Monday 23rd September,200210952العددالأثنين 16 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

د.هيثم الكيلاني الباحث في الشؤون الإستراتيجية والعسكرية والخبير السابق في جامعة الدول العربية لـ«الجزيرة»: د.هيثم الكيلاني الباحث في الشؤون الإستراتيجية والعسكرية والخبير السابق في جامعة الدول العربية لـ«الجزيرة»:
ما قام به الملك عبدالعزيز من عمل توحيدي درس نتعلمه وندرك مغزاه
المملكة تشغل مركزاً قيادياً فاعلاً في العالمين العربي والإسلامي مبنياً على عوامل تأسيسه

* دمشق ـ عبدالكريم عفنان:
*الجزيرة: تحتفل المملكة العربية السعودية بذكرى توحيد لمملكة موحدة على أسس متينة جعلت منها تجربة فريدة في الوطن العربي، قادها مؤسس المملكة، الملك عبدالعزيز آل سعود.. ما الذي يمكن أن يُقال في مثل هذه التجربة، خصوصاً وأن قيامها جاء في فترة كانت الأمة ترزح تحت نير الاحتلال والتمزق؟
ـ أسّس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ طيب الله ثراه ـ المملكة العربية السعودية على مبادىء الإسلام، وبخاصة «الوسطية» تنفيذاً لقوله تعالى {وّكّذّلٌكّ جّعّلًنّاكٍمً أٍمَّةْ وّسّطْا لٌَتّكٍونٍوا شٍهّدّّاءّّ عّلّى النَّاسٌ وّيّكٍونّ الرَّسٍولٍ عّلّيًكٍمً شّهٌيدْا} [البقرة: 143].
وقد استطاع عبدالعزيز بشخصيته القيادية السياسية والعسكرية، وبتمسكه بمبادىء الإسلام قولاً وفعلاً، أن يوحد أطراف الجزيرة العربية، وبخاصة نجد والحجاز تحت حكم واحد، وبشريعة واحدة هي الشريعة الإسلامية، ومن أجل العمل الفردي والجماعي لتطبيق مبادىء الإسلام وخدمتها.
ولقد كانت عملية توحيد أطراف الجزيرة العربية نموذجاً أولاً للوحدة العربية، ومن ثم للوحدة الإسلامية، وإذا كان الملك عبدالعزيز قد قضى نحو ربع قرن من أجل إنجاز عملية التوحيد، فلأنه استخدم الحكمة والصبر والتعقل، إلى جانب الصلابة والتمسك بمبدأ التوحيد.
وقد استطاع الملك عبدالعزيز بحكمته وقيادته أن يجنب عرب الجزيرة الاحتلال الأجنبي والتمزّق. ولقد سلك من خلفه بعد ذلك حتى يومنا هذا المسلك نفسه في الحفاظ على وحدة المملكة شعباً وأرضاً.
وإذا كانت فلسطين تواجه الاحتلال الفلسطيني اليوم، فإن المملكة تقف مع الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال ومن أجل الاستقلال مضحية بكل إمكاناتها وقدراتها في سبيل مساعدة شعب عربي مسلم.
*الجزيرة: في الإطار التحالفي التعاوني لمجلس التعاون الخليجي الذي جعل من الكيانات الخليجية كياناً قوياً قادراً على تغيير مجرى السياسة العربية لصالح الأمة، وهذا الإطار يشتد عوده يومياً خصوصاً وأن المجلس يدرس انضماماً كلياً لليمن.. ما هو دور المملكة في تقوية هذا التحالف التعاوني لدول الخليج العربي؟
ـ كانت المملكة، ولا تزال واسطة العقد في مجلس التعاون لدول الخليج العربية وهي لم تستخدم دورها القيادي هذا إلا في مصلحة الأمتين العربية والإسلامية.
كما أنها لم تنطلق قط من نظرة ضيقة أو إطار محدود، فهي في تعاملها مع اليمن، مثلاً، سواء في حل مشكلة الأراضي المتنازع عليها والحدود، أو في إمكان انتساب اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي انتساباً كاملاً سعت إلى تعزيز المجلس وتقويته وجعله معبِّراً عن جغرافية الجزيرة العربية.
لا ريب في أن منطقة مجلس التعاون أصبحت ـ وكانت كذلك ـ تشكل منطقة تعاونية في مختلف المجالات. وقد استطاعت المملكة أن تؤسس العلاقات بين دول المجلس على أساس التعاون وتنسيق الإمكانات وتوظيفها لمصلحة الأمن والسلام والاستقرار في الإطارين العربي والإسلامي.
