تؤكد سجلات أحداث التاريخ أن تسنم دولة ما للقمة الحضارية يجعل من القدر الداخلي لهذه الدولة أقداراً مشاعة عالمياً، بمعنى آخر فالشأن الداخلي لهذه الدولة (الإمبراطورية) يصبح هو ذاته شأناً عالمياً، وتتضح معالم هذا القول في أحداث 11 سبتمبر التي تمثل تداعياتها لحظتنا الزمنية هذه أجلى الأمثلة على حقيقة ظاهرة تقاطع الحدث الداخلي للدولة (الإمبراطورية) مع الأحداث الدولية الأخرى، وعند نقطة التقاطع التاريخي هذه تتمخض داخل الإمبراطورية ما يتولد عنه العديد من الحقائق الخارجية، ولنا على ذلك مثالان: أولهما يتمثل في الدعوة الشائعة في أمريكا تاريخياً والمتطلعة إلى الأخذ بمنهاج «العزلة» أو ما يُعرف مصطلحاً باللغة الإنجليزية ب (Isolationism)، والعزلة هنا تعني الانسلاخ عن هموم السياسة الدولية والتوقف عن الانغماس والإيغال في أوحال تبعاتها المتشابكة والاهتمام عوضاً عن ذلك بالشؤون الداخلية لأمريكا، هذا وعلى الرغم من قدم هذه الرغبة فالملاحظ أنه غالباً ما تحول الأحداث الداخلية أو الخارجية دون تحقق هذه الرغبة بل ارجاعها إلى نقطة الصفر الزمنية من بداياتها، تماماً كما حصل ويحصل في أعقاب كل حدث من الأحداث التاريخية الحديثة والمعاصرة كالحربين الكونيتين وحربي كوريا وفيتنام وغيرها من الحروب والنزاعات الأخرى.
أما المثال الآخر على التقاطع المتبادل بين الأحداث الداخلية للإمبراطوريات والأحداث العالمية فهو موضوع «الهجرة»، فهو مثل العزلة من ناحية القدم وازدواجية التأثر والتأثير داخلياً وخارجياً. والمجتمع الأمريكي هو في الأساس نتاج للهجرات الأمر الذي معه يمكن القول إن الهجرة قد تأسست مع تأسس أمريكا ذاتها لتظل إلى يومنا هذا موضوعاً حياً حيوياً، ورغم داخليته فهو يؤثر ويتأثر بما يتقاطع من أحداث الداخل مع أحداث الخارج.
وفي ظل حيثيات «التقاطع» المناقش آنفاً ماذا سوف يحدث بعد انقشاع غمة أحداث 11 سبتمبر؟.. هل ستعود أمريكا إلى التطلع مرة أخرى نحو العزلة؟ أم هل سوف يحدث العكس من ذلك حيث يزداد توغلها في متاهات السياسة الخارجية على نحو يشتت تركيزها الداخلي ويضيع هويتها فيذيبها في النهاية؟
أما اجابة ذلك فيبدو أن قدر أمريكا - مثلها في ذلك مثل أية إمبراطورية - هو الخروج من مأزق تاريخي إلى آخر مما يؤكد استحالة تحقق العزلة المأمولة، أما بخصوص موضوع الهجرة وبما أن ما لا يدرك في أمريكا بقوة القانون يتحقق بفعل ما يحدث عالمياً فيبرر تعطيل هذا القانون، فمن المتوقع بعد الأحداث المعنية لجوء أمريكا إلى الحد من حصص ومعدلات تدفق المهاجرين المسلمين إليها وهذا في حد ذاته أمل طالما سعت القوى الصهيونية النافذة هناك إلى تحقيقه وذلك بسبب بلوغ المسلمين الأمريكيين بالكم والكيف مستويات متقدمة الأمر الذي زرع الخوف في نفوس الصهاينة من اقتراب نهاية تفردهم في التأثير في سيرورة واتجاهات السياسات الداخلية والخارجية لأمريكا.
|