بين حالة الافتراق التي يعيشها العالم نتيجة تغير الخارطة الدولية بعد أحداث ايلول، والتكوين السياسي للعالم العربي وسط الضغوط نتيجة حالة «مكافحة الارهاب» يظهر اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية وفق قراءة مختلفة يدخل ضمنها التوازن الاقليمي الذي فرضته وضعية مزدوجة تجمع ما بين حساسية الموقع الاقتصادي للمملكة، ودورها في رسم استقرار اقليمي يدعم بشكل أو بآخر آليات التضامن العربي، وربما ليس غريباً ان تتعرض المملكة لحملات إعلامية وسياسية واسعة بعد أحداث الثاني عشر من ايلول، فالضغوط السياسية غدت من أشكال التعامل مع المنطقة عموماً والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، لكن الغريب هو مجموعة الطروح التي تتحدث عن إحداث تبدلات في الجغرافية ـ السياسية للمملكة، وذلك بتجاوز تاريخ طويل لها، أو إرث يجمع مواطنيها منذ فجر التاريخ، لكن هذه الحملات التي تحاول رسم دور افتراضي للمملكة بوضعية الارهاب كما تجلى في بداية هذا القرن، تستهدف على ما يبدو الوضع الجيوستراتيجي «الجغرافية ـ الاستراتيجية» للسعودية، وبشكل يسهل اختراق المنطقة عموما، وفرض آليات داخلها قادرة على إحداث حالة ثقافية منسجمة مع بعض المصالح الدولية، وليس بعيداً عن محاولات هذا التأثير في الوضعية الجيوستراتيجية للمملكة، عمليات التأثير على التضامن العربي، خصوصاً ان السياسة السعودية شكلت ومنذ منتصف القرن الماضي نقطة التوازن لهذا التضامن، فالحملات الإعلامية أو السياسية التي تدفع بمسألة الإرهاب نحو المملكة، لا يمكن قراءتها دون تحليل الظرف الذي أحاط بمجمل العمل السياسي في الآونة الأخيرة، أو حتى ما قدمته الرياض من عوامل استقرار اقتصادي وسياسي للشرق الأوسط عموماً.
الوضعية الجديدة للإرهاب
منذ الأيام الأولى لأحداث أيلول ظهرت قوائم بأسماء حول المنفذين والمشاركين في هذه الاعتداءات.. وتصدرت بعض اسماء السعوديين هذه القوائم، ليظهر بعد ذلك ان هذه الأسماء موجودة في المملكة ولم تغادرها، أو انها بعيدة كل البعد عن هذه الشبهات، حتى ان بعض الأسماء التي افترض انها على متن الطائرة التي نفذت الهجوم، ظهرت لاحقا حية ترزق على بعض الفضائيات العربية، وتحمل هذه الحملة منذ البداية صورة عن خلفية سياسية تم التعامل بموجبها مع حالة الارهاب، فهناك مؤشرات توحي بأن الحالة الاقليمية في الشرق الأوسط يجب اعادة صياغتها، وان المقدمة لأي تغيير لا بد ان يبدأ من المملكة العربية السعودية كنقطة توازن في المنطقة اجمالا، فالتسرع بإصدار لوائح بأسماء مواطنين سعوديين، والتحول من الحدث كظاهرة أصابت الولايات المتحدة، إلى مجموعة من النتائج التي اربكت حتى الإدارة الأمريكية، أظهرت وبشكل واضح ان الوضعية الجديدة للارهاب ستتحول من محولات الضغط السياسي، إلى آليات استراتيجية تريد التأثير حتى على الحالة الثقافية، لكن السؤال الأساسي الذي يُطرح بشكل بدهي لماذا غدت المملكة العربية السعودية جزءاً من هذه العملية، رغم ان سياستها العامة وعلاقاتها الدولية أثبتت منذ تأسيسها حالة من التوازن مع أية وضعية عالمية، حيث استطاعت لعب أدوار سياسية قادرة على خفض التوتر في ظل الحرب الباردة، أو حتى في مراحل التحول بعد انهيار الكتلة الشرقية، ويبدو من الصعب تحليل التوجه لدفع مسألة الارهاب باتجاه المملكة دون البحث في موقعها السياسي قبل وبعد أحداث ايلول، فهناك مجموعة من النقاط التي شكلت الأرضية التي بدأ البعض للبحث من خلالها، وايجاد خرق في النظام الاقليمي عبر التأثير على موقع السعودية في الشرق الأوسط عموما، ويمكننا في هذا الإطار ملاحظة ثلاثة مؤشرات هامة:
ـ قدرة السياسة السعودية على التجاوب مع التحولات الدولية منذ حرب الخليج الثانية، ويبدو هذا الأمر من أهم النقاط التي شكلت قلقاً واضحاً داخل بعض الأوساط الدولية، حيث تم الاعتقاد ان التدخل الدولي المباشر للقوات الدولية، سيضعف الدور السعودي على المستوى الخليجي والشرق أوسطي، لكن ما حصل عملياً هو صياغة علاقات عربية جديدة تحاول استيعاب النتائج المترتبة عن حرب الخليج الثانية، فبعد الحرب مباشرة ظهر مباشرة «إعلان دمشق» الذي وقعت عليه الدول المعنية بالحرب، رافضة تقسيم العراق، ورسمت في نفس الوقت صورة العالم العربي لمرحلة ما بعد الحرب، إن هذا الاتفاق يقدم صورة فقط لعمليات استباق التأثيرات الخارجية، والذي لعبت فيه سياسة المملكة دوراً فاعلاً مكرسة قدرتها السياسية على التعامل مع المستجدات الاستراتيجية بشكل فاعل ومؤثر، وبالطبع فإن المملكة بقيت نقطة توازن أساسية في المنطقة رغم كافة الآثار التي خلفتها حرب الخليج، وبذلك فإنها قدمت دعماً كبيراً لدول المنطقة التي تعيش وضعية توتر، مثل سوريا ولبنان، نتيجة السياسات الإسرائيلية.
ـ المؤشر الثاني هو طبيعة تعامل المملكة مع الحساسية الاقتصادية والسياسية لمنطقة الخليج منذ تأسيسها، لكن هذه الطبيعة بدت واضحة تماماً خلال التعامل مع القضايا الشائكة مثل الموضوع الفلسطيني، وفيما بعد الملف العراقي، والملاحظ ان هذه «الحساسية» الاقتصادية والسياسية كانت ميزة بدلاً من ان تربك السعودية في تعاملها مع الموضوع الفلسطيني على سبيل المثال، وربما على العكس من ذلك فإن السياسة الإسرائيلية ظهرت وفي مراحل متفاوتة مربكة من الدور السعودي، وغالبا ما تحاول احباط هذا الدور من خلال الفعل العسكري المباشر، والذي يعتبر إرهاب دولة وفق المصطلح الدولي، ومن هذا الباب فإن دفع مسألة الارهاب باتجاه المملكة كان أحد الحلول لفرض صياغات جديدة بالنسبة للدور السعودي، لكنه بقي في النهاية خارج إطار التأثير المباشر والفعّال.
ـ لا شك ان ازدياد فاعلية السياسة السعودية فيما يتعلق بآليات العمل العربي المشترك، يشكل مؤشراً أيضاً في أساليب التعامل الدولي مع قضايا المنطقة، فهناك قدرة واضحة لدى المملكة على تقديم توازن واسع فيما يتعلق بالعمل العربي المشترك، وربما تمثل آلياتها السياسية القاسم المشترك لتحرك الدول العربية، خصوصاً ان علاقاتها مؤثرة مع مراكز القرار الدولي مثل واشنطن أو باريس أو لندن، ولا يمكن لهذه العلاقة ان تهتز بشكل تلقائي دون مؤثرات، ولذلك حاول مروجو مسألة الارهاب استخدام هذا العامل لخلق توتر في العلاقات السعودية الدولية.
عملياً فإن الوضعية الجديدة للإرهاب تبدو بمسوغاتها وأشكالها بعيدة جداً عن أي آليات سياسية للسعودية، أو حتى أي موروث ثقافي لها، ولا يحتاج الباحث لكبير عناء كي يستنتج ان المملكة منذ تأسيسها استطاعت خلق موقعها في تشابكات المصالح الدولية، وعبر أساليب سياسية واقتصادية ناجحة.
الإرهاب والموقع الجيوستراتيجي للمملكة
ارتبط مصطلح الجيوستراتيجيا «أو الجغرافيا ـ الاستراتيجية» بتحول العالم إلى شبكة مصالح معقدة، مما أكسب بعض المناطق موقعاً جيوستراتيجيا هاماً، قادراً على التأثير في السياسات الدولية دون الحاجة حتى إلى ممارسة أي فعل عسكري، وبالطبع فإن بعض الدول اكتسبت هذا الموقع عبر بناء قوة اقتصادية أو عسكرية أو تقنية، لكن يبدو ان المملكة العربية السعودية كانت قادرة على اكتساب هذه المواقع قبل ان تصبح من أوائل الدول المنتجة للنفط ولا يمكن فصل مسألة الارهاب الحالية دون قراءة لهذا الأمر، لكن بعض الحملات الإعلامية تحاول عملياً التأثير على الدور الأولي لتأسيس المملكة ويمكن فهم هذا الموقع من خلال:
أولاً: كان تأسيس المملكة يعتمد على تكامل الموقع الجغرافي لها، بحيث يؤمّن لها استقلالية في التحرك والفعل بغض النظر عن المعطيات الاقتصادية التي أتت لاحقاً، فعملية التأسيس صاغت منطقة الجزيرة العربية من جديد، وأوجدت دولة كبيرة وقوية في منطقة ما تزال حتى اليوم معبراً ورابطاً لمختلف دول العالم. هذا الشكل الجديد الذي ظهرت فيه المملكة أوائل القرن العشرين هو الذي حدد موقعها الاستراتيجي، ليأتي بعد ذلك النفط والنهضة الثقافية والعمرانية كعوامل إضافية لهذا الموقع.
ثانياً: مركزيتها الثقافية بالنسبة للعالم الإسلامي، فصحيح ان الكعبة المشرفة كانت منذ ظهور الإسلام الجامع الأول للعالم الإسلامي، لكنها بقيت حتى تأسيس المملكة كمؤثر ديني تتحكم به الدول المركزية الأخرى، واستطاعت المملكة العربية السعودية وضع هذا الموقع الديني في محوره الصحيح بحيث لم تعد أماكن حج فقط إنما أخذت بعداً فكرياً عاماً داخل العالم الإسلامي ككل.
وفق هذه الرؤية فإن زج موضوع الارهاب يكتسب معاني سياسية أكثر من كونه محاولات موضوعية لكبح العنف، فهناك نوع من النظر إلى الموقع الاستراتيجي للمملكة على انه مستقل عن مراكز القرارات الدولية، وترى بعض الدوائر الإعلامية والمدعومة أساساً بقوى تساند إسرائيل، ان التأثير على علاقة المملكة دولياً يمكن ان يخفف من قوة موقعها الاستراتيجي.
إن العودة الأساسية لذكرى تأسيس المملكة ربما تؤكد على طبيعة الظرف السياسي الحالي، وتعيد إلى الأذهان قوة الربط التي استطاعت بها المملكة الخروج من حالة مناطق النفوذ داخلها إلى دولة منظمة وقادرة على التأثير في الحدث السياسي للمنطقة، لذلك تبقى مسألة الإرهاب شأناً عارضاً ومحصوراً في أوساط إعلامية محددة، وغير قادر أيضاً على الحد من قدرة وقوة العلاقات الدولية للمملكة.
(*) كاتب وصحفي من سورية |