تحل علينا مناسبة اليوم الوطني في الأول من الميزان الذي يصادف الثالث والعشرين من شهر سبتمبر هذا العام 2002م، فبعد اثنين وسبعين عاماً يحق للمواطن السعودي أن يتذكر بفخر واعتزاز ذلك اليوم الأغر حين استطاع الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - أن يتجاوز مرحلة التأسيس إلى مرحلة التوحيد والبناء؛ فقد استطاع الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود بما حباه الله من حكمة وحنكة فذتين أن يرسي قواعد الأمن والأمان وأن ينطلق في بناء الدولة الفتية (المملكة العربية السعودية)، كما استطاع قادة البلاد من أبناء الملك عبدالعزيز الاستمرار في تطوير الدولة الحديثة وتحقيق الإنجازات التنموية مع المحافظة على المكتسبات الوطنية في كل الميادين التي ينعم بثمارها المواطن السعودي.
وبجانب الفخر والاحتفاء علينا أن نتأمل بعد أن نتذكر أن الجهود العظيمة التي حققتها المملكة في مراحل تأسيسها وتوحيدها لم تكن وليدة الحظ والصدف؛ بل كانت تقوم على أسس متينة وقوية من المبادىء السامية التي قوامها الإيمان والعلم والعمل؛ فهذه المقومات الثلاثة ترتكز عليها ثقافتنا ومنجزاتنا الوطنية؛ فنحن أولاً بلد إسلامي يرتكز نظام الحكم فيه على الأسس الشرعية ويستمد منهجه وتطبيقاته من القرآن الكريم والسنَّة النبوية؛ كما تضم بلادنا أقدس بقاع الأرض، حيث الحرمان الشريفان يؤمهما ملايين المسلمين من كل أرجاء المعمورة، ثم نحن بلد عربي وهو المنطلق الأصيل للعرب واللغة العربية، يضم ثراه رموز وأبجديات الحضارة العربية منذ بداية التاريخ المعروف، كما تحتل المملكة موقعاً جغرافياً وسطاً ومكانة عربية وإسلامية ودولية راسخة من حيث التفاعل والتأثر والتأثير، مما يجعل المملكة في موقع التجاذبات السياسية والاقتصادية والثقافية المتعددة، وهذا يمنح المملكة مكانة مرموقة كدولة حديثة وتستجيب للمتطلبات والتحديات الحضارية.
كل تلك العوامل تلقي بآثارها على القيم الوطنية للمجتمع السعودي؛ فالمواطن السعودي يقف الآن في معترك الحياة المعاصرة، بما يعتمل فيها من فرص وتحديات كبيرة في ظل الصراعات الحضارية التي لا يمكن أن نقف حيالها مكتوفي الأيدي، فمن هذه الصراعات ما يتعلق بالهوية والذات والقيم الثقافية الوطنية، فعلينا أن نقف بثقة وصلابة أمام تيارات الاستلاب التي تهدف إلى زعزعة المبادىء السامية لانتماءاتنا الدينية والثقافية الثابتة، وهذا لا يعني العزلة والانكفاء على الذات دون تمحيص لما لدينا من إيجابيات نعتز بها أو سلبيات كثيرة لا تخلو منها ومن غيرها المجتمعات الأخرى. ثم إن علينا أن نستفيد من خبرات الأمم والشعوب الأخرى وتجاربهم في مجالات سعيهم الحثيث للتطور والتحديث في مجالات الحياة كافة، مستعينين بالعلم والمعرفة النافعة ونقل المعلومات عن طريق التعليم وترجمة الكتب، إلى جانب تطويع التقنية الحديثة بما يناسب احتياجاتنا التنموية والبيئية والحفاظ على أمن البلاد وسلامتها، وعلينا أن نستثمر إمكانياتنا وطاقاتنا الذاتية متسلحين بالعلم والمعرفة دون أن نركن إلى عناصر هشة من العادات التي تواضعنا علينا أو من القيم المستوردة التي تغزونا في صور شتى مما تبثه وسائل الإعلام والمعلومات الحديثة فعلينا أن نتعامل مع القضايا والمشكلات المحلية والدولية بعقلانية ومعلومات حقيقية، فنحن نعيش في عصر قوة وصراع، لا مكان فيه للضعيف والكسول؛ فالقوة الذاتية والمصالح المتبادلة أساس العلاقات الدولية. وينبغي أن نتحول من موقع المستهلك والمتلقي للقيم والأفكار والمواد إلى الموقع الذي نختاره بقوتنا الذاتية كبلد يعتمد على ذاته وخيراته الطبيعية والمصنعة بأيدي أبنائه.
إن قوتنا الذاتية التي تعتمد على مثلنا العليا وعلى العلم الحديث سوف تمنحنا الحرية والاستقلالية التي تمكننا من مجابهة التيارات الجارفة والحفاظ على مكتسباتنا الوطنية التي ننعم بها منذ توحيد المملكة العربية السعودية.
* أمين مكتبة الملك فهد الوطنية |