Saturday 28th September,200210957العددالسبت 21 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ..! خطر شح المياه المنتظر كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ..! خطر شح المياه المنتظر
عبد العزيز السماري

حضارات سادت ثم بادت ظاهرة تاريخية تكاد أن تكون صفة مرتبطة بالعالم القديم وحواضره وبواديه المترامية على أطراف الصحاري، وباد الشيء أنقطع وذهب، وأباده الله أي أهلكه، والبيداء:
المفازة المستوية يجري فيها الخيل؛ وقيل: مفازة لا شيء فيها؛ وسميت بذلك لأنها تُبيدُ من يَحِلُّها، وهي قليلة الشجر جَرداءُ، ويحفل التاريخ العربي القديم بحضارات سادت ثم بادت، ورد ذكر بعضها ضمن قصص القرآن الكريم وسير التاريخ، ولم يبق لأكثرها آثاراً ظاهرة، هناك من يعتقد أن قسوة البيداء أفنت رفاتها، وأهلكتها عوامل الجغرافيا المقاومة لطبيعة الاستقرار والاستمرار في المد الحضاري البشري، فالنمو السكاني في البوادي وفي الصحاري العربية حركة ضد جغرافيا المنطقة، وعامل مؤثر لبدء الهجرة أو الموت عطشاً بسبب شح المياه، وأغلب الاكتشافات الأثرية الحديثة عن عالمنا القديم، كانت بقايا لمدائن حضارات بادت في صحاري خارج التجمعات البشرية الحالية، منها مثلا قرية الفاو بالقرب من نجران، وحضارة ثاج بالقرب من الجبيل، ومدائن صالح وغيرها..
بينما يختلف الحال في البلاد الغنية بالموارد الطبيعية ومصادر المياه، حيث ظلت آثار مدائنها القديمة ضمن عمق المد العمراني والبشري الحديث، وبقيت شاهدة على حضارة سادت، ولم تهلكها بيداء أو حرب صراع من أجل البقاء،..
كان آخر الاكتشافات الأثرية في صحاري العالم القديم حسب علمي، ما أطلق عليه علماء الآثار بأقوام «الجارامانتيس».. أو مملكة الصحراء الضائعة في صحراء ليبيا، وحسب ما جاء به المؤرخون الرومان القدامى، كانوا عبارة عن قبائل شرسة وغير متحضرة، لكن بحوثا أجراها مؤخرا علماء من جامعتي لستر ونيوكاسل في بريطانيا أثبتت أن الجارامانتيس كانوا يقطنون مدنا متطورة وابتكروا نظاما للري أتاح لهم استخدام رمال الصحراء في الزراعة، والسر يكمن في شبكة قنوات للري تقع تحت سطح الأرض، تتصل بدورها بخزانات طبيعية للمياه، كان هناك المئات بل الألوف من هذه القنوات، وإن العمل الذي قامت به هذه الأقوام من اجل بقائها مذهل حقا، ولايزال الغموض يحيط بموطن الجارامانتيس الأصلي، كما يحاول الباحثون التوصل إلى ما حل بهم في العصور الوسطى، لكن الشيء المؤكد ان حضارتهم بلغت ذروتها في القرون الميلادية الأولى، ومن ثم اضمحلت نتيجة شح المياه..
والمياه في مسيرة الإنسانية العامل الأهم في ظهور الحضارات وتقدمها، لما يشكله الماء من حالة استقطاب للأفراد وللجماعات، ولإقامة المجتمع وإرساء أسه من خلال إقامة التجمعات السكانية بالقرب من الموارد المائية الطبيعية.
وشح المياه وجغرافيا الجفاف في الشرق لعبت أدوارا متعددة في تشكيل شخصية الإنسان العربي منذ القدم، وحكمت ظروفها القاسية عليه أن لا يثق ببواديها، وجغرافيتها القاسية، وأن يمتهن الهجرة والتنقل من واحة إلى أخرى، ومن بادية إلى أخرى، وأن يمتنع في الغالب عن الاستقرار في موطن واحد، وأن يستمر في بحثه عن مورد جديد للمياه، وأرض يسود فيها، ربما يفسر هذا النمط من العيش غير المستقر، غياب آثار المد العمراني فيما بعد عصور العرب البائدة.
في القرن العشرين، كان قيام الدولة بمفاهيمها الحديثة في جزيرة العرب، الحدث الاهم عبر تاريخها الطويل، وكان ترسيم الحدود شمالا مصدر خوف القبائل العربية من الانقطاع عن مصادر المياه، لكن اكتشاف النفط في دول الخليج العربي وفي المملكة العربية السعودية بالتحديد، قلب موازين التحول الجيوستراتيجي لأول مرة نحو الجنوب في تاريخ المنطقة العربية، فتكوين الدولة الحديثة وتأثيرات الطاقة وتطور التقنيات الحديثة وهبت الإنسان العربي في الجزيرة العربية الأمان من مصير الإملاق والعطش، وسخرت له الوسائل الضرورية للاستقرار الحضاري، وللمد البشري، فتضاعف سكانها عشرات المرات، وصارت هدفا للعمل وطلب الرزق لسكان الشمال..، وازدياد السكان المتسارع علامة على الاستقرار الطبيعي والسياسي،.
ولكنه عامل ضد جغرافيا جزيرة العرب حسب مفهوم انقراض الحضارات الجغرافي في الشرق العربي، وأداة هلاك في بيدائها، فشح المياه يكاد يكون العامل الاهم في هلاك او هجرة التجمعات البشرية في الماضي البعيد.
وحصة الفرد العربي من المياه في هذا العصر، لازالت الأقل في العالم، فقد كان متوسط نصيبه يصل إلى 3800 متر مكعب سنويا في عام 1950، ثم انخفض إلى 1027 متر مكعب في عام 1996، والآن أصبح اقل من 1000 متر مكعب، بينما يقترب مثيله الأفريقي من 5500 متر مكعب سنويا، والآسيوي من 3500 متر مكعب سنويا، والذي يدعو إلى التوجس أن متوسط نصيب الفرد العربي من المياه سينخفض إلى 464 متر مكعب سنويا بحلول عام 2025.
وتعتمد السعودية في الحاضر على تقنية التحلية، وبالرغم من ارتفاع تكاليفها، إلا إنها كانت الاستراتيجية المناسبة لظروف البلاد وطبيعتها الصحراوية،..
فأرقام ازدياد السكان ونقص المياه الجوفية، تنذر بتكرار معاناة الإنسان القديم مع شح المياه في جزيرة العرب، لكن الإنسان العربي في الزمن الحالي يعيش وسط عوامل حضارية لم تحدث من قبل، وذلك لتوفر مصادر الطاقة.ووسائل التكنولوجيا الحديثة، وهي ظروف قد تهيء إيجاد تقنيات قادرة على قهر الطبيعة القاسية، وعلى التغلب على دورة الهلاك التاريخية في بيداء الجفاف، لذلك يجب مواجهة الحقائق المرّة بكل شجاعة، وتوظيف قدرات العقل البشري في العمل على ايجاد حلول جذرية، لا تقف فقط عند نشر الإرشادات لخفض الاستهلاك، فمهما انخفضت كمات استهلاك المياه، فلن تقضي على خطر الجفاف وشح المياه في المستقبل.
ظاهرة شح المياه الجوفية ستهلك الحرث، وستؤدي الى انحسار المحاصيل الزراعية وهلاك الماشية، وانتشار الامراض الوبائية، والمراقب في صيف هذا العام لحالة المياه الجوفية في القرى حول مدينة الرياض، سيدرك ان النذير حانت صيحته، وأن العمل من أجل البقاء دقت ساعته.
وواقع الحال.. يستدعي استنفار الجهود لوضع استراتيجيات وطنية ضد تهديد الخطر القادم، ولن يحصل هذا حسب وجهة نظري إلا بتسخير القدرات البشرية في الابتكار والتطوير في وسائل التحلية، ويتطلب الوضع حسب رأيي المتواضع إنشاء كلية للمياه وعلومها، ومركز أبحاث متخصص، يعمل خارج أطر البيروقراطية الإدارية، وان تخصص جائزة عالمية لأبحاث تقنية تحلية مياه البحر، تحرّض العقول البشرية على الابتكار في مجالات تقنيات التحلية، وتجدد دلالات المفاهيم الكلاسيكية في نظريات ارتباط الجغرافيا بالحياة.. وذلك حتى لا نصبح كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ..!

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved