Monday 23rd September,200210952العددالأثنين 16 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

قراءة في فكر المؤسس قراءة في فكر المؤسس
د . محمد بن عبد الله ال زلفة

يُعد ظهور الملك عبدالعزيز على المسرح السياسي العربي تحولاً كبيراً في الحياة السياسية العربية، خاصة أنه جاء في أحلك وأصعب فترة مرت بها أمتنا العربية، ونقطة تحول خطيرة في حياة أمتنا الإسلامية، فالأمة الإسلامية - ممثلة في رمز بقايا وحدتها - المتمثل في الدولة العثمانية - كانت تخطو الخطوات الأخيرة نحو النهاية. وأمتنا العربية بصفتها جزءاً من إرث الدولة العثمانية كانت الأكثر عرضة لأخطار التهديد من قِبل القوى الاستعمارية الأوروبية لإكمال اقتسام البلدان العربية التي كانت خارج دائرة سيطرة الاستعمار، وهذا ماتم رسمه بوضوح في اتفاقية سايكس -بيكو بين أهم قطبي الاستعمار الغربي بريطانيا وفرنسا، اللتين وقفتا في خندق واحد ضد الدولة العثمانية، واتفقتا على تقسيم إرثها بينهما.
لهذا فإن ظهور الملك عبدالعزيز على المسرح في هذه اللحظة الحاسمة الخطيرة في تاريخ هذه الأمة جاء في الوقت الصعب والحاسم، وكان القدر قد دخره لهذا الوقت للقيام بدوره الخالد والعظيم بوصفه مؤثراً رئيسياً، ومهندساً بارعاً لرسم معالم طريق المستقبل السياسي العربي والإسلامي وقد مكنه من القيام بهذا الدور عدة عوامل منها:
1- أهمية المكان الذي مارس فيه دوره بالشكل الصحيح.
هذا المكان هو الجزيرة العربية موطن العرب ومهد الإسلام، أكثر بلاد الأرض قاطبة وبلاد الإسلام بشكل خاص طهراً؛ فلم تدنسها أقدام مستعمر، ولم يُعبد فيها غير الله، ولم تلوث أصالة وثقافة وفكر أهلها ثقافة دخيلة، أو تلوث عقولهم ميراث بقايا عبادات صنمية أو خرافات أو بدع لا تتفق مع الفطرة السليمة، ولذا كانت رسالته العمل على وحدتها، والحفاظ على سلامتها من أن تكون فريسة لمؤامرات التقسيم.
2- تحديد الهدف بشكل واضح المعالم لما يريد، وهو توحيد أرض العرب على محجة واحدة لايختلف معه فيها أحد من أبناء جزيرة العرب وهي المحجة البيضاء الناصعة البياض التي بها وحد نبينا العظيم هذه الأمة ذاتها قبل أربعة عشر قرناً.
3- اعتماده على الله سبحانه وتعالى، ثم على الإمكانات الذاتية لتحقيق الهدف، وعدم الركون إلى دعم حليف أو التعويل عليه في تحقيق أهدافه.
4- السمات الشخصية في القيادة المتميزة، فهو قائد سليل أسرة أنجبت القادة، الذين يعرفهم كل عربي في الجزيرة العربية تتمثل فيه صفاء ونبل وكرم وشجاعة القائد المثالي في مخيلة كل عربي أصيل في جزيرة العرب يعرف تماماً معاني هذه الصفات.
5- يملك إلى جانب الصفات التي يثمِّنها ويقدِّرها كل عربي وينشدها في قائده - ولاينقاد بسهولة لغير المتصف بها- يملك عقلية متفتحة، وحنكة في السياسة، ومعرفة بتطوراتها مستفيداً من تجربة سنوات المنفى والاغتراب عن الوطن في منطقة كانت ملتقى التناقضات الفكرية والسياسية، وإحدى مناطق التقاء صراع الامبراطوريات، تلك كانت الكويت - الإمارة الصغيرة - ذات الموقع الجغرافي الصغير المتميز، المتميز في وضعه الجيوبلوتيكي. فهناك كانت تتصارع الامبراطوريات، الامبراطورية البريطانية، والامبراطورية العثمانية، والامبراطورية الروسية، والقوة الصاعدة التي كانت تهدد كل هذه الامبراطوريات مجتمعة (ألمانيا).
في هذا المناخ السياسي قضى عبدالعزيز زهرة سنوات شبابه لم تذهب منها دقيقة واحدة في أمور عبثية، بل كان منذ نعومة أظفاره يحمل همَّ وطنه البعيد عنه، وهمَّ أسرته المنفية عن مجدها وحكمها، وهمَّ شعبه وأبناء وطنه، الذين فرقتهم الإحن والحروب القبلية، ويعيشون حالة ضياع سياسي واجتماعي وديني واقتصادي دون ان يعرفوا أنهم في حالة ضياع، لأن الجهل المتمثل بكل أشكاله، الضارب بأطنابه في كل ركن من أركان جزيرة العرب هو المشكل الرئيسي الذي غيَّبهم عن كل شيء، وعن كل ما حولهم، وعن كل مايحاك بهم من قبل الأعداء القريبين منهم والبعيدين.
