والذين نفضوا أيديهم من التراث، واستقبلوا فيوض المشاهد الغربية، ستكون لهم تحولات مرتبطة بتحولات من يفيض عليهم كدره وطينه، فيما يشرب المفيض الصفو في الورد والصدور، وما من أحد من أولئك المتلقين للمياه العكرة توخى حاجة الأمة، وبادر إلى ذلك، دون أن يكون رجعاً كرجع الصوت لخطاب الآخر. والمستلهمون لهذا الخطاب منهم مقلٌ ومكثر، ومسيء ومستوعب، ومتسطح ومتعمق. فتبعية (طه حسين) واستئناس (عباس محمود العقاد) وتعالق (محمد مندور) ليست على شاكلة من جاء بعدهم، ممن انسلخوا فكراً. ويقيني أن المشهد النقدي بانتظار ما سيأتي به المستغربون، مما فرغ منه الغرب، ونبذه وراء ظهره. وإذ لا أكون ضد الاقتراض والاستزادة والمثاقفة الواعية مع ما هو مستجيب لحاجاتنا، ولست ضد سنّة الحياة القائمة على التحول المستمر، فإنني أعرف كم هو الفرق بين التفاعل الواعي والتلقي العقيم. ومثلما أن النظريات تنسل تباعاً في مشاهد الغرب ، فإنها كانت من قبل تنسل من مشاهدنا، يوم كنا مستبدين مبتدرين منقبين عن حاجاتنا بأنفسنا وبإمكانياتنا وبمحض إرادتنا. وليس أدل على ذلك من (نظرية النظم) إذ المعروف أن (عبدالقاهر) طرح نظريته في مواجهة نظريات (المعتزلة) حول الإعجاز القرآني، ولم يرقب الآتي، ولم يعول على أحد، بل أعمل فكره ليواجه نظرية معرفية حادت بالنص عن جادة الصواب. لقد حاول من خلال طرحه هذا ان يلغي كثيراً من إنجازات المعتزلة في مجال الإعجاز القرآني. والمعتزلة أداروا النص في فلك العقل، وابتكروا مخارج لقطعيات الدلالة، وأحكموا صنع آلية البلاغة، ولما يكن الجرجاني ولا السلفيون كذلك. ومن ثم فإنه تعامل مع اللغة وأصاخ لها. وتراث المعتزلة له وعليه، ومفسروهم وشُرَّاحهم نقبوا في خبايا اللغة، وكشفوا عن جمالياتها، ولكنهم أخذوا بسلطان العقل المطلق، ولم يعولوا على النص إلا من حيث كونه مجالاً لبراعة العقل، وإن كانت لهم لطائف مبهرة ومثيرة. وكل قراءة واعية ترتبط بنظرية معرفية، نجد ذلك عند (السلفيين) و(الأشاعرة) و(المعتزلة) و(المتصوفة) و(الشيعة) و(الباطنية) ذلك أن النص هو النص، ولكن النظرية قد تميل بصاحبها عن جادة الصواب، وتنطق النص بما لا يريده المرسل. ونظرية (موت المؤلف) تهميش لمقاصده من الرسالة، وتفويض مطلق للقارئ. و(نظرية المعرفة) عند الطوائف الإسلامية أسهمت في انفتاح النص، ومكنت ذوي الملل والنحل من تحميله ما لا يحتمل. (والمركزية) في عملية (القراءة) تبادلها: النص والمؤلف والقارئ. وكل محتل للمركزية من الثلاثة يقوم بين مكوناته صراع على المركزية من داخله، ف (النص) على سبيل المثال حين همش المؤلف والمتلقي، اصطرعت في داخله على مركزية الأولوية: (اللغة) و(الدلالة) و(الفن)، والنقاد يتنقلون بين هذه المكونات المصطرعة، والمقلدون منهم لا يعون المحاذير، ولا يدركون المقاصد، وإنما سمعوا الناس يقولون شيئاً فقالوه. والتحرف الواعي يمكِّن العلماء والمفكرين والنقاد من إنتاج مناهج وآليات توجه النصوص وفق رؤيتهم، وقراءة معاجم المصطلحات النقدية القديمة تؤكد ثراء التراث بالمناهج والآليات وتشير إلى تعدد الاهتمامات، وما على المترددين إلا ان يقرؤوا ما أعده د(أحمد مطلوب) و/د(محمود الربداوي) و/د(الشاهد البوشيخي) وآخرون تقصوا التراث النقدي، وكتبوا عن مصطلحاته منفردة أو مجتمعة. وقد يستهلك