*الجزيرة : تحتل المملكة العربية السعودية مركز القيادة في الوطن العربي لعدّة اعتبارات، أولها ديني، وثانيها سياسي، وثالثها اقتصادي، وهي لهذه الاعتبارات تلعب دوراً مهماً في التوازن الإقليمي يدعمه حكمة قيادته.. إلى أي مدى تتفق معي في هذا الطرح؟
ـ تشغل المملكة في الوطن العربي، إلى جانب العالم الإسلامي، مركزاً قيادياً فاعلاً مبنياً على العوامل التي كان الملك المؤسس قد أقام المملكة عليها، وواصل أبناؤه تعزيزها وتوظيفها لمصلحة الأمة العربية والأمة الإسلامية، وهذه العوامل والعناصر هي: القوة الاقتصادية، والقوة السياسية، والقوة الثقافية والحضارية، والقوة العسكرية.
واذا كان تاريخ المملك يشير إلى أن المملكة لم تشغل قط مكانتها الإقليمية والدولية بسبب القوة العسكرية فلأن المملكة لم تجعل لتلك القوة مكانة في استراتيجيتها إلا في الجانب الدفاعي فقط، وبما يهدف إلى ردع الخصوم وحماية التراب الوطني وصيانة المقدسات الإسلامية وأمنها.
وعلى هذا، فقد غدت المملكة عنصراً مؤثراً وفعالاً في الميزان الإقليمي بحيث انها أصبحت عاملاً مؤثراً في شؤون السلم والتنمية في المنطقة، إلى جانب دور المملكة الدولي الذي يتميز بالوضوح والصلابة في الدفاع عن الإسلام والمسلمين وفي تعزيز السلم والأمن الدوليين.
*الجزيرة: في وقت حرج من تاريخ الأمة العربية ومن حالة شتات وفرقة واختلاط أوراق اللعبة السياسية العربية برزت مبادرة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، لتعمل على لم الشمل العربي وتوحد الأمة على كلمة واحدة وتصبح بعد ذلك مبادرة عربية موحدة، إلا أن اختلال موازين القوى لصالح الأعداء، جعل من هذه المبادرة مقبولة عربياً ومرفوضة امريكياً.. ما هو تعليقكم على هذا الطرح؟
ـ كانت المملكة، ولا تزال، عامل أمن وسلام واستقرار في المنطقة وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي، ولهذا قدم خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبدالعزيز إلى قمة فاس الأولى ـ وكان ولياً للعهد يومذاك ـ مشروع استراتيجيته الذي يتضمن مبادىء ثمانية، تبنتها قمة فاس الثانية في 9/9/1982م.
ولقد أدركت المملكة أن قرار القمة المنعقدة في القاهرة (5ـ7 صفر 1417هـ ـ 21ـ 23/6/1996م والقاضي بجعل السلام العادل والشامل هدفاً وخياراً استراتيجياً، جاء خالياً من أي آلية أو تكامل يحدّد المطالب والالتزامات، فقدم ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، باسم المملكة مشروع سلام عربي تبناه مؤتمر القمة الذي انعقد في بيروت (27 ـ 28/3/2002م) فأصبح المشروع قراراً عربياً. بيد أن هذا القرار ـ وهو مبني على السلم وهادف إلى تحقيقه ـ جاء خلوّا من أي قوة تدعمه أو تفرضه، لهذا ظهر ذلك الخلل في موازين القوى واضحاً، وبخاصة أن الطرف المعادي، وهو إسرائيل ، ينال الدعم المطلق والحماية من الولايات المتحدة، القوة المسيطرة على النظام العالمي لهذا أصبحت مبادرة السلام العربية، مدعومة عربياً ومرفوضة أمريكياً وإسرائيلياً.
*الجزيرة: على اعتبار أنك خبير سابق في جامعة الدول العربية، وباحث استراتيجي.. ما هو دور المملكة العربية السعودية في تأسيس جامعة الدول العربية ولم الشمل العربي؟
ـ حينما تأسست جامعة الدول العربية في مارس 1945م، سبقتها مباحثات مع حكومات الدول العربية المستقلة ـ وكانت يومذاك سبعاً ـ ادارتها الحكومة المصرية وأدّت إلى عقد «بروتوكول الاسكندرية» الذي بني عليه «ميثاق جامعة الدول العربية» وقد لعبت السعودية يومذاك دوراً رئيسياً في صوغ البروتوكول ثم الميثاق إلى جانب ما قامت به من توفيق بين وجهات النظر المختلفة. ومن الجدير بالذكر ان المملكة تجاوزت وقتئذٍ خلافاتها مع بعض الدول العربية، من أجل التوصل إلى تحقيق التضامن والتنسيق ولم الشمل العربي في إطار منظمة إقليمية خاصة بالدول العربية.
