Saturday 28th September,200210957العددالسبت 21 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

أيها السعوديون اقرؤوا هذا المقال.. أيها السعوديون اقرؤوا هذا المقال..
حكايات حقيقية: كتابنا يحترق.. يغرق..يُدفن.. ويُعاد تدويره
د. علي بن شويل القرني*

كنت انتظر احدى المناسبات الكبرى الاحتفالية بالكتاب، حتى أنشر هذا المقال.. وقد وجدت المناسبة.. وهي معرض الكتاب الذي تنظمه جامعة الملك سعود هذه الايام.. حتى يكون المقال ذا مناسبة، وحتى يكون الموضوع في سياق الاهتمام المجتمعي الذي تولده تلك المناسبة.هذه قصص حقيقية true stories وليست مجرد اوهام او خيالات علمية.
والحكاية تبدأ من حركة نسميها حركة التأليف السعودي.. ففي السنوات الماضية نشط الادباء والمثقفون واساتذة الجامعات في التأليف والترجمة، وزخرت مكتباتنا بمئات العناوين في مختلف التخصصات.. مما نتج عنه حركة نشر واسعة النطاق واكتظت رفوف المكتبات بالمؤلفات السعودية، التي هي عصارة فكر ونظرية وتجربة فريدة في المجتمع السعودي..
وهي من اهم مخرجات مشروع التنمية السعودي.
وبحسب علمي والتصاقي بعدد من اصحاب هذه المؤلفات، وصلنا الى قناعة راسخة ان الكتاب لا يجد التشجيع الكافي من قبل الجهات ذات العلاقة التي يفترض ان تساهم في دعم حركة التأليف والترجمة في المملكة..
وقد كانت هذه الجهات فيما مضى تدعم المؤلفات السعودية، الا ان السنوات الماضية كانت مجحفة في حق المؤلفات السعودية.. فأول خطوات ربط الاحزمة اتجهت الى الميزانيات المخصصة أساساً لدعم المناشط الثقافية في هذه الجهات والهيئات الحكومية.وما أريد أن أفصح عنه في هذا المقال هو نماذج من اوجه المعاناة التي يواجهها المؤلفون والمترجمون في شتى التخصصات سواء من يؤلف للجمهور العام او للجمهور الخاص.. وهذه اربعة امثلة قد تبدو طريفة ولكنها تعكس معاناة حقيقية في هذا المجال:
1- احد المؤلفين السعوديين بعد ان طبع عدة آلاف من كتاب له في احد الموضوعات الحيوية في المجتمع «الارقام هنا هي الحد الادنى الذي تطلبه المطابع عادة وهو ثلاثة آلاف نسخة..» حاول هذا الزميل ان يسوّق كتابه في عدد من الجهات الحكومية والخاصة، ولكن كل جهوده باءت بالفشل الذريع، مما حدا به لأن يفطن الى طريقة حضارية للتخلص من تكدس الكتب التي ضاقت بها مساحة منزله.. فاتصل بشركة تدوير الورق، وطلب منهم زيارة منزله وفوجئ مندوب الشركة بأن الموجود في ذلك المنزل ليس أوراق صحف قديمة او مخلفات كرتونية، بل هي مجموعات قيمة من الكتب، بصناديقها «كراتينها» التي جاءت بها المطبعة.. وأخذت الشركة هذه المجموعات الكبيرة من كتابه الذي سهر الليالي والايام في إعداده وتأليفه.. وهكذا انتهى هذا الجهد إلى مجرد ورق مدور تم الاستفادة منه في صناعة اثواب جديدة من أوراق الشاورما وقرطاسيات السوبرماركت.
2- زميل آخر تحمس لترجمة كتاب في تخصص مهم للمجتمع، وحاول تسويق هذا الكتاب الى عدد من الجهات الحكومية والخاصة، الا ان ما تم شراؤه لا يتعدى عشرة في المائة من مجمل المطبوع «ونؤكد مرة اخرى ان المطبوع لا يتعدى الحد الادنى من الذي تطلبه دور النشر وهو ثلاثة آلاف نسخة».
ووضع هذا الزميل النسخ المتبقية من كتابه «90%» تحت احدى شرشفات منزله حتى تحميها من شدة حرارة الشمس في اصياف الرياض.. ولكن لحظه المتعثر هطلت امطار غزيرة جداً سالت على اثرها الكتب والكراتين التي بحوزته، مما استدعاه إلى طلب عمال النظافة في اليوم التالي وحمل هذه الكتب نهائيا وقذفها في خزانات القمامة في الحي الذي يقطن فيه..
وهكذا انتهت طموحات زميل آخر أراد أن يساهم في تعزيز المكتبة السعودية بكتاب مترجم علَّه يساهم به في تعزيز حركة الترجمة المتخصصة في المملكة.
3- زميل ثالث بعد ان استبدَّ به الحال، ولم يتمكن من استعادة قيمة الطباعة التي كلفته عشرات الآلاف، رأي ان افضل طريقة هي ان يحتفل بطريقته الخاصة فأخذ كل النسخ الخاصة بكتابه، وحمّلها احدى سياراته «ونيت على ما اظن» وغادر بها مع عائلته الى الثمامة او مكان قريب منها، وجمع كل هذه الكتب واشعل فيها نيران الحب، وحرقها عن بكرة أبيها وسط ابتهاج عائلي كبير، حيث كانت تلك الامسية من الامسيات الشتوية في مدينة الرياض.. وبطبيعة الحال كانت العائلة مبتهجة كثيرا لهذا الاجراء نظراً لأن هذه الكتب قد زاحمت اماكن عديدة للأبناء والبنات في منزله.
4. اما زميلي الرابع فقد حاول كثيرا ان يحافظ على الكميات الكبيرة من كتبه التي لم يتم تسويقها حكوميا او من خلال جهات القطاع الخاص.. وقد ضاقت المساحة في منزله بهذه الكتب.. مما دعاه الى الطلب من احد اقاربه الذي يملك منزلا اكبر من منزله ان يستوعب هذه الكراتين المتكدسة في بيته.. وقد سرّه نقل كتبه من منزله وذلك حتى تغيب هذه الصورة من ناظره في اقل تقدير.. ولكن بعد اشهر رنَّ عليه تلفون قريبه وقال له بأنه سوف يعرض منزله للبيع، فإما ان يشتري المنزل بالكتب التي توجد فيه، أو أن يتفضل مشكورا بنقل هذه الكتب في أسرع وقت.. وفكر هذا الزميل كثيرا، فهبطت عليه فكرة غير مسبوقة، فاستأجر سيارة نقل كبيرة مع اثنين من العمال وذهب بهما ونقل كل كتبه من منزل قريبه، ثم اتجه بها شرق مدينة الرياض وطلب من العامليْن ان يحفرا حفرة كبيرة.. وبعد ان أنجزا هذه المهمة طلب منهما ان يلقيا بكل الكتب في هذه الحفرة التي استوعبت كتبه واحلامه كذلك..
هذه نماذج حية من المعاناة التي يواجهها المؤلفون السعوديون.. وبالتأكيد لدينا الكثير من الامثلة التي تصبُّ في مثل هذه النهايات، ولكن هذه تشكل نهايات مأساوية لطموحات كتاب سعوديين هم مثقفون وأساتذة جامعيون كان همهم الاساسي هو نشر المعرفة والعلوم في مجتمعنا العربي السعودي..

(*)رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلوم الاتصال
أستاذ الاعلام بجامعة الملك سعود

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved