجرت القرى القديمة ونشأت بجانها قرى حديثة، وهذا التحول خاص بهذا العهد الميمون، الذي تميز بازدهاره في جميع المجالات، ففي مجال عمارة المساجد شهد الحرمان الشريفان عمارة حديثة، وسعة فسيحة، أتاحت لأعداد كبيرة من المسلمين تأدية عبادتهم في راحة واطمئنان، وفي مجال خدمات الحج وزوار مسجد رسول الله في المدينة المنورة شقت الأنفاق، ومهدت الطرق، وفتحت الساحات حول الحرمين، وهيئت وسائل الانتقال من المشاعر. ومع أمن الحاج والزائر على نفسه وماله، فطرق الحج آمنة بعد ان كانت عرضة لعبث اللصوص، فمنذ عهد الموحد إلى عهد خادم الحرمين الشريفين والحجاج تحوطهم رعاية الله، ويقف على خدمتهم رجال الدولة السعودية الذين يوفرون لهم كل متطلباتهم.إنما تعيشه المملكة العربية السعودية من أمن وازدهار في التعليم والصحة والمواصلات والاتصالات والزراعة وجميع الخدمات، ثمرة جهد الموحد وجهد أبنائه من بعده..حفظ الله خادم الحرمين، وولي عهده الأمين، والنائب الثاني، فلا زالت البلاد ترفل في ثوب العز تحوطها رعايتهم، وتشملها عنايتهم، فتخطو إلى الأمام في يومها الوطني خطوة جديدة تضاف إلى خطوتها السابقة التي وضعتها في صف الدول التي حققت المكاسب.. أدام الله أفراح هذه البلاد في ظل القيادة الرشيدة.
|