ماذا يعني اليوم الوطني في حياة الشعوب، هل هو إعلان عن تاريخ قيام دولة ما في ذلك اليوم، أو أنه شعار للدولة، أو مجرد ذكرى عابرة؟؟
هذه التساؤلات يطرحها كل مواطن، من مواطني أية دولة تحتفل بيومها الوطني، وماذا يعني لها الوطن. الوطن أرض وتاريخ ومواطن وحكومة تسير شؤون المواطن. هذه تعريفات أولية، باستطاعة كل مواطن أو يرددها بين الحين والآخر. لكن هناك ما هو أهم من هذا وذاك، وهو معرفة الجيل بالوطن، وماذا يعني له الوطن، خاصة في الظروف الحالية المعقدة، على المستوى العالمي، الذي تحاول فيه العولمة صهر كل شيء فيما تريده، وبالتالي القضاء على ما هو خصوصي، ليصبح عولمي، يسهل على أصحاب المصالح فك رموزه، ووضع رموز خاصة بهم، قد تصعب على المواطن نفسه، فليس هناك من بيئة خاصة به، ليصبح ترساً في آلة الزمن العالمية، ولا يعني هذا أننا معزولون عن العالم، ولكن يبقى لكل جزء من العالم، خاصية معينة.
كان حلم المثقف في جزيرة العرب أن يراها وحدة واحد، وليست أجزاء ممزقة، كما كانت في السابق. وتحقق الحلم، بما يشبه المعجزة، إن لم تكن المعجزة في رأي البعض. فقد سيطر اليأس على الكثير من المثقفين والحريصين على وحدة العرب، في عودة الجزيرة العربية، أو على الأقل أكبر جزء منها، بعد الخلافة الإسلامية، إلى وحدتها. لكن مشيئة الله تعالى بعثت لها من يوحد أكبر جزء منها «الملك عبدالعزيز» ليكون عوناً لبقية أجزائها، وهي تحوط به إحاطة السوار بالمعصم، ويربط بين شرقها وغربها، ويتحمل صيانة مقدساتها، في خدمة المسلمين، على الكرة الأرضية. وقد تفاءل بهذا الإنجاز الكثير من المفكرين والأدباء العرب في ذلك الوقت، وقدم الشاعر الروائي، علي أحمد باكثير قصيد إلى الملك عبدالعزيز في الطائف، يشيد بهذه الوحدة ويرجو أن تكون نواة لوحدة أكبر في المستقبل. وما زال المفكرون يقدرون هذا الدور الحيوي إلى اليوم، فقدموا القصائد والخطب، وكتبوا المقالات، ونظروا إليه على أنه نواة لوحدة أكبر للوطن العربي الكبير، وما يزال نموذج التوحد، في المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومجلس التعاون الخليجي، والاتحاد المغاربي، هو النموذج الناجح، في العالم العربي، بعد فرقة وتمزق ساد العالم العربي لعدد من القرون، كانت نتائجه التفرد اللغوي باللهجات الخاصة البعيدة عن اللسان العربي، حتى أصبح هناك من يشجع هذا التوجه، بهدف الفرقة والشتات للعالم العربي، ليستطيع من خلالها السيطرة على مقدراته، وعقلية أبنائه. ويومنا الوطني ليس شعارا يقوم على عدد من الأهازيج، مع أهميتها، لكنه أبعد من ذلك بكثير، فالكثير من أبنائنا لا يعرفون عن اليوم الوطني شيئا، وقد يمر وكأن شيئا لم يكن، لأن التقصير جاء منا وليس منهم، فلم نشعرهم بأهمية هذا اليوم، خاصة وهو يأتي قبل الدراسة، ولم يفعل على أرض الواقع، بما يلفت أنظار الشباب، من الأشياء الملموسة، البينة للعيان، فالكثير منهم لا يقرأ الصحف، وإن قرأها فسيجد كلاما نظرياً، كالذي أكتبه الآن، قد يكون فهم الشاب قاصرا عن فهم ما أريد قوله، وهو في هذه السن بحاجة إلى التفعيل العملي أكثر من الوصف النظري والسرد التاريخي، ونحن في زمن الفضائيات. ماذا أعددنا لهذه المناسبة الغالية على قلوبنا نحن الذين نشعر بأهمية هذا اليوم، من الوجهة التاريخية والوطنية؟ هل قدمنا إجازات الوطن في يومه الوطني؟ هد تحدثنا عن المشاق التي كابدها المؤسس في سبيل تأسيس الكيان الكبير؟ هل ذكرنا شيئا من المصاعب الجغرافية، التي تم التغلب عليها، بفضل التوحيد، واستفاد منها أهل جزء من معطيات الجزء الآخر، بفضل الوحدة والتعاون والتكاتف؟ لا أنكر ما تقوم به الوسائل الإعلامية، لكنه لا يفي في هذا الزمن، إن لم يكن بجانبه تفعيل.
وأعتقد أن الكثير من شبابنا الذي ظهر على ثمار هذه الوحدة لا يعرف من أين جاءت هذه الثمار، ولم يعلم أنها نتائج مكابدة شاقة في سبيل جنيها.
لا بد أن نفعّل اليوم الوطني لتعرف الأجيال قيمة اليوم نفسه، ونقوم بإشهاره على الملأ، وبأقل التكاليف، بالتعاون بين الجهات الرسمية والشعبية، والقطاعين العام والخاص، كإضاءة الدوائر الحكومية والوزارات، وكذلك الأسواق العامة، والقيام بمهرجان وطني، يحتوي على الفنون الشعبية، والأمسيات الثقافية والشعرية، الشعبي والفصيح. كما يجب تكريم بعض الموظفين المثاليين، والمحلات التجارية الرائدة، التي لها مساهمات خيرية في دفع عجلة التنمية إلى الأمام، وخطابات شكر لرجال الأمن والتعليم والصحة والتجارة والمراقبين الصحيين والفنيين، على ما قاموا به على مدار العام.
كما يساهم القطاع الخاص في اليوم الوطني، بتخفيض الأسعار على المأكولات والمشروبات بما يساوي نصف القيمة، أو ما يراه رجال البلديات ومراقبة الأسواق مناسبا، لا يشكل ضرراً على التاجر، ويسبب له الخسارة، وكذلك السكن في الفنادق ودور السكن المؤقت. وتخفيض الدوام الرسمي إلى نصف المدة اليومية، ومنح مكافآت للعاملين على مدار الساعة، من رجال الأمن والشركات، والمصالح التي تتطلب ذلك. أعتقد أننا لوم عملنا بهذه المقترحات البسيطة سنعرف أجيالنا بيومهم الوطني، على أرض الواقع. وليكن يوم مشاعر وكل عام وأنتم بألف خير.
|