تحتفل الدول والشعوب سنوياً بأيامها الوطنية، والمملكة كجزء من هذا العالم الصغير كان لا بد لها أن تتوقف عند هذا اليوم ليس للذكرى فقط ولكن للاستفادة من العبر والدروس والمواقف والأزمات التي مرت بها هذه السفينة الشامخة تصارع الأمواج وتنتصر عليها وتستمر في الإبحار من بر الى آخر بأمان والحمدلله.
مستمدة قوتها من الثوابت الرئيسية التي قامت عليها الدولة السعودية منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الذي أقام أول وحدة عربية حقيقية في العصر الحديث ووضع الأسس ليقتدى بها والتي قامت على ان الإسلام دين وشريعة ومنهاج لهذا البلد لا بديل له وأن العروبة هي لغتنا وأمتنا وبيتنا الكبير كما ان المملكة جزء من العالم بينها وبينه علاقات تقوم على الود والمصالح المشتركة وأن المملكة تحترم الآخرين ولاتتدخل في شؤونهم كما أنها لاتقبل بأن يتدخل في شؤونها. هذه الثوابت لسياسة المملكة شواهد وحقائق تطبيقها سردها التاريخ فلم تحد عنها أبداً إلا أنه وفي مثل هذه الظروف التي نعيشها وتعيشها أمتنا العربية والإسلامية والعالم أجمع يجدر بنا التطرق لبعض المواقف والقضايا.
1- قضية فلسطين بدءاً بلقاء الملك عبدالعزيز مع الرئيس الأمريكي روزفلت قبل نهاية الحرب العالمية الثانية عندما أبلغه روزفلت برغبة الحلفاء إقامة دولة لليهود في فلسطين وموقف الملك عبدالعزيز الرافض تماماً ورده بأنه إذا كانت المانيا النازية ظلمت اليهود فالمفترض ان يعطى أرضاً في ألمانيا وليس في فلسطين.
2- السياسة تجاه القوى العظمى في العالم بدءاً بالدولة العثمانية ومروراً بفترة الاستعمار والحروب العالمية ثم الحرب الباردة وبروز أهمية النفط، فالملك عبدالعزيز كان يعي تماماً قدراته ويتعامل مع القوى العظمى وفق مبادئ أساسها الاحترام المتبادل وتحقيق مصالح بلده كاملة وتجنيب شعبه ويلات الحرب قدر الإمكان وعدم الدخول في مغامرات غير محسوبة غالباً ماتكون نتائجها سلبية لا تحقق الهدف منها وربما توجد واقعاً جديداً أسوأ من الذي قبله فهو لم يواجه الدولة العثمانية الأقوى منه بكثير رغم معرفته بمحاولاتها المستمرة وتعامل بصبر وحكمة مع استعراض العضلات السياسي العسكري للاستعمار آنذاك على طول حدوده وعرف كيف يستعين بالبريطانيين لمواجهة الأطماع العثمانية وبالأمريكان لمواجهة الأطماع البريطانية دون المساس ببلده وأمنها وشعبه ورخائه وهو النهج الذي استمر عليه أبناؤه، فبالأمس اضطرت المملكة للاستعانة بأشقائها وأصدقائها بما فيهم الولايات المتحدة لردع العدوان العراقي وتحرير الكويت وهذا التصرف الذكي من الحكومة بقيادة مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد جنب هذا البلد وشعبه حرباً ضروساً ربما كانت نتائجها مدمرة - لاسمح الله - وقرار الاستعانة بالقوات ليس تقديراً وفقاً لموازين القوى وكيفية التعامل معها فحسب، بل هو الاختيار الأمثل لأمن وسلامة المملكة وشعبها، وقد خرجت تلك القوات بعد نهاية الحرب والتي يقدر عددها بنصف مليون ولم يتبق سوى عدد محدود جداً من طائرات المراقبة. والمواقف الأخرى عند قيام دولة إسرائيل في مؤتمر القمة العربي عندما نقل الأمير فيصل رسالة الملك عبدالعزيز للقمة بأنه يرى أن أفضل طريقة لمواجهة الموقف هي في مساعدة الفلسطينيين بالسلاح والرجال وليس بإعلان الدول العربية الحرب ونزع سلاح الفلسطينيين مثلما حدث وهو ما لم تأخذ به القمة ورغم ذلك التزمت المملكة بقرار القمة وهذا الموقف دليل ذكاء وبعد نظر للملك عبدالعزيز لأن الفلسطينيين يفوقون الإسرائيليين عددا في ذلك الوقت أضعافاً كثيرة ولأن إعلان الحرب من الدول العربية سيوفر تعاطفاً عالمياً وبالتالي دعماً للإسرائيليين، وفي القضية الفلسطينية نتطرق لموقف حديث لايقل أهمية وهو مبادرة سيدي الأمير عبدالله الذي قدم نموذجاً كاملاً لما يجب ان يكون عليه السلام الشامل والعادل وقام على أسس ثلاثة مهمة لكل مواطن عربي.
(أ) فهو لم يفرط بأي من المطالب العربية ويحقق انسحاباً من جميع الأراضي المحتلة عام 67م وهو ما يطالب به أصحاب الحق سواء السلطة الفلسطينية أو سوريا ولبنان ويضمن حق العودة للاجئين.
(ب) إن السلام شامل لجميع المسارات دون الفصل بينها وبالتالي لا تقوم إسرائيل بالاستفراد بطرف عربي وتوقيع اتفاقية منفردة لمسار من المسارات وإهمال الآخر.
(ج) إنه قدم تحقيق السلام والانسحاب من الأراضي العربية كشرط سابق لتطبيع العلاقات مع إسرائيل وليس العكس كما يحدث الآن مع كثير من الدول العربية والإسلامية، حيث تقيم أكثر من ثلث الدول العربية وأكثر من ثلثي الدول الإسلامية علاقات مع إسرائيل، ولو التزمت الدول العربية والإسلامية بالمبادرة التي وافقت جميعها عليها فهذا يعني قطع أو تجميد لعلاقاتها مع إسرائيل الجوية تطبيقا لاتفاقية صفوان وقرارات مجلس الأمن الدولي وستغادر -بإذن الله- حين انتهاء سبب وجودها مثلما غادر النصف مليون جندي وليس كما يدعي البعض.
3- ان سياسة المملكة تقوم على الصدق والالتزام في القول والعمل وليس على الشعارات التي تسعى لكسب العواطف دون تحقيق نتائج، وهذا ماجعل ثقة الدول في هذا البلد وقيادته كبيرة جداً ونقيس على ذلك قليلا من مواقف كثيرة جداً يصعب حصرها، فالمملكة ساهمت وشاركت في جميع الحروب ضد إسرائيل بالرجال والسلاح والمال وكانت المساهم الرئيسي في وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 82م وفك الحصار عن بيروت بالإضافة إلى الدور المعروف في انهاء الحرب الأهلية اللبنانية وعودة الوفاق اللبناني من خلال مؤتمر واتفاق الطائف، وساهمت في انهاء مشكلة لوكربي ورفع الحصار عن ليبيا، كما انها المساهم والداعم الأكبر سياسيا وماليا وفي جميع المجالات للشعب الفلسطيني المناضل، بل انها ربما تكون الدولة الوحيدة التي تقدم للقضية الفلسطينية أكثر مما تلتزم وتعلن عنه والمواقف الموثقة والأرقام المدونة لدى السلطة الفلسطينية على وجه الخصوص ولدى الدول والمنظمات ذات العلاقة بالصراع العربي الإسرائيلي خير برهان على مصداقية المملكة والتزمها، بل ان نسبة مساعدات المملكة الخارجية خلال العشرين سنة الماضية تعادل 4% من ناتجها القومي وهي الأضخم على مستوى العالم ودليل تأكيد على مدى اهتمام هذا البلد وأهله بأمتيه العربية والإسلامية، وليس بخافٍ على كل منصف ان ماتعرضت له ومازالت تتعرض له المملكة من حملات إعلامية مغرضة ما هو إلا نتاج لمواقفها الثابتة تجاه قضايا الأمتين العربية والإسلامية.
هذا قليل من كثير من المواقف التي تؤكد عظمة هذا البلد وأهله وثبات قيادته وشعبه على أسس وسياسة واضحة، نسأل الله لها الاستمرار على الحق والفضيلة والأمن والاستقرار وزيادة في الخير والنمو والرخاء والعطاء.
* مدير عام الشؤون الإدارية والمالية والإدارة العامة للتفتيش والمتابعة بوزارة الخارجية |