لكن عبدالعزيز- الذي من خلال موقعه، ومن خلال بناء تفكيره ومتابعته الدقيقة لكل مايحدث حوله، ومايُرسم ويُعد لكل المنطقة - ومنها بلاده الجزيرة العربية- كان وحده هو الذي يحلل ويدقق، ويناقش ويحاور، ويقرأ مايكتب في صحف الحواضر العربية، أو الصحافة العربية التي تصدر في بعض العواصم العالمية، مثل استانبول وباريس ولندن، التي مكنه من الاطلاع عليها المناخ الفكري المتميز المنفتح في بيئة الكويت الصغيرة في جغرافيتها، المؤثرة بموقعها وانفتاح أهلها.
هذه من جملة المؤثرات، وأبرز العوامل التي أعدت عبدالعزيز ليقوم بدوره التاريخي في استعادة دولته، وتوحيد أمته، وترسيخ مبادئ الحق والعدل والأمن والاستقرار الذي افتقدته الجزيرة العربية طويلاً.
في مطلع عام 1902م، أي منذ مائة عام قبل اليوم عاد عبدالعزيز ابن الثالثة والعشرين عاماً من منفاه فاتحاً لعاصمة هي مسقط رأسه، وهي حلمه، وهي سر خلق روح العظمة والتطلع والطموح في نفسه، غادرها صغيراً، وحمل همَّ الحلم بيوم العودة إليها منتصراً، إذ لم يكن يعرف للحياة طعماً وهو بعيد عنها. لم تكن لعبدالعزيز حياة خاصة - بمعنى العبث وإضاعة الوقت في أمور هامشية - في سنوات مراهقته وبواكير شبابه، وهي غالباً المرحلة الزمنية في حياة كل شاب لرسم ولو صورة لتخيل رومانسي. لم يكن في حياة عبدالعزيز سوى الرياض، محبوبته ومعشوقته وآسرة كل عواطفه، ولم تدع له مجالاً للتفكير في أي شيء آخر.
كان ولهاً بلحظة لقاء المعشوقة، كان لاينظر إلى العالم إلا من خلال عيون محبوبته الرياض، كان يرى في يوم لقائه بها تحقيق الحلم الكبير، تحقيق العرس الوطني الأكبر، كانت لحظة اللقاء هي سر تحقيق الحلم، هي مفتاحه، وهي قاعدة انطلاقته، وهي مطلع شمس الحلم لتحقيق وحدة الوطن. وهكذا شاء القدر ان تكون الرياض تماماً كما رسمها عبدالعزيز في تخيلاته وهو يخلو بنفسه على ضفاف مياه شواطئ الكويت، وما أكثر ما كان يخلو بنفسه على ضفاف شواطئ الخليج وهو يرى سفناً تحمل أعلاماً لدول مختلفة كان يزداد غيظاً، ويمتلئ قلبه حسرة، ويثير ذلك الغيظ في نفسه السؤال بعد السؤال إلى متى ومتى سأرى علم المجد مشرعاً مرفرفاً مرفوعاً فوق سارية قصر الإمام فيصل بن تركي في قلب الرياض الحبيبة، ومتى سأرى رايات سفن بلادي وهي تحجب الشمس عن مياه الخليج العربي... إن شمس تحقيق الحلم لن تشرق إلا من الرياض.
وفي أول شهر يناير 1902م سطعت شمس الحلم مشرقة حقيقة من الرياض، لتنير معالم طريق تحقيق حلم عبدالعزيز الكبير، وهو حلم لم يكن عبدالعزيز وحده يرنو إليه، إنما هو حلم أمة بكاملها جسَّده عبدالعزيز ليصبح حقيقة ماثلة نعيشها اليوم.
كان عبدالعزيز يدرك أن الحلم شيء وتحقيقه شيء آخر، وكان يعرف ان الطريق إلى تحقيق الحلم جداً شاق وصعب، وكان يدرك الأخطار، وضخامة المغامرة، ولكن بفضل الله، ثم بفضل العوامل التي أشرنا إليها في البداية كان أشد صلابة، وأكثر إصراراً على تحقيق الحلم مهما كانت الصعاب، ومهما كانت جسامة الأخطار.
كان عبدالعزيز شديد الإيمان، قوي العزيمة، صادقاً مع نفسه ومع قومه، محنكاً في سياسته، شجاعاً في ميادين القتال، واقعياً في التعامل مع كل الأحداث، يعرف كيف يتعامل مع كل حدث بمعطياته وظروفه، لايعرف الخوف في اتخاذ القرار، ولكنه لم يتخذ قراراً دون ان يدرسه من جميع جوانبه؛ لم يعرف أنه مستبد برأيه، بل كان دائماً يستعين بأصحاب الرأي والمشورة، وأصحاب الاختصاص؛ فكان يستشير العلماء في القضايا الفقهية والشرعية مع أنه يعرفها معرفة جيدة، فهو يكاد يكون في مرتبة العلماء، فهماً ومعرفة واطلاعاً على كتب العلم الشرعي، ولذلك منحه الله هذه الهبة التي تمكنه من اتخاذ قراره بعد الاستشارة مؤسساً اتخاذ قراره على معرفته، وليس من خلال من أشار عليه فقط، وبهذه الموهبة الربانية تجاوز كثيراً من الصعاب.
وكان يستشير أصحاب السياسة في الشؤون الدولية التي تعتمد على عمق المعرفة بتفاصيل مايحدث في دهاليز صناعة القرار السياسي في البلاد الأجنبية، وكان من صفاته انه ذكي لماح شديد سرعة الفهم، اذهل كثيراً من الأجانب من قدرته على التفاعل مع أكثر من حدث، ومعالجة أكثر من قضية في آن واحد، وبفهم وإدراك قلَّ وجودهما في زعيم أمة.
احتضن الملك عبدالعزيز أصحاب الكفاءات الوطنية، وأصحاب التخصص في الشؤون السياسية والإدارية والمالية والقضائية والتنظيمية، أينما كانوا، ومن أي منطقة كانوا، وكان يُقرب كلاً منهم، ويتعامل معه ويكاتبه وكأنه صديقه الشخصي، ومنحه الله محبة الرجال وتفانيهم في خدمته، والاخلاص له بشكل مذهل حتى الأجانب من غير أهل هذه البلاد الذين وفدوا لظرف أو لآخر للتعرف عليه، فأذهلتهم شخصيته القيادية، ووضوحه وصدقه، فبقي كثير منهم مصاحباً له وأصبح من مستشاريه.
ومن خاصة رجاله من الأجانب غير العرب الحاج عبدالله فيلبي السياسي البريطاني الذي أعجب بعبد العزيز، فترك وظيفته الرفيعة في السلك السياسي البريطاني ليكون مواطناً عادياً في بلاد عبدالعزيز ويصدقه النصيحة فيما يسأله الملك عنه، خاصة فيما يتعلق بالأوضاع الدولية. ومن الأجانب أيضا محمد أسد النمساوي الذي أسلم وحسن إسلامه، وتحدث عن قصة إسلامه ومعرفته بالملك عبدالعزيز في كتابه الشيق «الطريق إلى مكة» بعد ان دخلها الملك عبدالعزيز، وهؤلاء وغيرهما كثير. لهذا لم يكن غريباً ان يكتب كل من قابل الملك عبدالعزيز من العرب والأجانب مبعوثين سياسيين، أو سفراء أو رؤساء دول، أو صحافيين، أو أدباء أو شعراء أو غيرهم بإعجاب شديد عن شخصية هذا الزعيم، الذي نادراً ما أجمعت الناس كلها على موقف موحد عن شخصية مثلما أجمعت على شخصية كبيرة مثل عبدالعزيز.
كان الملك عبدالعزيز وحدوياً في شعوره وتوجهاته، فلم يجتمع في ديوان حاكم عربي تجمع عربي مثلما تجمع في ديوان الملك عبدالعزيز؛ فقد كان ديوان جلالته يُعد جامعة دول عربية، إذ كان من العاملين فيه حافظ وهبة المصري ومعه من المصريين غيره، وبشير السعداوي الليبي ومعه من الليبيين غيره، وفؤاد حمزة اللبناني ومعه من اللبنانيين غيره كثير، وعبدالله الدملوجي من العراق ومعه من العراقيين كثير مثله، ومحمد أمين التميمي من فلسطين ومعه من الفلسطينيين كثير مثله، ويوسف ياسين من سوريا ومعه من سوريا كثيرون مثله، وأيضا من الجزائر، واليمن، وتونس، والبحرين، والكويت، والسودان وغيرهم.
هذه الكوكبة العربية المميزة التي احتضنها الملك عبدالعزيز كان أكثرهم مناضلين هاربين من بلادهم الواقعة تحت الحكم الأجنبي، ولم يجدوا ملاذاً يلوذون به سوى بلاد عبدالعزيز بلاد العرب التي هي دائماً بيت وملاذ لكل عربي إلى اليوم.
هذه لمحات من حياة زعيم له في أعناقنا - نحن أبناء هذا الوطن - دَيْن ومحبة وولاء، سنورثها لأبنائنا وأحفادنا لقاء ما قدمه من أجلنا من أعمال خالدة يعجز أساطين كتابة التاريخ عن حصرها، فضلاً عن ان يوفوه حقه.

* عضو مجلس الشورى

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved