يشكل كتاب «البؤساء» لكاتبه الفرنسي فيكتور هيجو مدخلا مميزا لأي مكتبة تجارية في المملكة مثله مثل قاموس المورد: في كل سنة له طبعة جديدة وفي كل مرة له غلاف جديد ولكنه لا يمكن ان يفارق أي مكتبة تجارية سعودية، فمنذ أن ولدت من بطن أمي وأنا أشاهد هذا الكتاب في مكتبات المملكة كأنما وزارة الاعلام تفرضه على المكتبات كجزء من قواعد السلامة، كما يفرض الدفاع المدني طفايات الحريق على المطاعم.
وليس تغيير طبعته أو تغيير ديكور غلافه أو موضعه في الرفوف إلا من باب تأصيل وجوده. لا أعرف هل قرأته عدداً من المرات؟ هل قرأته مرة واحدة؟ هل قرأته ولم أتمه؟ هل قرأته أصلا؟ لقد اختلط عليَّ الأمر. فقد تجاوزت علاقتي به حدود العلاقة الطبيعية بين قارىء وكتاب. فلم أعد مهتماً بقراءته أو معرفة محتوياته. يكفي ان أطمئن بين فترة وأخرى أنه موجود في مكتبات المملكة لأرتاح نفسياً وأشكر الله على نعمة الابداع العالمية. في الحقيقة لم احتج الى مثل هذا الاطمئنان لأنه موجود بشكل تلقائي. ولكن الاطمئنان واجب على أي حال. سمعت كثيراً أنه من عيون الروايات الفرنسية ومن أهم ما أنتج في عصره وكلام كثير عنه. ورغم كثرته وتجذره في المكتبات السعودية لم أسمع أن أحداً قرأه أو كتب عنه أو حتى أشار إليه بين المواطنين السعوديين. ولم يشتمه أحد كما عودونا على شتم الكتب الأجنبية وهذا ما يثير شكوكي. هل هو مجرد غلاف خالٍ من أي أوراق محبرة. مثل كتب الديكورات.
في إحدى اللحظات الخارقة التي تخرج بأصحابها عن المألوف دار في ذهني أن هذا الكتاب ينطوي على سر. فمن غير المعقول أن تمنع بعض الروايات العالمية من التداول في مكتبات المملكة باستثنائه.. قررت ان أزور أقرب مكتبة وأطلُّ فيه وأقرأ بعض الصفحات لأنعش ذاكرتي أو على الأقل أتأكد أنه كتاب فعلا. استحوذ على قلبي السر الذي ينطوي عليه هذا المجلد الخالد. دخلت المكتبة وأنا أتلفت يمينا وشمالا ملقيا بغترتي على أطراف وجهي لكي لا يراني أحد. ومن باب الحيطة تظاهرت بأني أنوي شراء قلم. فمررت أولاً على رف الأدوات المكتبية وقلبت الأقلام والمحايات والدباسات وأنا أطالع هنا وهناك حتى لا يراني أحد ويشتبه في وجودي خصوصا أن أرفف الأدوات المكتبية تقع بالقرب من الرف الذي يقع عليه كتاب البؤساء الخالد. قست المسافة فلم تتعدَ أكثر من ثلاث خطوات. يا الله هل يعني أن سر الثقافة في المملكة لا يبعد عني سوى ثلاث خطوات.. تسللت الى الرف الذي يستلقي فيه، اقتربت منه فشعرت برعشة تسري في جهازي العصبي، إني اقترب من سر الثقافة في المملكة. ركزت شجاعتي في يدي وقبل أن أضعها على الكتاب اقترب مني رجل وكأنما انشقت الأرض عنه. لا أعرف ما الذي يريده. ربما كان مجرد زبون عادي. تظاهرت بأني على ما يرام ودندنت بأغنية حتى أشعره بأني لا أنطوي على نوايا بحجم كشف سر كتاب البؤساء الخالد في مكتبات المملكة. لبث الرجل قليلا عند رف الأدوات المكتبية ثم التقط محاية وتحرك إلى جهة أخرى من المكتبة. اختفى عن نظري، ولكن من يضمن لي أني لا أقع الآن تحت طائلة نظره. الحذر واجب، كانت صورة فيكتور هيجو بلحيته الكثة وعينيه السوداوين تتسيدان غلاف الكتاب، ما الذي يريد ان يقوله لي هذا الرجل الفرنسي الميت منذ أكثر من قرن من الزمان. لماذا يطاردني كلما دخلت مكتبة بيع كتب في المملكة. لماذا سحبت كل الكتب الجيدة من المكتبات السعودية وبقي كتابه يتغلغل معنا في كل الأزمنة؟ من هم البؤساء في ظنه وحسب تقديره. لماذا يذهب المثقفون السعوديون إلى خارج المملكة إذا أرادوا الحصول على الكتب؟
شعرت في تلك اللحظة ان الجواب مخطوط في كتاب هذا الرجل الملتحي. ارتعشت يداي وأنا أسحبه من الرف. كان مجلدا ضخما مثقلا بأربعين سنة من التفرد والوحشة. طالعت يمين شمال للمرة الأخيرة. لقد اتخذت قراراً بفتحه وتحمُّل تبعات ما في داخله حتى وإن كانت نبوءات الحزن الانساني، هل أبدأه من الفهرس أم من المقدمة، ولكنه انفتح على وسطه تقريباً فبدا لي أنه ينطوي على قوائم أسماء كلها مألوفة بالنسبة لي. عرفت كثيراً منها على المستوى الشخصي فسارعت الى حرف الباء وفي الصفحة المائتين والعشرن قرأت: عبد الله بن بخيت/ كاتب سعودي.
|