المصطلح الواحد رسالة علمية كاملة، كما في كتاب (مفهوم الأدبية) للدكتور (محمد الزيدي)، ومن قبل أولئك (محمد مندور) الذي تعقب المنهج النقدي العربي وحرره. ولكل نحلة طريقتها في التلقي ولم تفترق الأمة إلا بسبب تعدد نظريات المعرفة. والمذاهب والنحل والملل ناتج قراءة واعية، تجاوزت التراتب والنمطية، ورسمت لنفسها نظرية في القراءة، وإشكاليات التأويل فرقت كلمة الأمة وحققت خبر الصادق (وستفترق هذه الأمة...) ومع ان عوائد تلك النظريات أضر بنقاء التصور الإسلامي للأشياء، إلا أنه أسس للفكر الإسلامي. ومثلما جنح الفلاسفة إلى (علم المنطق)، فقد تحرف الإسلاميون (لأصول الفقه) وقواعده، وركنت طائفة منهم إلى (المنطق اليوناني). و(الجرجاني) فيما يرى البعض انطلق في نظريته من النحو، ولم يبرحه، وقد يطلق على مشروعه (نظرية نحوية) وهذا يفتح أبواب الاحتمالات، ويحدو بالنقاد المقارنين إلى افتراض التقائها مع نظرية (تشومسكي) في المرجعية على الأقل، أكثر من دعوى التقائها (بالبنيوية) ذلك أن (البنيوية) استدعيت من حقل مغاير على افتراض أن اللغة بناء وتفكيك وإعادة بناء. حتى أن الدكتور (عبدالله بن حمد الخثران) في كتابه (الاتجاهات التجديدية في الدرس النحوي) جعل هذه النظرية عند (عبدالقاهر) منهجاً جديداً في الدرس النحوي، نائياً بها عن المنهج البلاغي الصرف، وماهو حقيق حين ذاد عنها حقولاً كثيرة، كالبلاغة والأسلوب والإعجاز. وكأنه أراد أن يعزلها عن البلاغة والأدب، بدافع التعصب للنحو، لكونه أحد فرسانه، ولربما حفزه إلى ذلك أنه رأى فيما يذهب إليه الدارسون ميلاً إلى جعلها في سياق تاريخ النقد الأدبي وتاريخ علوم البلاغة، ومنشوء ذلك كله الافتعال والانفعال. ول (الخثران) بعض الحق فيما ذهب إليه، لأن الهمَّ الذي يحمله الجرجاني همٌ نحوي يخالطه شيء من البلاغة، فالنحو طريق قاصد للدلالة، والبلاغة طريق قاصد للجمالية، والطريقان قد يتبادلان المهمات، أو يصطحبانها، وإن كان أعد مشروعه ليكون برهانا على الإعجاز البياني للقرآن الكريم، ورداً على (المعتزلة) وعالمهم الكبير (القاضي عبدالجبار)، وهذا ما كشفه العلامة (محمود محمد شاكر) في مقدمته . ومن العجيب أن الدكتور (عبده راجحي) في كتابه (النحو العربي والدرس الحديث) لم يعرض لهذه النظرية، ولم يشر إليها، ولم يعدَّها إرهاصاً للدرس النحوي الجديد، وهي نظرية نحوية واضحة، وإن اتسعت للبلاغة والأسلوب. أما الدكتور (أحمد مطلوب) في كتابه (عبدالقاهر الجرجاني بلاغته ونقده) فيعتبر بحق رائد الدارسين لهذه النظرية واكتشاف منحاها النحوي حيث يقول: (مرَّ النحو قبل عبدالقاهر بتطور كبير بعد أن وضع سيبويه كتابه الشهير وصنف المبرد كتاب المقتضب).... إلى أن قال: (ويختلف منهجه عن منهج النحاة في بحثها... وكان النحو عنده البيان الذي يحلل النصوص ويوازن بينها) (ص57). وكأنه بهذا يحاول الربط بين النحو والنقد من جهة، وبينه وبين البلاغة من جهة أخرى، ملغياً الفواصل الحدية. ونحن هنا لا نغمط الدكتور (أحمد أحمد بدوي) حقه في حديثه عن النظم، وربطه في المنهج النحوي، ولكن تجريد القضية وتحديد مسائلها، كانت بالفعل على يد (أحمد مطلوب) ومن بعده الدكتور (الخثران). و(بدوي) الذي أدرك فكرة النظم، لم يشأ جعلها تطورا في الدرس النحوي، بل رآها أسلوباً من أساليب البيان الذي استخدم النحو في سبيل ظهورها وتحريرها. وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول بأن هناك فرقاً واضحاً بين (البنيوية) باعتبارها فلسفة مجردة من الاستخدام المعرفي لعلم النحو والاجتماع والأدب ونظريات (عبدالقاهر) و(تشومسكي). وكان بودي لو وجدت الجهد والوقت والمرجعيات الموسعة لأتعقب جذور البنيوية الفلسفية، والوقوف على طرائق المفرغين لمحتويات المصطلحات، وتجلية الغفلة والجهل عند أدعياء البنيوية، ولست أشك أن جذورها مادية جدلية، وأن إمكانية التفريغ التام عصية، وجذور البنيوية الفلسفية تعول على المادة والحركة والطاقة وناتج العلاقة، التي تزول بزوال العلاقة وتفاعلاتها، ولا تؤمن بمبدأ العلة المباينة. ولأنني لم استكمل هذا الجانب فانني أغري المقتدرين من طلائع شبابنا الجادين في الدراسات العليا في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، ليتلقفوا الخيط، ويمضوا مستكملين ما بدأه (فؤاد زكريا) في كتابه (آفاق فلسفية) و(زكريا ابراهيم) في كتابه (مشكلة البنية) الذي تحدث عنها من خلال (الماهية) محيلاً إلى قانون التحولات والأنساق، وبعد أقل من خمسين صفحة قفز إلى البنية في ميدان اللسانيات، و(الانثروبولوجيا) و(الابستمولوجيا) و(السيكولوجيا) وانتهاء ب (الماركسية). وإذا كان النقاد استخدموا المنهج البنيوي كأسلوب نقدي جديد، فإنهم يتناولون هذا المنهج كما يتناوله (سوسير) و(تشومسكي) وغيرهما، وكما ذهب من قبل كل أولئك عبدالقاهر. وعلينا لكي تدق رؤيتنا في تصور الأشياء أن نقتفي أثر المصطلح في عملية رصدية استكناهية، فالفلاسفة واللغويون و(الانثربولوجيون) و(الماركسيون) والنقاد كل أولئك قالوا من خلال (البنيوية) وهي معهم في تقلب مستمر، مفاهيمها داخل الحقل المعرفي الواحد تختلف من مرحلة لأخرى، ومن مفكر لآخر، فكيف بها حين تبرح حقلها إلى حقل مغاير، ولهذا فإننا لن نستطيع ان نقول إن (النقد البنيوي) امتداد (لنظرية النظم) عند (عبدالقاهر)، وإن كان هناك بعض التشابه، لأننا حين نغوص في أعماق هذه النظريات يتضح لنا الفرق الدقيق بينها، وهذا ما لم يكلف بعض الدارسين نفسه فيه، الأمر الذي أوقعنا في شيء من الخلط العجيب. وفلول الدارسين الذين يرددون مصطلح (النص) ويتهافتون على القراءة من خلال مفاهيمه التي لم يستوعبها بعضهم، ويربطون بينه وبين المنهج والآلية مكتفين بالقراءة التلفيقية أو الاعتباطية يتجاوزون مقتضيات تلك المصطلحات، أو يقصرون دونها، (فالنص) قد يحيل إلى البناء اللغوي، وقد يكتفي باستحضار سلطانه بوصفه بديلاً لسلطان المؤلف أو الموضوع، وقد يحيل إلى أشياء غائية. وقراءته عند بعض الاتجاهات تعني تقويض اللغة بآليات تمتلك القدرة على تفكيك البنية بطريقة دقيقة لانتاج دلالة تتعدد بتعدد القراء، وهذه الفرضية أفقدت رسالة النص مهمتها التوصيلية، بحجة (التوتر) و(الانقطاع) و(الانفتاح)، وأتاحت الفرصة للتأويل المتمرد على كل قيد. حتى لقد أدان بعض المتعقلنين فقهاء الإسلام بما توصلوا إليه من استنباطات مرتبطة بقواعدهم وأصولهم، محيلاً إلى ثبات الحكم بشأن الدلالة دون النظر إلى تغير الأحوال. وحين نسمع ب (قراءة النص) كما فعل (نادي جدة الثقافي) تشرئب أعناقنا إلى مقاصد المصطلح ومفاهيمه، ويتبادر إلى الذهن (البناء اللغوي) الذي لا