إن معيار النهوض بالأمم يكمن فيما لديها من موروث تاريخي أصيل وآخر حضاري متقدم، وأن نهضة بلد ما من البلدان تتمثل في أخذه بأسباب التقدم العلمية والتقنية والصناعية. والمملكة العربية السعودية دولة فتية سخر رب العزة والجلال لها رجالاً أشداء من خير ما أنجبت، وصلوا الليل بالنهار وانقطعوا عن كل عمل لإنجاز تلك المهمة التاريخية الخالدة والتي تجلت في إقامة دولة تتخذ كتاب الله عز وجل وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم منهاجاً لها. ولو ان المعجزة تحققت فأراد الله تعالى لأرض هذه البلاد بسهولها وجبالها وجوها وبحرها أن تتحدث لتقدم الثناء والشكر لمن حول شتاتها إلى اجتماع، وليلها العتيم إلى نور ونعيم لكان ذلك من نصيب مؤسس هذا الكيان جلالة المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه كيف لا وهو الذي وهب نفسه ووقته وماله لخدمتها والذود عن حياضها، وإن ما قام به هذا الرجل الفذ من أعمال جليلة ومنجزات عظيمة من الصعوبة بمكان حصره في هذه الأسطر المحدودة فهو بما لديه من حنكة سياسية وذكاء فطري استطاع أن يترك بصمة له في كل قرية ومدينة واستطاع أن يفرض ايقاعه على كل التجمعات البدوية والحضرية في هذه البلاد طاوياً بذلك صفحة من صفحات التاريخ المظلمة، إيذانا ببدء عهد جديد تضيئه مصابيح العدل والسلام.. ولا ننسى أن نذكر في هذا المقام أهم أعمال الملك الراحل رحمه الله على الاطلاق وهو تربيته القويمة لأبنائه البررة تربية كانت على الأسس الإسلامية الصحيحة الأمر الذي انعكس بصورة إيجابية على تقدم ونهضة المملكة في العقود الخمسة التي تلت وفاة الملك المؤسس حيث جاء من بعده الخلف الصالح سعود وفيصل وخالد رحمهم الله جميعاً وخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز «حفظه الله»، الذي دق أوتاد التنمية الشاملة مثبتاً بذلك أركان البيت السعودي ليقف شامخاً أمام التحديات بكل اصرار وثبات، يشهد له بذلك البعيد قبل القريب، وتشهد له أعماله العظام التي حطمت حاجز الزمان والمكان لتنقل المملكة البلد النامي إلى مصاف الدول المتقدمة، فالمعاهد والكليات، والمنشآت الرياضية والمستشفيات، والاتصالات والمواصلات والصناعات ولي عودة لهذا المجال حتى في مجال السياحة وتحلية المياه المالحة وحماية البيئة الفطرية وغيرها أصبحت المملكة من الدول التي يشار إليها بالبنان في هذه المجالات قياساً بالفترة الزمنية التي قطعتها للوصول لهذا التطور، ولم يكف المليك المفدى الاهتمام بالشؤون الداخلية فحسب، بل زين هذا كله بدبلوماسية رزينة احتوت العديد من الأزمات والصراعات الاقليمية والدولية معتمداً بعد الله على سياسة النفس الطويل والمشورة قبل اتخاذ القرار.
وحيث إن الحديث هنا عن مقام خادم الحرمين الشريفين حفظه الله فليسمح لي القارئ الكريم بأن أذكر بعض مآثر المليك القائد من واقع تجربة ملموسة بحكم عملي كموظف في الهيئة الملكية للجبيل وينبع، فهاتان المدينتان الصناعيتان خير شاهد على منجزات الفهد العملاقة حيث إنهما توضحان مدى النقلة الحضارية التي طرأت على الحياة المدنية في عهده الميمون وتبيان مدى الدقة والسرعة في إنجاز وتنفيذ الخطط والأهداف التنموية الموضوعة بعلمه ومشورته «حفظه الله».
فعندما باشرت الهيئة الملكية للجبيل وينبع عملها بعد أن صدر المرسوم الملكي القاضي بتشكيلها في عام 1395ه «1975م» اختار جلالة المغفور له بإذن الله الملك خالد بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين الذي كان ولياً للعهد آنذاك ليكون رئيساً لمجلس إدارتها لعلمه رحمه الله بحنكة ودراية ساعده الأيمن وحرصه الشديد على الاستفادة من مقدرات بلاده ومكتسباتها، فكان للهيئة الملكية فيما بعد ما لها من النجاحات والإنجازات والتذليل للعقبات والصعوبات التي واكبت بداية التأسيس والتي أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قيام الهيئة الملكية بعمل خطوط أنابيب الغاز والنفط الخام من حقول النفط بالمنطقة الشرقية إلى مصبها الجديد في مدينة ينبع الصناعية، كذلك عدم توفر الكوادر الوطنية المؤهلة لشغل المناصب الإدارية في الهيئة الملكية، وكذلك الطبيعة الجغرافية القاسية للمدينتين وما تم للتغلب عليها من عمليات لردم مياه البحر لإقامة المناطق السكنية والصناعية، والصعوبة الأكبر تكمن في ايجاد المدينتين من العدم فالذي يلقي نظرة على الخريطة الجوية لمحافظتي الجبيل قبل عام 1397ه وينبع قبل 1399ه سيدرك تماماً أنه ليس هناك قبل هذا التاريخ ما يسمى بالمدينتين الصناعيتين وان الذي تحقق في ربع قرن من الزمان شيء من الخيال الذي لا يصدق، فإنشاء الهيئة الملكية للجبيل وينبع كجهاز مستقل مالياً وإدارياً لتشغيل المدينتين وللاشراف عليهما عمل إداري فريد من نوعه في العالم كان له مردوده الايجابي على اقتصاد المملكة، ليعم الخير والرخاء أرجاء هذه البلاد التي تحولت بفضل من الله إلى دولة منتجة بعد أن كانت دولة مستهلكة، ثم بفضل هذا المشروع «الهيئة الملكية للجبيل وينبع» مع توأمه «الشركة السعودية للصناعات الأساسية سابك»، ومن قبلهما «شركة الزيت العربية السعودية أرامكو» ولا ننسى دور القطاعات الأهلية الأخرى التي ساهمت ولا تزال تساهم في دفع عجلة التنمية مع شقيقاتها سابقة الذكر. فقد بلغ حجم الاستثمار في المدينتين منذ بدايات التأسيس حتى هذه اللحظة «200» مليار ريال سعودي.
أسأل المولى جلت قدرته أن يحفظ لهذا البلد أمنه وأن يديم عليه عزه في ظل الرعاية الكريمة من لدن مولاي خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني حفظهم الله جميعاً ذخراً لهذه البلاد.
(*) وكيل رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع |