أبدى رجال الاقتصاد والمال ل«الجزيرة» صدق مشاعرهم بمناسبة يوم الوطن وذكرى التوحيد، حيث اكدوا على قوة البناء الاقتصادي وازدهار القطاعات التنموية بشكل عام والمستوى الذي وصل له الإنسان السعودي من سمو فكري وتقدم علمي يضرب بجذوره في عمق التأريخ، متسلحا بشرع الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم اللذين قامت على أساسهما هذه الدولة وأخذ بناصيتهما المؤسس الراحل عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - وسار على نهجه ابناؤه البررة حتى عهد ألفهد حفظه الله وأيده بنصره وعضده ولي العهد الامين وسمو النائب الثاني، وما يعنيه هذا اليوم التأريخي من تأصيل معاني الولاء والتضحية لأبناء الجيل الحالي الذي ينعم بهذه الحياة الكريمة.
حيث تحدث في البداية رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بالرياض الاستاذ عبدالرحمن بن علي الجريسي فقال:
ونحن نتنسم هذه الايام ذكرى اليوم الوطني لمملكتنا الحبيبة، يكون من الواجب علينا ان ننجز ما يشبه (جرد الحساب)، السنوية، حتى يتبين لنا كم قطعنا من أشواط في سبيل الوفاء الجاد لهذا الوطن العزيز، منذ تكونه وتوحيده على يدي المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز آل سعود، وقد تابع أبناؤه من بعده هذه المسيرة المباركة إلى حين رسوها عند يدي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز يحفظه الله ويرعاه.
كثيرة هي المنجزات التي تمت خلال العهود المتلاحقة وأنها لمن الكثرة بحيث يحار المرء معها، من أين يبدأ وماذا يعد؟ ولعل فترة تولي خادم الحرمين الشريفين مقاليد الحكم والتي ناجزت العقدين ويزيد، هي بكل تعبير تعد من أعظم ألفترات التي مرت على المملكة.
والمتتبع لمسيرة القطاع الاقتصادي - على سبيل التمثيل يجد أنه قد عبر وبثبات تام صعوبات جمة لكنه اليوم وبفضل الله ثم بفضل الدعم والمتابعة وتيسير السبل امامه اصبح من أكبر اقتصادات المنطقة بل وذا تأثير مهم على الوضع العالمي برمته. حيث تشهد الصناعة في المملكة مزيدا من التطور والنماء وزادت فرص قبولها وذيوعها في الأسواق الإقليمية والدولة حتى انها اصبحت تصل إلى نحو مئة دولة في العالم.
وقال الاستاذ الجريسي: ومن مؤشرات التطور الصناعي في المملكة ازدياد عدد المصانع من نحو 994 إلى 3468 مصنعاً وبنسبة نمو بلغت 349% كما ارتفع اجمالي المبالغ المستثمرة في هذا القطاع من 2 ،45 مليار ريال إلى 4 ،240 مليار ريال بنسبة نمو وصلت إلى 532% وزادت فرص العمل من نحو 110 آلاف عامل إلى ما يزيد على 330 ألفاً.
وتوجت الدولة جهودها في إطار سعيها لتطوير منظومة الاقتصاد الوطني المتنامي بتأسيس المجلس الاقتصادي الأعلى الذي يرأسه سمو ولي العهد الأمين والهيئة العامة للاستثمار والتي باشرت أعمالها للنهوض بحركة الاستثمار بالمملكة إلى أعلى المستويات حتى وصلت طلبات المستثمرين من الداخل والخارج إلى ما يزيد على 430 طلبا صناعيا وخدميا بلغت قيمتها نحو 35 مليار ريال، ولعل اكبر إسهامات الهيئة هو جهودها نحو إعادة توطين رؤوس الأموال الوطنية المهاجرة.
واضاف الجريسي: ومن المتوقع ان يؤدي القطاع الخاص السعودي دورا مهما في الناتج المحلي الإجمالي، بحيث ترتفع نسبة مساهمة (القطاع الصناعي) من 11% إلى 20% بحلول عام 2010م، وستؤدي هذه المساهمة إلى زيادة حجم الاستثمارات التي يتوقع لها أن تصل إلى أكثر من 460 مليار ريال وزيادة فرص العمل إلى نحو 500 ألف فرصة عمل.
ويرى العديد من الاقتصاديين ان الوصول للمعدلات المستهدفة في القطاع الصناعي في المملكة يتطلب تحقيق معدل نمو مستدام لا يقل على 4% سنويا، ولتحقيق هذا الهدف فإن على القطاع الصناعي ان يحقق نموا سنويا لا يقل عن 10%، وهذا بالطبع يستوجب استثمارات إضافية ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الصادرات من الانتاج الصناعي من 30% إلى 50% وارتفاع معدل الاكتفاء الذاتي المحلي من 50% إلى 70%.
إن الأمر الواضح الذي يمكننا مشاهدته، هو ان المملكة اصبحت تؤدي دورا مهما على صعيد الانتاج غير النفطي على مستوى العالم حيث حقق هذا القطاع في العام 2000م، نموا نسبته 6 ،2% بالمقارنة ب 7 ،1% في العام 1999م، كما ارتفع معدل النمو في القطاع الخاص من 2% عام 1999م، إلى 9 ،2% في العام 2000م، وتشير التوقعات إلى نمو القطاع الخاص بنحو 2 ،4% خلال العام 2002م، بزيادة تصل إلى 20%، كما من المتوقع ان يبلغ اجمالي الصادرات 68 بليون دولار بنهاية هذا العام.
وفي ختام حديثة قال الجريسي: وغير خاف ان التحديات الدولية الراهنة مثل الاتجاه نحو العولمة الاقتصادية والتكامل والاندماج في كيانات اقتصادية كبرى عابرة للقارات، تفرض على الاقتصادات الوطنية مباشرة استراتيجية جادة تقود إلى سرعة التكيف مع المتغيرات الحاصلة والمستجدة وتدفع إلى سرعة تنويع القاعدة الانتاجية.
ويمكننا التعويل بشكل اكبر هنا على القطاعات الحديثة، مثل اقتصاد الخدمات والاقتصاد الالكتروني والسياحي، خصوصا وأن تقديرات اولية ذكرت ان الإيرادات المتوقعة من القطاع السياحي الداخلي ستصل إلى نحو 40 مليار ريال بنهاية العام المقبل وهو مبلغ جيد يمكن البناء عليه وتدعيمه مستقبلا.
وبالمجمل يمكننا القول إننا نتقدم وبشكل علمي ومنهجي في توسيع القاعدة الانتاجية، ولعل زيادة مساهمة الانتاج الصناعي غير النفطي في الناتج المحلي من 11% عام 2000م، إلى أكثر من 20% بنهاية هذا العقد.. تشكل سيرا في الاتجاه الصحيح.
تخفيف آثار التقلبات
أما الاستاذ صالح بن عبدالعزيز العمير وكيل وزارة المالية والاقتصاد الوطني سابقاً فقال:
تشترك المجتمعات الاقتصادية التي تحكم مسارها عوامل العرض والطلب في خاصية واحدة هي الديناميكية بمعنى التغير المتواصل وعدم الثبات على نمط واحد او الانتقال من حالة إلى أخرى وبمعنى آخر ان هذه المجتمعات تتعرض من وقت لآخر لبعض التقلبات الناشئة عن تغير في مستوى الندرة والوفرة وما يصاحب ذلك من ارتفاع وانخفاض في الاسعار تعقبه حالة جديدة من الندرة والوفرة وهكذا في حركة ديناميكية متواصلة ومترابطة اي ان هذه الديناميكية ذاتها تؤدي إلى نشوء اوضاع غير متوازنة الا انها قابلة بشيء من التنظيم إلى الاعتدال.
من هذا تبرز اهمية ايجاد تنظيم يتلاءم مع كل حالة لغرض الوقاية والتخفيف من الآثار السلبية لهذه التقلبات، ويمكن التعبير عن هذا التنظيم (الاكسير) بما يطلق عليه الاقتصاديون السياسات المالية والنقدية وهناك صيغ مختلفة ونماذج متعددة لهذه السياسات ترمي إلى التقليل من الآثار الضارة لهذه التقلبات وإلى تحقيق المزيد من الانتعاش الاقتصادي والنمو الاجتماعي، فعلى سبيل المثال فإن الانفاق الحكومي او فرض موارد اضافية على شكل ضرائب ورسوم أو تخلي الحكومة عن ممارسة نشاط اقتصادي معين وبيعه للقطاع الخاص (الأهلي) تمثل إحدى الصيغ التي تلجأ اليها الحكومات لتصحيح اوضاع معينة، كما ان ممارسة البنوك المركزية لدورها في التأثير على معدلات ألفوائد التي يدفعها المستثمرون على القروض التي يحتاجون اليها تعتبر عاملا مهما يؤثر على قرارات الاستثمار وعلى معدلات الاسعار بشكل عام.
ويهمنا في هذه المقالة التطرق بتركيز مختصر على قرارات الحكومة بالانسحاب من نشاط اقتصادي معين ودعوة المستثمر الخاص إلى ممارسة هذا النشاط ومن دون اطالة فان الحديث السائد هذه الايام في اوساط رجال المال والأعمال في المملكة هو عزم الحكومة على بيع جزء من ممتلكاتها في شركة الاتصالات إلى القطاع الخاص، ويأتي هذا القرار نتيجة طبيعة وتسلسلا منطقيا لقرار سابق اتخذته الحكومة (قبل اربع سنوات) بتحويل مرافق الاتصالات إلى شركة تدار على أسس اقتصادية وهو بدون شك قرار انطلق من مفهوم صحيح ونظرة صائبة نحو اختيار الاسلوب الاكثر كفاءة وفاعلية في تقديم الخدمات للمجتمع السعودي وفي اشراك القطاع الأهلي في تطوير هذا المرفق وادارته.
وأضاف العمير: ومن اجل ايضاح الاساس ألفكري والعملي لمفهوم التحول من الادارة الحكومية لبعض المرافق إلى القطاع الأهلي يحسن التطرق بإيجاز إلى التطور التاريخي لنشأة وادارة بعض المرافق من قبل القطاع الحكومي.
من المعلوم ان جميع دول العالم تولي اهتماما متزايدا لقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها اهم عوامل توفير سبل العيش ومجال التوظيف لمواطنيها فضلا عن انها تمثل مصدرا أساسيا للاستقرار السياسي والاجتماعي.
وفي مراحل تكوين الكيانات والأنظمة السياسية اخذت بعض الحكومات على عاتقها مسؤولية اقامة وادارة بعض المرافق ذات الطابع التجاري التي احجم القطاع الأهلي عنها او لم توفر لديه الامكانات المادية والفنية لإقامتها وادارتها.
واوضح العمير: والمملكة العربية السعودية ليست استثناء من هذه الظاهرة حيث شرعت الدولة السعودية منذ بداية تأسسها في اقامة المرافق والمنشآت (التي لم يكن القطاع الأهلي مؤهلا في تلك المرحلة للمساهمة فيها) وذلك انطلاقا من مسؤوليتها تجاه مواطنيها في توفير خدمات المرافق الضرورية مستلهمة من ذلك تخفيف الأعباء والتكاليف على المستهلكين والمستثمرين معا. ولم تكتف حكومة المملكة العربية السعودية فقط بتحمل مسؤولية انشاء مشاريع ومنشآت البنية الأساسية، بل سعت إلى توفير الأدوات التي تدفع القطاع الأهلي إلى الاستثمار في المجالات الأخرى.. وذلك من خلال ايجاد قنوات التمويل الرئيسية المتمثلة في صناديق التنمية المتعددة من صناعية وزراعية وعقارية.
وخلال العقدين الماضيين اتجهت كثير من الدول إلى اشراك القطاع الأهلي جزئيا او كليا في ملكية وادارة بعض المرافق التي أوضحت التجارب ان القطاع الأهلي قادر ومهيأ لادارتها بكفاءة عالية، بعد ان كانت في الماضي قصراً على القطاع الحكومي.
وهناك اسباب كثيرة للسير في هذا النهج ومنها:
1 - ان مهام ومسؤوليات الحكومات ازدادت واتسعت عما كانت عليه في المراحل السابقة وامام الحكومات حاليا منظومة طويلة من الأولويات والواجبات التي يصعب عمليا الوفاء بها والجمع بينها وبين الالتزامات السابقة حيث ان موارد الحكومات مهما تنوعت تبقى محدودة وقليلة مقارنة ببرامج الاتفاق المتنامية.
2 - انه تتوفر لدى القطاع الأهلي حاليا امكانيات كبيرة مادية وتنظيمية تمكنه من الاستثمار في العديد من المرافق والمنشآت ذات الطابع التجاري وادارتها وفق منظور صحيح يخدم مصلحة جميع الاطراف، الحكومات، المستهلكين، والمستثمرين.
3 - ان الاتجاه نحو القطاع الأهلي واشراكه في تمويل وادارة بعض المرافق (التي كانت قصراً على القطاع الحكومي) سوف يخفف من الاعباء المالية على الحكومات بحيث توجه مواردها إلى تمويل المرافق الأخرى التي لا يقدم عليها القطاع الأهلي.
ومرة أخرى فإن المملكة العربية السعودية لم تتخلف عن هذا النهج، فقد بادرت في مرات عديدة إلى تحويل جزء من ملكيتها إلى القطاع الأهلي، ومن ابرز ذلك قيام الحكومة السعودية قبل عدة سنوات ببيع (30%) من رأس مال الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) إلى القطاع الأهلي.
وفي هذا الصدد يقول العمير وبسبب عزم الحكومة السعودية على تحويل ما لا يقل عن 30% من ملكيتها في رأس مال شركة الاتصالات إلى القطاع الأهلي فانه من المفيد التذكير بثلاث نقاط أساسية.
الاولى: ان هذا الاتجاه يمثل موقفا سليما وصحيحا وانه يتفق مع النهج الذي سارت عليه الحكومة في بلورة مفهوم العلاقة التكاملية بين القطاعين الحكومي والأهلي النابعة من فلسفة الاقتصاد الحر الذي يقتضي ان يكون القطاع الأهلي المحور الرئيسي للنشاط الاقتصادي. ذلك ان اقدام الحكومة في البداية على الاستثمار في مجال المشاريع الاقتصادية (كما اشرنا سلفا) ناشيء عن احجام القطاع الأهلي آنذاك لنقص الموارد وضعف الكفاءات لديه.
الثانية: إن تخلي الحكومة عن ملكية وادارة بعض المرافق العامة لا يقصد منه انفصال هذه المرافق وخروجها عن دائرة المراقبة الحكومية، بل ان هذه المرافق سوف تبقى تحت اشراف الاجهزة الحكومية ذات العلاقة على نحو يكفل استمرار هذه المرافق في تقديم الخدمات للمواطنين بكفاءة عالية ومقابل أسعار عادلة ترضي جميع الاطراف.
الثالثة: ان بيع الحكومة (كليا او جزئيا) لحصتها في رأس مال الشركة سوف يوفر لها اموالا سائلة تحتاجها للاستثمار في اقامة مرافق أساسية أخرى كتلك التي لا يقدم عليها القطاع الأهلي مثل المدارس والمراكز الصحية وما شابهها.
وتؤكد النتائج المستمدة من التجارب المعاصرة على ان النمط الذي اختارته المملكة لتحويل ملكية وادارة مرافق الهاتف ذات الطبيعة الاقتصادية والتجارية من القطاع الحكومي إلى القطاع الأهلي يعتبر نهجا صحيحا وسليما لأنه سوف يوفر فرصا جيدة لجميع المواطنين لاستثمار مدخراتهم والمشاركة في تكوين رأس المال الثابت الضروري لمقومات التنمية الشاملة، ويسمح بقدر كبير للمنافس التي تعتبر أمرا حيويا في مجال زيادة الكفاءة الانتاجية وخفض التكاليف.
ان المبادرة ببيع ما لا يقل عن 30% من رأس مال شركة الاتصالات الأهلي تكتسب أهمية خاصة لاعتبارات عديدة منها:
أولاً: ان التوقيت ملائم جدا حيث تشهد ألفترة الحالية انتعاشا متعاظما لدور القطاع الأهلي يتمثل في نشاط سوق الاسهم في المملكة العربية السعودية اسعاراً ومداولات.
ثانياً: صواب اختيار مرفق الهاتف كبداية لها التحول لان مرفق الهاتف هو اقرب المرافق العامة التصاقا بالنشاط الاقتصادية المختلفة واكثرها تأهيلا لتحقيق الأهداف المتوخاة من هذا التحول.
ثالثاً: ان الموقف لن يقتصر على تنازل الحكومة عن 30% من حصتها في رأس مال شركة الاتصالات فحسب بل سيتبع ذلك فتح قطاع الاتصالات للمنافسة ودخول شركات جديدة في مجال خدمات الهاتف الجوال بعد سنتين وللهاتف الثابت بعد ست سنوات.
لاشك ان حكومة المملكة اعتمدت في هذا النهج استراتيجية صائبة وبرنامجا عمليا مرحليا بدءا بتأسيس شركة الاتصالات ورسملة الاصول المملوكة لقطاع الاتصالات وتكوين الهيكل الاداري والتنظيمي للشركة وتشكيل اجهزتها التنفذية على غرار الانماط المتعارف عليها دوليا، وانتهاء بقرار البيع التدريجي لهذه الاصول والتحرير المرحلي لقطاع الاتصالات بالسماح بدخول شركات منافسة. هذه التجربة الرائدة في مجال تخصيص مرفق الاتصالات ما هي الا بداية لمراحل متعاقبة تنتهي بتحويل المرافق الأخرى ذات الطبيعة التجارية مثل مصافي البترول، وشركة الحفر العربية وشركة المعادن وألفنادق والسكة الحديد ومرافق المطارات وغيرها. هذه المرافق جميعها مرشحة لأن تحذو الحكومة في نهجها على غرار النموذج الذي اعتمدته في قطاع الاتصالات.
|