Monday 23rd September,200210952العددالأثنين 16 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

سـياسة المملكـة في صـياغة اسـتقرار العالـم سـياسة المملكـة في صـياغة اسـتقرار العالـم
نضال الخضري *

يبدو من الصعب صياغة أي قراءة عن الاقتصاد السعودي بشكل منفصل عن حركة الأسواق والاقتصاد العالميين، فبعد نصف قرن على تأسيس المملكة لم يعد من الممكن النظر إلى الاقتصاد السعودي على انه «خزان ثروة»، أو حتى مستودع لاحتياطي النفط العالمي فقط فالرساميل والاستثمارات السعودية تشكل جزءاً هاماً من عمليات الاستقرار الاقتصادي العالمي، كما ان التطور الكبير للسوق السعودية وما رافقه من خطط تنمية، أعطى أبعاداً جديدة لأي قراءة في منحى الاقتصاد السعودي الحالي، وهذا ما نلمسه على سبيل المثال في الخطة السعودية التنموية الجديدة للأعوام 2000 ـ 2004، التي أرادت التجاوب مع المتغيرات الدولية والمحلية للدخول إلى الألفية الثالثة: فمن الملاحظ ان التطور الاقتصادي بدأ يرتبط بشكل اساسي مع تنمية القوى البشرية وزيادة توظيفها وكفاءتها، فالنمو السكاني لا ينفصل عملياً عن الموقع الاقتصادي للمملكة، ووفق هذه الرؤية لابد من النظر إلى ثلاثة عوامل أساسية في مسألة الاقتصاد السعودي: حيث يرتبط العامل الأول بأشكال التنمية داخل السعودية نفسها، لكن هذه التنمية تشكل من وجهة النظر الدولية تنمية لأهم الأسواق والاستثمارات في العالم، بينما يتعلق العامل الثاني بارتباط عوامل الاستثمار، سواء داخل السعودية او خارجها، بمعطيات أسواق النفط وما تقدمه سياسة المملكة بهذا الاتجاه، وأخيراً هناك العامل الاقليمي وما تلعبه سياسة المملكة في اتجاه فتح أسواق حرة مع كافة دول الشرق الأوسط.
التنمية في المملكة والاستقرار الاقتصادي
وفق بعض التوقعات فإن ايرادات السعودية من صادرات النفط سترتفع خلال هذا العام إلى نحو 40 مليار دولار مقابل 28 مليار دولار، وذلك رغم خفض الإنتاج بنحو 1. 3 ملايين برميل يومياً بموجب اتفاقات «أوبك» ورغم حالة الكساد العالمي المترافقة مع حرب الولايات المتحدة على الإرهاب بعد أحداث 11 ايلول 2001، ويؤمن هذا الارتفاع للسعودية فائضاً مالياً ربما يزيد على 2. 5 مليارات دولار خلال الأشهر القادمة، مما سيمكن من متابعة خططها التنموية بشكل فعال، والتعامل مع إعادة هيكلة مؤسساتها الاقتصادية والتي بدأتها في خطتها التنموية السابعة، عملياً فإن التخطيط الاقتصادي للسعودية يعتمد أساساً على طبيعة الموارد المتوفرة والتي تشمل:
ـ احتياطي مؤكد من البترول يقدر بأكثر من 260 مليار برميل، وهو يفوق ربع الاحتياطي العالمي، إضافة لاحتياطي ضخم من الغاز الطبيعي بما يقدر بأكثر من 200 تريليون قدم مكعبة، ويضع المملكة العربية السعودية في المرتبة الرابعة عالمياً بعد روسيا وإيران والجزائر، ومن المتوقع ان تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى إذا تم استغلال هذا المورد بشكل أكبر، وهو ما تتجه نحوه حالياً بعد دعوة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد الشركات الأجنبية الدولية المتخصصة للاستثمار في قطاع الغاز الطبيعي بحثاً وتنقيباً واستغلالاً وتسويقاً.
ـ الوضع الجغرافي بحدود بحرية طويلة توفر ثروة سمكية ومصدرا حيويا للمياه المحلاة.
ـ الموارد التعدينية القادرة خلال الأعوام القادمة على استيعاب استثمارات كبيرة.
ـ البنية التحتية التي تعتبر من أكثر البنى تطوراً في العالم سواء من نظم المواصلات والاتصالات، ترفدها هياكل مؤسسية وأنظمة إدارية وتشريعية قضائية متكاملة.
ـ نظام اقتصادي حر ونظام مصرفي عصري وحرية كاملة لحركة رؤوس الأموال وقطاع خاص متطور يسهم بأكثر من 40% من اجمالي الناتج المحلي، الأمر الذي يوفر تراكماً رأسمالياً بمرونة عالية.