يمتد إلى الدلالة، وإن كان (الماركسيون) دسوا أنوفهم، وطوعوا المنهج البنيوي ليكون قادراً على استيعاب البعد الموضوعي و(البنيوية التكوينية) اشتغال بالدلالة بوصفها (بنيوية موضوعية)، وقد يأتي من يفكر بمقاصد (الأنساق الثقافية) بوصفها تخطياً من جماليات النص إلى معطياته. و(النقد الإسلامي) له وقفات مع النص، تصطحب معها البنية ومفاهيم الجماليات متخطية إلى الدلالة وانعكاسها على الممارسة، وهذا المقصد لايتحقق إلا من خلال الاشتغال بالنسق الثقافي المستذكر بعد آمة. والنقاد الذين لا يستبدون، ولا يبادرون، ولا يفكرون، يظلون مرتهنين لتفكير الآخر. وقد تؤول بهم الاتكالية إلى غبش الرؤية، وارتباك التصور، ولهذا لابد من تأسيس حركة نقدية عربية، تآخي بين التراث والمعاصرة، وتضع كل الاعتبار للقيم الحضارية، وتتفادى الذوبان، وتتمكن من هضم الجديد، ليمكث منه في الذاكرة ما ينفع الأمة، تاركة الزبد يذهب جفاء. ولا يُحْسِن المؤاخاة إلا الذين تضلعوا من التراث، وعرفوا إشاراته الذكية، واستوعبوا المستجد دون انبهار. وعلى الذين أسرفوا على أنفسهم باستدعاء النص، أن يعرفوا تداعياته، لا من حيث مداخله التاريخية وأشكاله ونظرياته المتعددة بتعدد المتحدثين، وبتعدد الأزمنة والأمكنة، ولكن من حيث ما ذكر، وما لم يذكر، مما هو مرتبط بمفهوم النص في الماضي والحاضر، وفوق كل ذلك لابد من السيطرة على مفاهيمه التي تسهم في تناسل النظريات. والذين يعولون على النص بوصفه المصطلح الأكثر حضوراً في الراهن النقدي لابد أن يلموا بأبنيته التي لا يمكن تفكيكها والغوص في أعماقها إلا من خلال تجويد (نحو النص) والحد من (نحو المعيار). والذين أسهموا في قراءة النص، عبر ملتقاه وجاءت دراساتهم ضمن الملف الذي أصدره (نادي جدة الثقافي)، لم يستوعب أكثرهم مقاصد المصطلح ، ولم يستشعروا رؤى أساطين (نظرية النص) من أمثال (ماينريش) و(مندايك) و(بتوني) ولم يعَّولوا على منجز المفكرين والأدباء، وبخاصة المغاربة منهم مثل د(محمد مفتاح) و(حمادي صمود) و(سعيد يقطين) والمصريين مثل د(جابر عصفور) و(نصر حامد أبوزيد) الذي أضلته نظريات (قراءة النص) فجاء بما لايحتمل، حتى اضطر إلى النجاة بجلده والهروب خارج وطنه، إضافة إلى إسهامات (يمني العبد) و(علي حرب) و(جوليا)، على أن مصطلح (الكتابة) بدأ يؤتي ثماره مهمشاً نظرية (النص). إننا سعداء باستدعاء النظريات والمصطلحات والمناهج، وما من سبيل إلى التلاقح الحضاري إلا من خلال الجسارة، ولكننا أخوف ما نخاف على راهننا من الاهتياج الأعزل، وتقحم المفازات سعياً وراء سراب القيعان، ومآل ذلك كله تشكيل ذهنيات مزيفة، تحرف الكلم من بعد مواضعه. وتداول المصطلحات، دون فهم دقيق، ووعي عميق، يكشف عن تسرع يربك العملية الاستيعابية، ومتى قصرت أيدينا عن أخذ المستجد بقوة فإن الأجدى تمثل تراثنا استعداداً لتلقي ما يفد. والذين استدبروا تراثهم، وأخذوا بعصم المناهج الجديدة لا يقدر أكثرهم على المؤاخاة المطلوبة، ولايقدرون على الحوار المتكافئ، ولا يحتملون متطلبات التأسيس والتأصيل. ومع كل ما ينتابنا من الخوف فإن مشاهدنا المحلية والعربية لا تخلو من كفاءات استوعبت التراث والمعاصرة، واختطت لنفسها منهجاً متوازناً، يستجيب لمتطلبات المرحلة. والخوف كل الخوف من دهماء تحسب الشحم ممن شحمه ورم.
|