هذا يوم جليل.. يوم توحيد أمة من خير الأمم.. يوم مجد وافتخار لكل المسلمين.. ويوم عزة وسؤدد لكل عربي.. يوم توحدت فيه القلوب والإرادة تحت رايات الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - يوم تعلوه المهابة وتجلله الكرامة.. يوم غير وجه الحياة في تلك البقعة الشاسعة من العالم، فامتدت آثاره وانعكست تأثيراته حتى اصبحت (المملكة العربية السعودية) ذات دور فاعل في المجتمع الدولي المعاصر تؤثر برأيها ويحسب حسابها. لقد بدا واضحاً ان قيام المملكة أحدث انقلابا جذريا في المعادلة الاقليمية والدولية، فقد كان من صدر أولوياتها احياء القيم الحضارية المجيدة لهذه الامة ممثلة في قيم الاسلام ومبادىء عقيدته السمحة فأُعلن للعالم أجمع ان هذه الدولة دولة حضارية تسمو بعقيدتها فوق كل النظريات والايديولوجيات وتتجاوز أبعادها حدود امتها لتشمل المجتمع الانساني كله. فيومنا الوطني ليس يوما سعوديا بل هو يوم عربي واسلامي وعالمي ، فقد قامت مملكتنا الفتية على مبادىء وقيم انسانية وحضارية نبيلة، وما وصلت اليه من تقدم ورقي يعد نقلة حضارية هي في جوهرها إنجاز إنساني يباركه كل انسان على وجه البسيطة يؤمن بمبادىء السلام والتعاون بين الامم والبناء والانفتاح والتسامح والتعايش فيما بينها. نقول ذلك ونوضح لمن اعتادوا هذه الايام بكل ما يملكون من امكانات وبكل ما سُخر لهم من ابواق اعلامية شملت كل وسائل الاعلام مرئية منها ومسموعة ومقروءة في محاولة منها ان ينالوا من مكانة هذا الوطن وقيمه وعقيدته ومبادئه، فلقد كانت المملكة وستظل دوماً حائط صد وطوق إنقاذ للعالم الاسلامي كما كانت في معظم فترات انتكاساته وهزائمه وكانت القوة الدافعة وراء صموده ومقاومته لجميع الهجمات الصهيونية وخاطرت بأعز ما تملك من مال ورجال في سبيل رفعة أمتها ونصرة كرامتها. ولعلَّ ما تمر به أمتنا هذه الايام من تكالب الاعداء عليها ومحاولة النيل منها ومن قيمها يحتم علينا ان نسترجع ذكرى هذا اليوم ونستلهم من سيرة القائد المؤسس ما نعزز به قوتنا ونقوي به عزائمنا حتى تظل حضارتنا وانجازاتنا شاهداً على انسانية عقيدتنا وشمولية مبادئها السمحة وحتى يبقى هذا الوطن مهد الرسالة الاسلامية الخالدة ومركز الاشعاع الحضاري يقول كلمته في مسيرة الحضارة المعاصرة ويقدم للعالم أجمع انموذجه الاسلامي الأصيل الذي يدعو الى التسامح والحوار بين الامم في زمن يدَّعُون فيه انه زمن صراع الحضارات. فعلينا ونحن نحتفل بذكرى يومنا الوطني ان نستلهم دلالات ومضامين هذا الانجاز لتضيء لنا طريق المستقبل ولتبقى علامات هداية ورشاد في ظل عصر تسوده شريعة الاقوياء ومبادىء الظلم والظلمات ولكيلا نضل الطريق الذي اثبتت الايام والسنوات جدواه ومصداقيته. فمسيرة القائد والمؤسس فيها من الاسوة والصبر ما نحن في أمس الحاجة اليه اليوم ان نسترجعه ليزداد إصرارنا من اجل حماية مقدساتنا وعقيدتنا لتعم مصلحتها العالم اجمع.
* فقد تكالبت عليه في وقت من الاوقات الخصومات والعداوات من كل جانب، حتى اشفق عليه الاصدقاء وكذلك الاعداء فإذا به قائد همام في حلبة الصراع يتوهج إصراراً وعناداً، وفارس لا يشق له غبار، فإذا بالاعداء ينضوون تحت لوائه، ومن بقي على عداواته دعا له بالهدى والرشاد.
* وغالبته طبيعة الجزيرة العربية فغلب صحراءها وحولها بعون الله الى مزارع يانعة، وصارعته البداوة فتغلب عليها واستبدل ترحالها باستقرارها، وصنع من شتاتها وتفرق اهلها وأجزائها وحدة متماسكة، ومن التشاحن والتنافر محبة واخوة، وبدّل الخوف امنا وسلاما.
* وأدار دفة البلاد بحصافة رأيه وحكمة سياسته ونفاذ بصيرته، فابتعد عن خضم السياسات الدولية الهالكة وتياراتها العاتية، ولم يقع في مكائدها كما وقع غيره فيها فارهقت دولهم وفرقت وحدتهم.
* وارتفع فوق الخصومات والاحقاد والدنايا فتحول الخصوم الى أصدقاء وزاد في عطفه عليهم فملك قلوبهم وأصبحوا سواعده في التشييد والبناء وقد قيل قديماً: إذا كسا الراعي رعيته بحسن رعيته وجميل نعمته ملك القلوب والجوارح معاً، فلقد جبلت النفوس على حب من احسن إليها قال الشاعر:
أحسن الى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الانسان إحسان |
* فمن حسن حظ هذا الوطن ان حباه الله بقادة واسعي الافق بعيدي النظر لما يحيك لوطنهم من دسائس وصعاب فتعاونوا مع اندادهم باحترام وتقدير متبادل بما يخدم مصالح الامة ويعزز امنها وسلامها وبما لا يتعارض مع تعاليم وقيم الشريعة الغراء. ومن منطلق المساواة وليس من منطلق القوة والاملاء ان التمسك بمنهجنا الذي ورثناه من آبائنا وأجدادنا هو صمام الامان لحماية وطننا من المخاطر التي تدبر له وهو الضمان لاستمرار نهضتنا وتفوقنا. والمحافظة على هذا النهج وثوابته في المستقبل هو التحدي الحقيقي الذي يجب على ابنائنا ان يكونوا اهلا لحمل مسؤوليته والالتزام به حتى تفوت الفرصة على من يتربص بنا ليزج بنا في أمور نحن نربأ بأنفسنا عنها. لذا فاننا نتطلع لأن يكون احتفالنا بيومنا الوطني فرصة لكي نهيئ أنفسنا لنؤكد مبادىء عقيدتنا وثوابت نهجنا اننا دولة راعية وداعية للسلام بين شعوب العالم ونعمل على استقراره وامنه من منطلق دورنا المؤثر في الساحة الاقليمية والعربية والاسلامية والدولية فلابد من العمل على تكريس تلك الاسس وهذه المبادىء وذلك العمق الذي نتمتع به في ظل حكومة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الامين وسمو النائب الثاني حفظهم الله الذين حملوا بلادنا الى أعلى مراتب العزة والشرف والسؤدد. والله ولي التوفيق.
|