*الجزيرة: كلمة أخيرة بمناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية؟
ـ لا شك في أن اليوم الوطني للمملكة هو مناسبة وطنية بالنسبة إلى مواطني المملكة، وقومية بالنسبة إلى العرب غير مواطني المملكة، من أجل التأكيد على مفهوم الوحدة . فقد أثبت تاريخ أكثر من نصف قرن في الإطار العربي، ان المشكلة الرئيسية تكمن في أن المنظمة القومية، وهي الجامعة العربية، مؤلفة من (22) دولة، أي من (22) قيادة عسكرية بـ(22) إرادة سياسية.
وهذا أمر طبيعي، في حين أن العدو الصهيوني ينبعث في سياساته، وبخاصة احتلالالته، من إرادة واحدة وقيادة واحدة.
إن ما قام به الملك المؤسس عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ طوال ربع قرن من قيادته وحكمه، بهدف توحيد أطراف الجزيرة العربية، يبقى درساً نتعلمه، وندرك مغزاه.
منهج الملك عبدالعزيز في تشكيل مستقبل المملكة العربية السعودية
** السؤال المحوري الذي تدور حوله النظم العالمية في قديمها وحديثها، يتمثل بالسؤال إلى أي مدى يمكن تطوير مفردات القوة التي تتمتع بها الدولة وتحويل هذه المفردات الى نشاط مستمر تمارسه الدولة بما يحقق مصالحها المباشرة وغير المباشرة..؟
من هذا المنظور فقد استطاع الملك عبدالعزيز أن يحدد مفردات القوة لبلاده ويعمل بعد ذلك على وضع قوانين النمو لها، والملاحظة التحليلية لتجارب المملكة العربية السعودية في التنمية الشاملة منذ عهد الملك عبدالعزيز حتى وقتنا الراهن، تبيِّن النقلة الحضارية المذهلة التي تحولت فيها المملكة من مجتمع قبلي تسوده أجواء التفرقة والضعف الى دولة حديثة قوية متماسكة بوحدتها الوطنية يخضع فيها جميع المواطنين لسيادة الدولة من خلال الدستور، ومما لا شك فيه أن نشأة الملك عبدالعزيز في بيئة صعبة وغير مستقرة على الصعيد السياسي، أكسبت شخصيته خبرة كبيرة لادارة قضايا بلاده الداخلية والخارجية، والحنكة السياسية التي اتسمت بها شخصيته وتلازمها مع الوعي بأسس التغيير، مجمل هذه الأمور لعبت دوراً مهماً في وضع المعالم الأساسية لشخصية المملكة العربية السعودية ومستقبلها، فقد رأى الملك عبدالعزيز وذلك من خلال تحليل برنامجه الاصلاحي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، انه لا سبيل أمام أي مجتمع يطمح بمستقبل زاهر يحفظ لجميع أبنائه حياة كريمة، إلا أن يعمل على تحقيق الشروط الأساسية لتكوين بنية الدولة، وهي كالآتي:
الشرط الأول
لا بد من قيام وحدة سياسية للبلاد وهي بمثابة موطن العقل من الجسم، فقد استطاع الملك عبدالعزيز توحيد شطري المملكة، وباجماع الباحثين والمحللين السياسيين فإن الوحدة السياسية التي أرسى دعائمها الملك عبدالعزيز وضعت نهاية لأكثر المناطق اضطرابا في تاريخ العرب الحديث، والحقيقة انه لولا هذه الوحدة السياسية لتغير تاريخ العرب الحديث برمته نظراً للمكانة الكبيرة التي تحتلها السعودية على الخريطة السياسية العربية والدولية.
الشرط الثاني
ما يرتبط بالتنمية البشرية، الواقع ان الملك عبدالعزيز استطاع من خلال قدرته على استشراف المستقبل ان يطور نسقا متكاملا من مفردات التنمية الشاملة على الرغم من كل العقبات الكبيرة التي واجهت مشروعه النهضوي، ويدرك الباحثون في مجال التنمية الشاملة ان المجتمع الحديث كي يصل إلى أهدافه لا بد من إعداد الانسان القادر بفعله التغييري على احداث نقلات حضارية لمجتمعه. لذلك رأينا أن الملك عبدالعزيز وضع التعليم كأولوية لبرنامجه الاصلاحي، فعمل على نشر المدارس ومؤسسات التعليم الأخرى في جميع أرجاء المملكة، وبحلول عام 1373هـ - 1953م السنة التي توفي فيها الملك عبدالعزيز - رحمه الله - كان في بلاده (321) مدرسة ابتدائية تضم 732.43 تلميذاً و1625 معلماً، ومعهدان عاليان يضمان 534 طالبا و43 معلماً ومعهداً لتدريب المعلمين وكلية للشريعة، وقد بلغت ميزانية التعليم في عام 1372هـ - 1953م ما يقارب 20 مليون ريال، وهذه النسبة في ذلك الوقت تعد مؤشراً مهماً على الاهتمام بتنمية الانسان على اعتباره الهدف الرئيس للتنمية الشاملة.
وقد وصلت السعودية اليوم في مجال التربية والتعليم الى مستويات متقدمة، وبالخصوص قدرة نظامها التعليمي على مواكبة مستجدات العصر ومتغيراته، وهذا ما أكدته وتوضح من خلال الملامح والاتجاهات الجديدة التي وضعتها المملكة لتطوير التعليم، وقد ورد في الملامح ما يأتي:
1- السعي الحثيث لتطوير التعليم العام ليتواءم مع ما يمر به المجتمع من تطور سريع في النواحي الاجتماعية والاقتصادية وللملاءمة مع التغيرات التقنية المتوقعة.
2- العمل المتصل لدعم التعليم الفني والتوسع فيه.
3- مراجعة وتطوير المناهج وطرق الاعداد والتدريب.
4- دعم التعليم العالي بما يسمح له بأن يقدم برامج الدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه وبما يسهم في ربط البحوث الجامعية بطموحات وتطلعات المجتمع.
ولا يستطيع أحد اليوم أن ينكر ان المنهج الذي وضع معالمه الملك عبدالعزيز جعل المملكة العربية السعودية تحتل موقعا بارزا على الخريطة السياسية الدولية، بل انه جعل المملكة دولة قوية تتعامل بكل جرأة مع المخططات الدولية التي تستهدف العالم العربي وخاصة المخططات الصهيونية وأطماعها في العالم العربي، فقد أرسل الملك عبدالعزيز في عام 1364هـ - 1945م رسالة الى تشرشل يقول فيها:
«ذلك هو حق العرب في فلسطين الذي يريد دعاة الصهيونية غمطه وإزالته بشتى وسائلهم التي اخترعوها وبيّنوها، وعملوا لها في أنحاء العالم بالدعايات الكاذبة، وعملوا في فلسطين من المظالم وأعدوا للعدوان على العرب، وهم يعدون العدة لخلق شكل نازي فاشستي في وسط بلاد العرب».
ومن أجل استرداد حق العرب في فلسطين كانت السعودية ومازالت من أكثر الدول العربية والاسلامية دعما للقضية الفلسطينية، سواء بالدعم المادي أو السياسي من خلال الوزن السياسي الكبير للمملكة في المحافل الدولية، وحين اندلعت الانتفاضة الفلسطينية رأت المملكة انه من الأهمية زيادة الدعم المادي لتلبية احتياجات الاسرة الفلسيطينية من اجل ان تبقى الانتفاضة مستمرة في وجه الصهيونية، ذلك على الرغم من كل أشكال الضغوط السياسية من بعض الدول العظمى على المملكة العربية السعودية، لكنها كانت جميعها ترتطم على صخرة صمود الموقف السعودي لاسترجاع الحق العربي المغتصب، وقد رفضت المملكة مراراً وما زالت ترفض المساومة على أي شبر من الأراضي العربية المغتصبة، ونقرأ في كلمات الملك عبدالعزيز في رسالته الى الرئيس روزفلت بتاريخ 26 ربيع الأول 1364هـ - 10 مارس سنة 1945م، الأسس المتينة التي أرساها جلالته لسياسة المملكة الخارجية بخصوص قضية فلسطين، قضية العرب يقول في الرسالة:
«إن حق الحياة لكل شعب في موطنه الذي يعيش فيه حق طبيعي ضمنته الحقوق الطبيعية وأثرته مبادئ الإنسانية، وأعلنه الحلفاء في ميثاق الاطلنطي وفي مناسبات متعددة، والحق الطبيعي للعرب في فلسطين لا يحتاج إلى بيانات».

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved