الثروة اللغوية مهمة للكاتب، لا يمكن ان يملك زمام الكتابة القوية بدون ثروة لغوية، الكتابة لا ينفع معها الفقر اللغوي، لانه يصيب القلم بالاحتباس ويحول بين الكاتب وبين الاختيار الامثل والافضل للكلمات المناسبة للموضوع الذي يكتب فيه..
والثروة اللغوية لا تنزل على الكاتب من السماء، ولا تتوافر لديه بغير جهد مبذول، انها نتيجة قراءة جادة، ومعرفة بلغتنا العربية واسرار بلاغتها، ومواطن فصاحتها، انها ضرورة وحاجة، وهي السبب في نجاح الكاتب او اخفاقه.
اذا كان الكاتب فقير اللغة صعبت عليه الكتابة، واحتاج الى وقت اطول في كتابة اقصر موضوع يريده، واضطر الى استخدام كلمات بعيدة عن المعنى المراد، أو منافية للذوق السليم، والرؤية الموضوعية المتزنة.
واذا كان الكاتب غني اللغة خرج من هذا المأزق اللغوي الذي يقع فيه كثير من الكتاب.
ولعل هذا هو السبب في تفلت الكلمات غير اللائقة، والجمل غير المنسابة، من اقلام كثير من الكتاب والصحفيين الذين يتصدون للنقد والتوجيه.
ولا شك ان العبارات «السيئة» قريبة المأخذ من الكاتب، كأنما تقف على طرف قلمه، فهي اسهل عليه، واقرب الى ذهنه ووقت كتابته، فاذا كانت لغته فقيرة، سيطرت عليه تلك العبارات السيئة واصبحت قاموساً لغوياً لا يفارقه، وهنا يهبط مستوى كتابته.
وهنالك جانب آخر يحدث بسبب فقر الكاتب لغوياً، الا وهو اضطراب الاسلوب، وركاكته، وهبوط مستواه الفني، وانقطاع العبارة انقطاعاً يحول بينها وبين احترام القارىء واهتمامه، وهذا الخلل شائع بصورة واضحة في كتابات كثير من ادباء هذا الزمن ومثقفيه وصحفييه، الامر الذي يوحي بضعف واضح في المستوى اللغوي عند هؤلاء.
من السهل على الكاتب ان يتهم غيره، ويسب ويشتم، ويستخدم عبارات قاسية ربما تشبع نهم بعض المحبين للاثارة من القراء، ولكن ذلك يقلل من اهمية هذا الكاتب وكتابته، ويبعده عن الهدف الاسمى من الكتابة الراقية.
ان التفلُّت والمخالفة اسهل بكثير من الالتزام، كما ان الهدم دائماً اسهل من البناء، ومن هذا المنطلق كانت «الثروة اللغوية» ضرورة وليس ترفاً، لانها تقوم ميزان الكتابة، وتسهم في ترتيب الافكار وتنظيمها، وتنتقل بالكاتب من هامش صفحة الابداع الى داخلها، وتسعف الكاتب بكلمات كثيرة ينتقي منها ما يشاء للتعبير عن آرائه وافكاره، وهذا هو السر في تميز بعض الكتاب عن غيرهم، وفي سعة دائرة المعجبين بالكاتب دون غيره.
اللغة حياة وحركة، وكيان كبير حافل باعداد كبيرة من العوائل والاسر والافراد، لابد للكاتب المجيد من التعرف عليهم جميعاً، ومن التغلغل في معرفة اساليب حياتهم حتى يكون صداقة دائمة عريقة، وعلاقة وثيقة مع عائلة كل كلمة، واسرة كل جملة، ومع كل فرد من افراد حروف اللغة وكلماتها واساليبها، حتى يكون كاتباً ذا قيمة في نفوس من يقرؤون له.
ان السر في «الاحتباس اللغوي» الذي يعاني منه كثير من الكتاب والمتحدثين من ابناء العربية في هذا الزمن، هو «الفقر اللغوي» الذي يعانون منه.
كم من مقال صحفي او زاوية او كتاب ادبي او غير ادبي ضاع في الزحام، وذهب مع الريح، ولم يعد له ذكر عند الناس ولا مكان في قلوبهم، وليس لذلك الا سبب واحد وهو «الفقر اللغوي» الذي يحرم الكاتب من استخراج كنوز لغتنا الخالدة.
ان ابلغ العرب وافصحهم هو محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يوصف بأنه لم يكن سباباً ولا شتاماً ولا فاحشاً ولا متفحشاً.
إشارة:
كم فتى غائب عن العين موجود وكم حاضر طواه الغيابُ |
|