ـ نسبة نمو سكاني عالية «3. 8% سنوياً» مما يعني حجم سوق محلية متنامية، فضلاً عن المرونة في أنظمة استقدام العمالة الأجنبية، بما يضيف إلى القاعدة السكانية وقوة السوق على الرغم من تزايد الضغوط نحو الحد من استقدام العمالة الأجنبية بهدف تنمية وتطوير العمالة الوطنية.
عملياً فإن المجال التنموي يتعامل مع المعطيات السابقة وفق مشاريع تأخذ بعين الاعتبار الاستثمار المتكامل للموارد الاقتصادية المتاحة، مع التركيز على استخدام التقنية الحديثة وخيار التصنيع ومعامل القيمة المضافة، إضافة إلى التأكيد على تفعيل انضمام المملكة العربية السعودية لمنظمة التجارة العالمية، والتفاعل مع أنظمتها فيما يتعلق بالمعايير الدولية ومقاييس الجودة، ومما لا شك فيه انه خلال العقدين الماضيين كانت السعودية قادرة على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، فشهد النظام المصرفي نمواً وتطوراً سريعاً، تضاعفت خلاله أصول المصارف التجارية بما يربو على ثلاثة أضعاف، والودائع المصرفية بما يزيد على أربعة أضعاف من 138 مليار ريال و99 مليار ريال في عام 1982م إلى 463 مليار ريال و274 مليار ريال على التوالي في شهر سبتمبر عام 2001م. كما دعمت الحكومة المشاركة السعودية في المصارف الأجنبية، التي اقتضت تحويل فرع المصارف الأجنبية إلى شركات مساهمة تتداول أسهمها من قبل الجمهور على ان تكون غالبية حقوق الملكية لمساهمين سعوديين، وأدى هذا البرنامج، الذي تم تطبيقه تدريجياً في الثمانينيات، إلى تعزيز رؤوس اموال المصارف إلى المستوى الملائم لمواكبة التوسع الكبير في المتطلبات المتزايدة للأعمال المصرفية.
عملياً فإن التوظيف في القطاعات الاقتصادية تبدل بشكل واضح خلال السنوات الماضية نتيجة طبيعة التنمية، ليتطور القطاع الصناعي بشكل كبير، بينما بقي قطاع الخدمات يحتل المرتبة الأكبر وذلك نتيجة عملية التنمية نفسها:
70. 7% الزراعة والصيد
90. 25% الصناعة «تشمل البناء والتشييد»
40. 66% الخدمات
والمتعامل اليوم مع مسائل التنمية يلحظ أشكال الاستثمارات الصناعية الجديدة، خصوصاً في ظل العولمة الاقتصادية مع ما توفره من حرية في انتقال رؤوس الأموال، فتنمية الرساميل السعودية بات عاملاً أساسياً في الحفاظ على استقرار حركة أسواق الأموال العالمية، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار حجم الكتلة النقدية للسعودية والمتحركة داخل الأسواق العالمية، فالمملكة تتبع نظام التجارة الحرة الذي يشجع على المنافسة، ولا توجد قيود على عمليات الصرف الأجنبي.
السياسة النفطية والاقتصاد العالمي
يشكل العامل النفطي المنطلق القوي لتأثير المملكة في الاقتصاد العالمي، فالسياسة البترولية السعودية تنطلق من موقعها كأكبر دولة تملك احتياطيا ثابتا يشكل أكثر من ربع الاحتياطي العالمي، وهي أيضاً أكبر منتج ومصدر للبترول، ولكن هذا الموقع الدولي يفرض عليها أيضاً الأخذ بعين الاعتبار دور البترول وايراداته في الاقتصاد السعودي، فهو يشكل أكثر من ثلث الناتج المحلي الاجمالي، وتشكل ايراداته حوالي ثلثي الايرادات العامة، وتنطلق السياسة البترولية السعودية عملياً من تحقيق الاستقرار في الايرادات من البترول، فتسعى إلى استقرار السوق البترولية بما يخدم الدول المنتجة والمستهلكة، ونمو الصناعة البترولية مع عدم الاضرار بنمو الاقتصاد العالمي، فالأسعار المنخفضة للغاية تؤثر على ايرادات الدول المنتجة وإمكانات نموها، وتؤثر على الاستثمار في مراحل الصناعة البترولية، بينما تؤدي الأسعار المرتفعة لنتائج حادة لاقتصادات الدول النامية بشكل يؤثر على نمو الطلب العالمي، لذلك فإن التغيرات الحادة في الأسعار لا تخدم الدول المنتجة أو المستهلكة أو الاقتصاد العالمي، ومن الواضح ان الآليات التي تستخدمها المملكة تهدف وبشكل جلي إلى تحقيق معادلة صعبة ما بين تأمين استقرار أسواق النفط من جهة، وعدم الاضرار بالأمن الاقتصادي للسعودية من جهة أخرى، لذلك فهي مع سعيها لاستقرار أسواق البترول، فإنها تتعاون بشكل فاعل مع الدول المنتجة والمستهلكة، وذلك لضمان استمرار نمو الطلب على البترول متوافقاً مع النمو الاقتصادي العالمي، ويفرض هذا التوازن بناء صناعة بترولية وطنية ذات كفاءة وقدرة على المنافسة وفتح قنوات للحوار مع جميع الدول في موضوعات الطاقة والبيئة.
إن أهمية مثل هذه السياسة تظهر بشكل واضح في ظل الأزمات الدولية، فعندما قرر العراق على سبيل المثال وقف ضخ البترول احتجاجا على القرارات الدولية في بداية العام الحالي، فإن هذا الأمر أحدث تأثيراً طفيفاً، ورد الفعل الأمريكي كان هو ايقاف استيراد البترول العراقي حتى قبول العراق بالسماح للمفتشين الدوليين بالدخول للعراق، عملياً فإن الولايات المتحدة استوردت العام الماضي 3. 9% من احتياجاتها من العراق، وخلال هذه الأزمة حدث الانقلاب في فنزويلا، وتبع ذلك التوتر في اسواق المال والنفط على اثر اضراب موظفي شركة البترول الحكومية، على ضوء ذلك ارتفعت اسعار البترول «تسليم مايو 2002» عشرين سنتا أي 26. 38 للبرميل في سوق نيويورك بتاريخ 19 نيسان، لكن تصريحات وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل في موسكو وضعت حداً للتوتر الذي يسود سوق النفط، مما يؤكد على ان السعودية هي الدولة القادرة الآن على التحكم في السوق العالمي للبترول، وهي الدولة القادرة على المحافظة على اسعار البترول في العالم، فالاستراتيجية السعودية في مجال البترول ترتكز على ثلاثة محاور:
ـ الأول يختص بالعلاقات بينها وبين دول الأوبك.
ـ الثاني العلاقات بينها وبين الدول المنتجة للنفط غير المنضوية تحت لواء الاوبك مثل النرويج وروسيا.
ـ الثالث هو العلاقة مع الدول المستوردة للنفط.
فالسعودية لها دور رئيسي في تحديد أسعار البترول،
وتوضح سياستها انها راغبة في الاحتفاظ بأسعار البترول عالية بقدر الإمكان، لكنها توازن بين هذه الرغبة والطلب الحقيقي للبترول في السوق العالمية، ولا شك ان هذا الأمر يتطلب الموازنة والمحافظة على الأسعار، كما ان السعي لعدم السماح للأسعار بالهبوط تحت المستوى المطلوب يدفع المملكة إلى الموازنة والتعاون مع دول الاوبك الأخرى، لذلك فإن السياسة السعودية تلعب دوراً مهماً في استقرار الأسواق من خلال الاحتفاظ بحجم كاف من المقدرة الإنتاجية كاحتياطي جاهز لادخاله للسوق عند الضرورة أو الطوارئ ويبدو ان السعودية هي الدولة الوحيدة القادرة على الاحتفاظ بهذه الخاصية، فهي تنتج 7.4 ملايين برميل في اليوم، وفي نفس الوقت لديها كمية جاهزة للضخ تبلغ 3 ملايين برميل في اليوم.
إن سياسة المملكة البترولية تأخذ بعين الاعتبار تحقيق مصالحها على المدى البعيد، لكنها تدرك أيضاً مدى خطورة موقعها الاقتصادي على مجمل الحركة المالية والإنتاجية في العالم ككل، والطلب العالمي للبترول يمكن ان يزداد بمقدار 2 إلى 1.5 ملايين برميل في اليوم، وذلك حسب تقديرات الوكالة الأمريكية للطاقة والوكالة العالمية للطاقة، والكميات المطلوبة سوف توفرها دول الأوبك والنصيب الأكبر للسعودية ودول الشرق الأوسط ووسط التحولات الاستراتيجية التي يشهدها العالم فإن المملكة تلعب دوراً اقتصادياً واضحاً، ليس فقط على صعيد تأمين استقرار نفطي، بل أيضاً في خلق تضامن عربي وإسلامي لمواجهة التحديات، فالسعودية تعتبر نقطة الأساس في حفظ التوازنات في منطقة الشرق الأوسط، ولها أثرها الكبير والفعال على الاقتصاد العالمي.

(*)كاتبة وصحفية سورية

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved